أنت غير مسجل في منتديات البوحسن . للتسجيل الرجاء إضغط هنـا
منتديات البوحسن
facebook

صفحة جديدة 2

الصلاة والسلام عليك يا سيدي يا رسول الله بقدر كمالات سر لا اله الا الله


آخر 10 مشاركات
الأذكار           اللهم اغفر لي ، وارحمني ،واهدني ، واجبرني، وعافني،وارزقني ، وارفعني           
العودة   منتديات البوحسن > ركن التراث والتاريخ > ركن التاريخ

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 06-25-2012 رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
عبدالقادر حمود
أبو نفيسه

الصورة الرمزية عبدالقادر حمود
إحصائية العضو







عبدالقادر حمود is on a distinguished road

عبدالقادر حمود غير متواجد حالياً

 


المنتدى : ركن التاريخ
افتراضي وقعة الحرة

بسم الله الرحمن الرحيم اللهم أحينا بحبك وحب نبيك وأشغلنا بك عن كل ما سواك وأظهر على ظواهرنا سلطان لا إله إلا الله وتجلى علينا بأنوار جمالك ورحمتك يا رب العالمين وصل وسلم على شمس الجمال سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

ننقل ما جاء في كتب التاريخ ونبدأ من كتاب البداية والنهاية


سنة ثلاث وستين
ففيها كانت وقعة الحرة: وكان سببها أن أهل المدينة لما خلعوا يزيد بن معاوية وولوا على قريش عبد الله بن مطيع، وعلى الأنصار عبد الله بن حنظلة بن أبي عامر.
فلما كان في أول هذه السنة أظهروا ذلك واجتمعوا عند المنبر فجعل الرجل منهم يقول: قد خلعت يزيد كما خلعت عمامتي هذه، ويلقيها عن رأسه.
ويقول الآخر: قد خلعته كما خلعت نعلي هذه، حتى اجتمع شيء كثير من العمائم والنعال هناك، ثم اجتمعوا على إخراج عامل يزيد من بين أظهرهم، وهو عثمان بن محمد بن أبي سفيان ابن عم يزيد، وعلى إجلاء بني أمية من المدينة.
فاجتمعت بنو أمية في دار مروان بن الحكم، وأحاط بهم أهل المدينة يحاصرونهم، واعتزل الناس علي بن الحسين زين العابدين، وكذلك عبد الله بن عمر بن الخطاب لم يخلعا يزيد، ولا أحد من بيت ابن عمر.
وقد قال ابن عمر لأهله: لا يخلعن أحد منكم يزيد فتكون الفيصل ويوري الصيلم بيني وبينه، وسيأتي هذا الحديث بلفظه وإسناده في ترجمة يزيد، وأنكر على أهل المدينة في مبايعتهم لابن مطيع وابن حنظلة على الموت.
وقال: إنما كنا نبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن لا نفر، وكذلك لم يخلع يزيد أحد من بني عبد المطلب.
وقد سئل محمد بن الحنفية في ذلك فامتنع من ذلك أشد الامتناع، وناظرهم وجادلهم في يزيد ورد عليهم ما اتهموا يزيد به من شرب الخمر وتركه بعض الصلوات كما سيأتي مبسوطاً في ترجمة يزيد قريباً إن شاء الله.
وكتب بنو أمية إلى يزيد بما هم فيه من الحصر والإهانة، والجوع والعطش، وأنه لم يبعث إليهم من ينقذهم مما هم فيه وإلا استؤصلوا عن آخرهم، وبعثوا ذلك مع البريد.
فلما قدم بذلك على يزيد وجده جالساً على سريره ورجلاه في ماء يتبرد به مما به من النقرس في رجليه، فلما قرأ الكتاب انزعج لذلك وقال: ويلك ! ما فيهم ألف رجل? قال: بلى.
قال: فهل لا قاتلوا ساعة من نهار? ثم بعث إلى عمرو بن سعيد بن العاص فقرأ عليه الكتاب واستشاره فيمن يبعثه إليهم، وعرض عليه أن يبعثه إليهم فأبى عليه ذلك، وقال: إن أمير المؤمنين عزلني عنها وهي مضبوطة وأمورها محكمة، فأما الآن فإنما دماء قريش تراق بالصعيد فلا أحب أن أتولى ذلك منهم، ليتول ذلك من هو أبعد منهم مني.
قال: فبعث البريد إلى مسلم بن عقبة المزني وهو شيخ كبير ضعيف فانتدب لذلك وأرسل معه يزيد عشرة آلاف فارس.
وقيل: اثنا عشر ألفاً وخمسة عشر ألف رجل، وأعطى كل واحد منهم مائة دينار.



