منتديات البوحسن

منتديات البوحسن (http://www.albwhsn.net/vb//index.php)
-   مقالات مختارة (http://www.albwhsn.net/vb//forumdisplay.php?f=28)
-   -   فقه الأولويات وأثره في نهضة الأمة (http://www.albwhsn.net/vb//showthread.php?t=9433)

عبدالقادر حمود 12-25-2017 09:50 PM

فقه الأولويات وأثره في نهضة الأمة
 
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات والصلاة على سيدنا محمد سيد السادات وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد..
إخوتي أحبتي في الله..
. أسعد الله تعالى أوقاتكم بكل خير...
نتابع معا هذه المقالات الشهرية التي نعالج فيها بعض المشاكل والعقبات والتحديات الحياتية سائلين الله تعالى لكل من قرأ ونظر فيها حسن التوفيق والتطبيق والعمل...
وفي هذا المقال عن شهر ربيع الثاني الذي تأخر قليلا لبعض أشغال أقف معكم على مسألة مهمة جداً في حياة أمة الإسلام... ألا وهي مسألة معرفة وزن الأعمال الصالحة وأي منها أولى بالتقديم؟ وأي منها يستحق التأخير؟
وهل كل الأعمال وزنها عند الله تعالى واحد؟
وهل المسلم مكلف بالبحث عن الأولى والأصلح والأقرب والأحب والأنفع فيقدمه؟
وما الميزان الذي نعرف به قيمة العمل ووزنه ومرتبته في الأولوية؟
إخوتي الأكارم...
أولا :أبدأ ببعض النصوص والآثار المتعلقة بهذا الشأن..
قال جلا وعلا...(( لَّا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ ۚ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً ۚ وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَىٰ ۚ وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا..)) .. ففي الآية الكريمة بيان أن هناك تفاضل كبير بين عمل وآخر فالجهاد إذا كان فرضا كفائيا بحيث لوخير المسلم بين الخروج والقعود فالخروج أقرب عند الله تعالى وأحب من القعود ولو كان في قعوده يقوم بأي عمل صالح فهو مفضول..
ومن السنة الشريفة..
.قوله صلى الله عليه وآله وسلم عن طائفة من أمته
(يَحْقِرُ أَحَدُكُمْ صَلاَتَهُ مَعَ صَلاَتِهِمْ، وَصِيَامَهُ مَعَ صِيَامِهِمْ، يَقْرَؤُونَ الْقُرْآنَ لاَ يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ) متفق عليه، وفي رواية في البخاري:
‏ "يَقْتُلُونَ أهْلَ الإسلامِ وَيَدَعُونَ أهْلَ الأَوثَانِ"
‏ففي الحديث تحذير خطير من غرور العمل مهما كان في صورته صالحا فقد يكون الدافع إليه هوى نفسيا أو غرضا دنيويا وهو ما يؤكده الواقع المرئي حيث تجد أدعياء الجهاد يقتلون أهل القبلة بحجج واهية؟ ويتشددون في مواطن الرحمة وهم لايميزون بين موحد وغيره من الملل الأخرى..
وفي الصحيحين :
‏أن رَجُلاً جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَاسْتَأْذَنَهُ فِي الْجِهَادِ فَقَالَ أَحَيٌّ وَالِدَاكَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ.
وفي هذا الحديث تقديم بر الوالدين أيضا على الجهاد الكفائي أيضا لأن الجهاد العيني ( النفير العام) لا يستأذن فيه.
وإليكم هذه المأثورات من أقوال السلف الصالح :
1)-{من شغله الفرض عن النفل فهو معذور، ومن شغله النفل عن الفرض فهو مغرور} .*أحد التابعين.
2)-: {كلُّ مَنْ كان في شيء من التطوُّع يلذ به، فجاء وقت فريضة، فلم يقطع وقتها لذة التطوع، فهو في تطوُّعه مخدوع} أبو سليمان الداراني..
3)-كان ابن عمر رضي الله عنه يقول لأهل العراق: {ما أسْأًلَكم عن الصغيرة وأجرأكم على الكبيرة! تقتلون الحسين ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وتسألون عن دم البعوضة؟!} .*
ثالثا..أهمية هذا الفقه في حياتنا:
