منتديات البوحسن

منتديات البوحسن (http://www.albwhsn.net/vb//index.php)
-   المواضيع الاسلامية (http://www.albwhsn.net/vb//forumdisplay.php?f=7)
-   -   فيض العليم ... سورة الأعراف، الآية: 123 (http://www.albwhsn.net/vb//showthread.php?t=9021)

عبد القادر الأسود 10-08-2014 07:38 AM

فيض العليم ... سورة الأعراف، الآية: 123
 
قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ
(123)
قولُهُ ـ تعالى شأنُه: {قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ} وَأَدْرَكَ فِرْعَوْنَ الأَثْرَ العَظِيمَ الذِي تَرَكَتْهُ فِي نُفُوسِ الشَّعْبِ، هَزِيمَةُ جَمِيعِ السَّحَرَةِ، الذِي حَشَدَهُمْ، أَمَامَ عَصَا مُوسَى، ثُمَّ مَا تَبِعَ ذَلِكَ مِنْ إِيمَانِ السَّحَرَةِ بِاللهِ رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ، وَإِعْلاَنِهِمْ إِيمَانَهُمْ، أَمَامَ فِرْعَونَ وَجُمُوعِهِ، بِالسُّجُودِ للهِ، وَهذَا يَعْنِي كُفْرَهُمْ بِأُلُوهِيَّةِ فِرْعَونَ وَعِبَادَتَهِ، فَأَدْرَكَ سُوءَ عَاقِبَةِ جَمِيعِ ذلِكَ عَلَيْهِ، فَأَرَادَ إِزَالَةَ هذَا الأَثْرِ مِنْ نُفُوسِ الشَّعْبِ، وَإِلْهَاءِ الشَّعْبِ بِشَيءٍ آخَرَ، فَأَخَذَ يَتَوَعَّدُ السَّحَرَةَ لإِيمَانِهِمْ بِرَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ وَبِنُبُوَّتِهِمَا، قَبْلَ أَنْ يَأْذَنَ هُوَ لَهُمْ بِذَلِكَ.
وقوله: "قَبْلَ أَن آذَنَ لَكُمْ" دليلٌ على مناقضة فرعون في ادِّعاءِ الألوهية، لأنَّهُ لو كان إلهاً لما جازَ أَنْ يَأْذَنَ لهم في أنْ يُؤمنوا به مع أنَّهُ يدعوهُمْ إلى إلهيَّةِ غيره، وذلك من خذلان اللهِ الذي يظهرُ على المُبطلين.
قولُه: {إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا} مكرٌ مكرتموه: أي حيلةٌ احْتَلْتُموها وتَواطأتم مع موسى عليها، فالمكْرُ: هُوَ تَصَرُّفُ الإِنْسَانِ لِيَصْرِفَ آخَرَ عَنْ قَصْدِهِ بِالحِيلَةِ. فقد اتَّهَمَهُمْ بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُتَوَاطِئِينَ فِي ذَلِكَ مَعَ مُوسَى وَهَارُونَ، عَلَى أَنْ يَغْلِبَهُمْ مُوسَى، وَقَدْ تَمَّ ذَلِكَ عَنْ سَبْقِ اتِّفَاقٍ وَتَشَاوُرٍ مَعَهُما، وَذلِكَ لِيُتِيحُوا لَهُمَا إِخْرَاجَ قَوْمِهِمَا مِنْ مِصْرَ، وَقَالَ لَهُمْ إِنَّهُمْ سَيَعْلَمُونَ مَا سَيَصْنَعُهُ بِهِمْ. وهما الشبهتان اللتان ألقاهما فرعون إلى أسماع العامة لما رأى إيمان السَّحرةٍ بنبوة موسى - عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ - عند اجتماع الخلق لأنَّه خاف من أن يصير ذلك حجّة قويَّة على صحَّةِ نبوة موسى فيمنع القوم من اعتقاد نُبوته. ومعلوم عند جمع العقلاء أنَّ مُفارقَةَ الوطنِ والنِّعْمَة المألوفة من أصعبِ الأمور فجمع فرعون اللّعينُ بين الشُّبهتين، ولا يوجد أقوى منهما في هذا الباب.