وقيل: أربعة دنانير، ثم استعرضهم وهو على فرس له.
قال المدائني: وجعل على أهل دمشق عبد الله بن مسعدة الفزاري، وعلى أهل حمص حصين بن نمير السكوني، وعلى أهل الأردن حبيش بن دلجة القيني، وعلى أهل فلسطين روح بن زنباع الجذامي وشريك الكناني، وعلى أهل قنسرين طريف بن الحسحاس الهلالي، وعليهم مسلم بن عقبة المزني من غطفان، وإنما يسميه السلف مسرف بن عقبة.
فقال النعمان بن بشير: يا أمير المؤمنين ولني عليهم أكفك - وكان النعمان أخا عبد الله بن حنظلة لأمه عمرة بنت رواحة - فقال يزيد: لا ! ليس لهم إلا هذا الغشمة، والله لأقتلنهم بعد إحساني إليهم وعفوي عنهم مرة بعد مرة.
فقال النعمان: يا أمير المؤمنين أنشدك الله في عشيرتك وأنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقال عبد الله بن جعفر: أرأيت إن رجعوا إلى طاعتك أيقبل منهم? قال: إن فعلوا فلا سبيل عليهم.
وقال يزيد لمسلم بن عقبة: ادع القوم ثلاثاً فإن رجعوا إلى الطاعة فاقبل منهم وكف عنهم، وإلا فاستعن بالله وقاتلهم، وإذا ظهرت عليهم فأبح المدينة ثلاثاً ثم أكفف عن الناس، وانظر إلى علي بن الحسين فاكفف عنه واستوص به خيراً، وأدن مجلسه، فإنه لم يدخل في شيء مما دخلوا فيه.
وأمر مسلم إذا فرغ من المدينة أن يذهب إلى مكة لحصار ابن نمير.
وقال له: إن حدث بك أمر فعلى الناس حصين بن نمير السكوني.
وقد كان يزيد كتب إلى عبيد الله بن زياد أن يسير إلى الزبير فيحاصره بمكة، فأبى عليه وقال: والله لا أجمعهما للفاسق أبداً، أقتل ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأغزو البيت الحرام? وقد كانت أمه مرجانة قالت له حين قتل الحسين: ويحك ماذا صنعت وماذا ركبت? وعنفته تعنيفاً شديداً.
قالوا: وقد بلغ يزيد أن ابن الزبير يقول في خطبته: يزيد القرود، شارب الخمور، تارك الصلوات، منعكف على القينات.
فلما جهز مسلم بن عقبة واستعرض الجيش بدمشق جعل يقول:
أبلغ أبا بكرٍ إذا الـجـيش سـرى وأشرف الجيش على وادي القرى
أجمع سكران من الـقـوم تـرى يا عجبا من ملحد في أم القـرى
مخادعٌ للدين يقضي بالفرى وفي رواية:
أبلغ أبا بكرٍ إذا الأمر انـبـرى ونزل الجيش على وادي القرى
عشرون ألفاً بين كهلٍ وفـتـى أجمع سكران من القوم تـرى
قالوا: وسار مسلم بمن معه من الجيوش إلى المدينة، فلما اقترب منها اجتهد أهل المدينة في حصار بني أمية.
وقالوا لهم: والله لنقتلنكم عن آخركم أو تعطونا موثقاً أن لا تدلوا علينا أحداً من هؤلاء الشاميين، ولا تمالئوهم علينا، فأعطوهم العهود بذلك.
فلما وصل الجيش تلقاهم بنو أمية فجعل مسلم يسألهم عن الأخبار فلا يخبره أحد، فانحصر لذلك.
جاءه عبد الملك بن مروان فقال له: إن كنت تريد النصر فأنزل شرقي المدينة في الحرة، فإذا خرجوا إليك كانت الشمس في أقفيتكم وفي وجوههم، فادعهم إلى الطاعة، فإن أجابوك وإلا فاستعن بالله وقاتلهم، فإن الله ناصرك عليهم إذ خالفوا الإمام وخرجوا عن الطاعة.