قال الله تعالى... (( أفمن كان على بينة من ربه كمن زين له سوء عمله واتبعوا أهواءهم))
وفيها نص صريح أن المسلم إما أن يكون في أعماله وأشغاله على بينة من ربه بالعلم الشرعي واتباع السنة وإخلاص النية وإما أن يكون مع هوى نفسه ولو كان في ظاهر الامر عند الناس يعمل خيرا. ومنه قول صاحب متن الزبد...
وكل من بغير علم يعمل.... أعماله مردودة لا تقبل
مماسبق نعلم أنه يتحتم على كل مسلم صادق أن ينضبط عنده ميزان الأولويات بشكل منطقي وصحيح حتى لا يقدِّم المهم على الأهم، أو يحرص على المفضول ويترك الفاضل، كمن يحرص على أداء بعض النوافل والمستحبات ويفرط في أداء الفرائض والواجبات أو يتساهل في فعل المحرمات.
. والذي يتفحص أحوال المسلمين وأحوالهم يجد أن هناك تخبطا ظاهرا وفوضى عارمة في هذا المجال ففي الوقت الذي تجد فيه أموالا تعد بالملايين تنفق لتجديد العمرة سنويا تجد أسرا تعاني من فقر مدقع ومرض موجع يعيشون في نفس الحي أو القرية التي ينطلق منها المعتمرون..
وفي الوقت الذي تجد فيه أناسا نصبوا أنفسهم في ساحات القتال حتى غدوا بين الناس من الأبطال ثم تسأل عن فقههم وعلمهم وإذا بهم جاهلين بأبسط قواعد الفقه ومسلماته والله تعالى يقول..(( وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً ۚ فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ )) .....
رابعا... حكم تعلم فقه الأولويات:
يعتبر هذا الفقه على مستوى الأمة من الفروض الكفائية بحيث يوجد في كل بلد من بلدان المسلمين مرجع فقهي (يمكن أن يكون فردا أو لجنة فقهية) يلم بهذا الفقه إلماما كاملا.
وأما على مستوى الفردي فيقسم هذا الفقه إلى نوعين:
1)- واجب إن كان في الواجبات الفروض الشرعية وترك المحرمات كمعرفة الفروض التي لايصح تأخيرها كغسل الميت ومايلحق به والجهاد العيني ومايستلزمه من إعداد عدة وغيرها.
‏وكذا معرفة الفروض التي يصح تأخيرها كحج وعمرة.
وأماالمحرمات فهي من الفوريات تركا حيث لا يسع المسلم تأخير تركها بل يجب علينا جميعا الاقلاع والتوبة ورد المظالم إلى أصحابها ووفاء الدين لقادر عليه وغير ذلك...والأولوية فيها لا تتأتى إلا من خلال العمل بالقاعدة الفقهية "ارتكاب أخف الضررين وأهون الشرين" كمايروى عن الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى.. أنه قال.. ترك دانق من مال حرام أحب إلى الله تعالى من خمسمائة حجة... أي نافلة...
2)- مستحب يعظم أجره وفق تحري الأولوية إن كان في ترتيب الفضائل والمستحبات كتقديم نافلة الليل وهل هي أولى من نافلة صلة الرحم وعيادة المريض..؟ ومثله نافلة العمرة السنوية هل هي مقدمة على التطوع للأسر الفقيرة ومداواة المرضى..؟! . وهكذا في باقي مسائل الحياة والأعمال الصالحة...
إخوتي الأكارم...
نظرا لأهمية الموضوع وحاجتنا إليه وطلبا للاختصار فسأترك له بقية للشهر القادم بإذنه تعالى وتوفيقه وموعدنا في الشهر المقبل أن نأتي على أهم القواعد والموازين المركزة في معرفة هذا الفقه والتشبع من مسالكه... والله تعالى أسأل أن يزيدنا فقها واطلاعا وعملا وإخلاصا بديننا وأن يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال ويخرجنا من ظلمات الجهل والوهم ويكرمنا وإياكم بنور العلم الشرعي وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين


الشيخ محمود النعمة


الساعة الآن 06:39 PM

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2024, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir

جميع المشاركات المكتوبة تعبّر عن وجهة نظر كاتبها ... ولا تعبّر عن وجهة نظر إدارة المنتدى