وروى محمَّدُ بنُ جريرٍ عن السُّدِّي في حديثٍ عن ابن عبّاس، وابن مسعودٍ وغيرهما من الصَّحابة ـ رضي الله عنهم أجمعين ـ أن موسى ـ عليه السلام ـ وأميرَ السَحَرَةِ التَقيا فقال موسى: أَرَأَيْتَك إنْ غلبتُكَ أَنْ تُؤمِنَ بي وتَشهدَ أنَّ ما جِئتُ بهِ الحقّ؟ فقال الساحر: واللهِ لئن غلبتني لأؤمِنَنَّ بك، وفرعون يَنْظُرُ إليهِما ويَسْمَعُ قولَهما، فهذا قولُ فرعون: "إِنَّ هذا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِي المدينة".
قوله تعالى: {آمنتم به} والضمير في "به" عائدٌ على الله تعالى لقوله: {قالوا آمَنَّا بِرَبِّ العالمين} ويجوزُ أن يعودَ على موسى وأمَّا الذي في سورتي (طه) و (الشعراء) في قوله: {آمنتم له} فالضمير لموسى لقوله: {إنَّه لكبيرُكم}.
قولُه: {إِنَّ هذا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِي المدينة} جُملةُ: "إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ" خبَرٌ مرادٌ به لازِمُ الفائدة، أي: ولقد علمتُ مُرادَكم، لأنَّ المُخاطَبَ لا يُخبرُ بشيءٍ صَدَرَ مِنهُ. كقولِ عَنترةَ:
إن كنتِ أَزْمعتِ الفِراقَ فإنما ............... زُمَّتْ رِكابُكُمُ بليلٍ مُظلِمِ
أي: إن كنتِ أَخفيتِ عَني عزمَك على الفراقِ فقد عَلِمتُ أَنَّكم شَدَدْتم رِحالَكم بليلٍ لِتَرحَلوا خِفْيَةً.
وقوله: {قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ} تَرَقٍّ في مُوجِبِ التَوبيخِ، أيْ لم يكفكم أنكم آمنتم بغيري حتى فعلتم ذلك عن غير استئذان، وفصلها عما قبلها لأنها تعداد للتوبيخ. والهاء في "مَكَرْتُمُوهُ" ضمير المصدر المؤكد لفعلِه في محلِّ نصب مفعولٍ به. و "فِي" ظرفيَّةٌ مجازيَّةٌ: لقد جَعلَ مَكْرَهم كأنَّه موضوعٌ في المدينةِ كما يُوضَعُ العُنصُرُ المُفسِدُ، أي: أَرَدْتم إضرارَ أَهلِها، وليستْ ظرفيَّةً حقيقيَّةً لأنها لا جدوى لها إذْ معلوم لكلِّ أحدٍ أنَّ مَكرَهم وقع في تلك المدينة.وقد تبين أنَّ المرادَ بالظَرَفيَّةِ ما ذَكرناه بالتعليل الذي بعدها في قوله: "لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا" والمرادُ هنا بعضُ أهلِها، وهم بنو إسرائيل، لأنَّ موسى طلبَ إخراجَ بني إسرائيل كما تقدم.
قوله: {فَسَوْفَ تَعْلَمُون} مفرَّعٌ على الإنْكارِ والتوبيخ الوعيدِ. حُذِفَ مفعولُه للعلم به، ولقصد الإجمال في الوعيد بهدف إدخال الرعب، أي: تعلمون ما يحلُّ بكم، وهذا وعيدٌ مجمل مبهمٌ، ثُمَّ فَسَّرَ هذا المُبْهَمَ بقوله بعدها: {لأقَطَّعَنَّ ..} فجاء به في جملةٍ قَسَمِيِّةِ؛ تأكيداً لِمَا سيَفْعَلُه.
وقوله: {آمنتم} اختلف القرَّاءُ في هذا الحرف هنا، وفي سورة (طه) وفي سورة (الشعراءِ)، فبعضُهم جَرى على مِنْوالٍ واحدٍ، وبعضُهم قَرَأَ في مَوْضِعٍ بشيءٍ لمْ يقرأ بِهِ في غيرُه، وهم في ذلك على أَرْبَعِ مَراتِبَ.