فشكره مسلم بن عقبة على ذلك، وامتثل ما أشار به، فنزل شرقي المدينة في الحرة، ودعا أهلها ثلاثة أيام، كل ذلك يأبون إلا المحاربة والمقاتلة.
فلما مضت الثلاثة قال لهم في اليوم الرابع - وهو يوم الأربعاء لليلتين بقيتا من ذي الحجة سنة ثلاث وستين -.
قال لهم: يا أهل المدينة مضت الثلاث وإن أمير المؤمنين قال لي: إنكم أصله وعشيرته، وأنه يكره إراقة دمائكم، وأنه أمرني أن أؤجلكم ثلاثاً فقد مضت، فماذا أنتم صانعون? أتسالمون أم تحاربون? فقالوا: بل نحارب.
فقال: لا تفعلوا بل سالموا ونجعل جدنا وقوتنا على هذا الملحد - يعني: ابن الزبير -.
فقالوا: يا عدو الله، لو أردت ذلك لما مكناك منه، أنحن نذركم تذهبون فتلحدون في بيت الله الحرام، ثم تهيأوا للقتال، وقد كانوا اتخذوا خندقاً بينهم وبين ابن عقبة، وجعلوا جيشهم أربعة أرباع على كل ربع أمير، وجعلوا أجمل الأرباع الربع الذي فيه عبد الله بن حنظلة الغسيل، ثم اقتتلوا قتالاً شديداً، ثم انهزم أهل المدينة إليها.
وقد قتل من الفريقين خلق من السادات والأعيان، منهم: عبد الله بن مطيع، وبنون له سبعة بين يديه، وعبد الله بن حنظلة الغسيل، وأخوه لأمه محمد بن ثابت بن شماس، ومحمد بن عمرو بن حزم، وقد مر به مروان وهو مجندل فقال: رحمك الله، فكم من سارية قد رأيتك تطيل عندها القيام والسجود.
ثم أباح مسلم بن عقبة، الذي يقول فيه السلف: مسرف بن عقبة - قبحه الله من شيخ سوء ما أجهله - المدينة ثلاثة أيام كما أمره يزيد، لا جزاه الله خيراً، وقتل خيراً خلقاً من أشرافها وقرائها، وانتهب أموالاً كثيرة منها، ووقع شرُّ عظيم وفساد عريض على ما ذكره غير واحد.
فكان ممن قتل بين يديه صبراً معقل بن سنان، وقد كان صديقه قبل ذلك، ولكن أسمعه في يزيد كلاماً غليظاً، فنقم عليه بسببه، واستدعى بعلي بن الحسين فجاء يمشي بين مروان بن الحكم وابنه عبد الملك، ليأخذ له بهما عنده أماناً، ولم يشعر أن يزيد أوصاه به.
فلما جلس بين يديه استدعى مروان بشراب - وقد كان مسلم بن عقبة حمل معه من الشام ثلجاً إلى المدينة فكان يشاب له بشرابه - فلما جيء بالشراب شرب مروان قليلاً ثم أعطى الباقي لعلي بن الحسين ليأخذ له بذلك أماناً، وكان مروان مواداً لعلي بن الحسين.
فلما نظر إليه مسلم بن عقبة قد أخذ الإناء في يده قال له: لا تشرب من شرابنا.
ثم قال له: إنما جئت مع هذين لتأمن بهما? فارتعدت يد علي بن الحسين وجعل لا يضع الإناء من يده ولا يشربه.
ثم قال له: لولا أن أمير المؤمنين أوصاني بك لضربت عنقك، ثم قال له: إن شئت أن تشرب فاشرب، وإن شئت دعونا لك بغيرها.
فقال: هذه الذي في كفي أريد، فشرب.
ثم قال له مسلم بن عقبة: قم إلى ههنا فاجلس، فأجلسه معه على السرير، وقال له: إن أمير المؤمنين أوصاني بك، وإن هؤلاء شغلوني عنك.
ثم قال لعلي بن الحسين: لعل أهلك فزعوا.
فقال: إي والله.
فأمر بدابته فأسرجت ثم حمله عليها حتى ردّه إلى منزله مكرماً.
ثم استدعى بعمرو بن عثمان بن عفان - ولم يكن خرج مع بني أمية - فقال له: إنك إن ظهر أهل المدينة قلت: أنا معكم، وإن ظهر أهل الشام، قلت: أنا ابن أمير المؤمنين، ثم أمر به فنتفت لحيته بين يديه - وكان ذا لحية كبيرة -.
قال المدائني: وأباح مسلم بن عقبة المدينة ثلاثة أيام، يقتلون من وجدوا من الناس، ويأخذون الأموال.
فأرسلت سعدى بنت عوف المرية إلى مسلم بن عقبة تقول له: أنا بنت عمك فمر أصحابك أن لا يتعرضوا لإبلنا بمكان كذا وكذا.
فقال لأصحابه: لا تبدأوا إلا بأخذ إبلها أولاً.
وجاءته امرأة فقالت: أنا مولاتك، وابني في الأسارى، فقال: عجلوه لها، فضربت عنقه.
وقال: أعطوها رأسه، أما ترضين أن لا يقتل حتى تتكلمي في ابنك? ووقعوا على النساء حتى قيل: إنه حبلت ألف امرأة في تلك الأيام من غير زوج والله أعلم.
قال المدائني: عن أبي قرة قال: قال هشام بن حسان: ولدت ألف امرأة من أهل المدينة بعد وقعة الحرة من غير زوج.
وقد اختفى جماعة من سادات الصحابة منهم: جابر بن عبد الله، وخرج أبو سعيد الخدري فلجأ إلى غار في جبل، فلحقه رجل من أهل الشام، قال: فلما رأيته انتضيت سيفي فقصدني.
فلما رآني صمم على قتلي، فشممت سيفي ثم قلت: (إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين) فلما رأى ذلك، قال: من أنت? قلت: أنا أبو سعيد الخدري.
قال: صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قلت: نعم ! فمضى وتركني.
قال المدائني: وجيء إلى مسلم بسعيد بن المسيب فقال له: بايع ! فقال: أبايع على سيرة أبي بكر وعمر.
فأمر بضرب عنقه، فشهد رجل إنه مجنون فخلى سبيله.
وقال المدائني: عن عبد الله القرشي وأبي إسحاق التميمي قالا: لما انهزم أهل المدينة يوم الحرة صاح النساء والصبيان، فقال ابن عمر: بعثمان ورب الكعبة.
قال المدائني: عن شيخ من أهل المدينة.
قال: سألت الزهري: كم كان القتلى يوم الحرة? قال: سبعمائة من وجوه الناس من المهاجرين والأنصار، ووجوه الموالي، وممن لا أعرف من حر وعبد وغيرهم عشرة آلاف.
قال: وكانت الوقعة لثلاث بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وستين، وانتهبوا المدينة ثلاثة أيام.
قال الواقدي، وأبو معشر: كانت وقعة الحرة يوم الأربعاء لليلتين بقيتا من ذي الحجة، سنة ثلاث وستين.
قال الواقدي: عن عبد الله بن جعفر، عن ابن عوف قال: وحج بالناس في هذه السنة: عبد الله بن الزبير، وكانوا يسمونه العائذ - يعني: العائذ بالبيت - ويرون الأمر شورى، وجاء خبر الحرة إلى أهل مكة ليلة مستهل المحرم مع سعيد مولى المسور بن مخرمة، فحزنوا حزناً شديداً وتأهبوا لقتال أهل الشام.
قال ابن جرير: وقد رويت قصة الحرة على غير ما رواه أبو مخنف: فحدثني أحمد بن زهير، ثنا أبي، سمعت وهب بن جرير، ثنا جويرية بن أسماء قال: سمعت أشياخ أهل المدينة يحدثون أن معاوية لما حضرته الوفاة دعا ابنه يزيد.