الأولى: قراءةُ الأخوينِ (حمزة والكسائي)، وأبي بكرٍ عَنْ عاصِمٍ،ورَوْحٌ عن يَعقوبَ، وخَلَف، بتَحقيقِ الهَمزتين في السُّورِ الثَّلاثِ، من غير إدْخالِ أَلِفٍ بينَهما، وهو استفهامُ إنكارٍ، وأمَّا الألفُ الثَّالثة فالْكلُّ يَقْرؤونَهَا كذلك، لأنَّهَا فاءُ الكلمة، أُبْدِلتْ لِسُكونها بعد همزةٍ مفتوحةٍ، وذَلك أَنَّ أَصْلَ هذه الكَلِمَةِ أَأَأْمنْتم، بثلاثِ همزاتٍ: الأولى للاستفهام، والثَّانيةُ همزة "أفْعَلَ"، والثَّالثةُ فاء الكلمة، فالثَّالثةُ يجبُ قبلَها أَلِفاً، لما تَقَدَّمَ أَوَّلِ الكِتابِ، وأَمَّا الأُولى فمُحَقَّقةٌ ليس إلاَّ، وأَمَّا الثَّانيةُ فهي الَّتي فيها الخلافُ بالنِّسبة إلى التَّحقيقِ والتَّسْهيلِ.
الثانية: قراءة حفص وهي "آمنتم" بهمزة واحدة بعدها الألف المشارُ إليها في جميع القرآن. وهذه القراءةُ تحتمل الخبرَ المَحْضَ المتضمنَ للتوبيخ، وتحتمل الاستفهامَ المشارَ إليه، ولكنه حُذِف لفهم المعنى ولقراءة الباقين.
الثالثة: قراءةُ نافع وأبي عَمْرٍو وابنُ عامِرٍ والبِزِيُّ عنِ ابْنِ كَثيرٍ، بتحقيقِ الأولى، وتسهيلِ الثانية بين بين، والألف المذكورة. وهو استفهامُ إنكارٍ.
الرابعة: قراءةُ قنبلٍ عن ابنِ كثيرٍ، وهي التَّفرقةُ بين السُّور الثَّلاثِ. وذلك أنَّهُ قرأ في هذه السُّورة حال الابتداءِ ب "أآمنتم" بهمزتين، أولاهما محققة والثَّانيةُ مُسَهَّلة بَيْنَ بَيْنَ وألفٌ بعدَها كقراءةِ البِزِّي، وحالَ الوَصْلِ يَقرأ: "قَالَ فِرْعَوْنُ وآمَنْتُم" بإبدالِ الأُولى واواً، وتسهيلِ الثَّانية بين بين، وألف بعدها، وذلك أنَّ الهمزةَ إذا كانت مفتوحةً بعد ضمَّةٍ جازَ إبدالُهَا واواً، سواءً أكانت الضَّمَّةُ والهمزةُ في كلمةٍ واحدةٍ نحو: "مُرْجَؤونَ"، و "يُؤَاخِذُكُمُ" في سورة البقرة، الآية: 225. و "مُؤجَّلاً" أم في كلمتين كهذه الآيةِ، وقد فعل ذلك أيضاً في سورة الملك في قوله: { وَإِلَيْهِ النشورُ أَأَمِنتُمْ} الآيتان: 15و 16. فأبدلَ الهمزةَ الأولى واواً فقرأ "وأمنتم"، لانْضمامِ ما قَبْلهَا حالَ الوصلِ، وأمَّا في الابتداءِ فيُخفِّفُها لِزوالِ المُوجِبِ لِقلْبِها، إلاَّ أنَّه ليس في سورة الملكِ ثلاثُ همزاتٍ.
وقرأ في سورة (طه) كقراءة حفص: أَعني بهمزةٍ واحدةٍ بعدها أَلِفٌ، وفي سورةِ الشعراءِ كقراءةِ رفيقِه البِزّيّ ، فإنَّهُ ليس قبلها ضمة؛ فيُبدِلُها واواً في حال الوصل.


الساعة الآن 07:12 PM

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2024, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir

جميع المشاركات المكتوبة تعبّر عن وجهة نظر كاتبها ... ولا تعبّر عن وجهة نظر إدارة المنتدى