فقال له: إن لك من أهل المدينة يوماً، فإن فعلوا فارمهم بمسلم بن عقبة فإنه رجل قد عرفت نصيحته لنا، فلما هلك معاوية وفد إلى يزيد وفد من أهل المدينة، وكان ممن وفد إليه عبد الله بن حنظلة بن أبي عامر -وكان شريفاً فاضلاً سيداً عابداً - ومعه ثمانية بنين له، فأعطاه يزيد مائة ألف درهم، وأعطى بنيه كل واحد منهم عشرة آلاف، سوى كسوتهم وحملاتهم.
ثم رجعوا إلى المدينة، فلما قدمها أتاه الناس فقالوا له: ما وراءك? فقال: جئتكم من عند رجل والله لو لم أجد إلا بنيَّ هؤلاء لجاهدته بهم.
قالوا: قد بلغنا أنه أعطاك وأخدمك وأجزاك وأكرمك.
قال: قد فعل وما قبلت منه إلا لأتقوى له على قتاله، ثم فحض الناس فبايعوه.
فبلغ ذلك يزيد فبعث إليهم مسلم بن عقبة، وقد بعث أهل المدينة إلى كل ماء بينهم وبين الشام فصبوا فيه زقاً من قطران وغوَّروه، فأرسل الله على جيش الشام السماء مدراراً بالمطر، فلم يستقوا بدلو حتى وردوا المدينة.
فخرج أهل المدينة بجموع كثيرة وهيئة لم ير مثلها، فلما رآهم أهل الشام هابوهم وكرهوا قتالهم، وكان أميرهم مسلم شديد الوجع، فبينما الناس في قتالهم إذ سمعوا التكبير من خلفهم في جوف المدينة، قد أقحم عليهم بنو حارثة من أهل الشام وهم على الجدر، فانهزم الناس، فكان من أصيب في الخندق أعظم ممن قتل.
فدخلوا المدينة وعبد الله بن حنظلة مستند إلى الجدار يغط نوماً، فنبهه ابنه، فلما فتح عينيه ورأى ما صنع الناس، أمر أكبر بنيه فتقدم فقاتل حتى قتل.
فدخل مسلم بن عقبة المدينة فدعا الناس للبيعة على أنهم خول ليزيد بن معاوية، ويحكم في دمائهم وأموالهم وأهليهم ما شاء.
وقد روى ابن عساكر في ترجمة أحمد بن عبد الصمد من تاريخه من كتاب "المجالسة" لأحمد بن مروان المالكي: ثنا الحسين بن الحسن اليشكري، ثنا الزيادي عن الأصمعي ح.
وحدثني محمد بن الحارث، عن المدائني قال: لما قتل أهل الحرة هتف هاتف بمكة على أبي قبيس مساء تلك الليلة، وابن الزبير جالس يسمع:
والصائمون الـقـانـتـو ن أولو العبادة والصلاح
المهتدون المـحـسـنـو ن السابقون إلى الفـلاح
ماذا بـواقـم والـبـقـي ع من الجحاجحة الصباح
وبقاع يثـرب ويحـهـن ن من النوادب والصياح
قتل الخيار بنـوا الـخـيا ر ذوي المهابة والسماح
فقال ابن الزبير: يا هؤلاء قتل أصحابكم، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وقد أخطأ يزيد خطأً فاحشاً في قوله لمسلم بن عقبة أن يبيح المدينة ثلاثة أيام، وهذا خطأ كبير فاحش، مع ما انضم إلى ذلك من قتل خلق من الصحابة وأبنائهم، وقد تقدم أنه قتل الحسين وأصحابه على يدي عبيد الله بن زياد.
وقد وقع في هذه الثلاثة أيام من المفاسد العظيمة في المدينة النبوية ما لا يحد ولا يوصف، مما لا يعلمه إلا الله عز وجل، وقد أراد بإرسال مسلم بن عقبة توطيد سلطانه وملكه، ودوام أيامه من غير منازع، فعاقبه الله بنقيض قصده، وحال بينه وبين ما يشتهيه، فقصمه الله قاصم الجبابرة، وأخذه أخذً عزيز مقتدر، وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد.
قال البخاري في "صحيحه": حدثنا الحسين بن حريث، ثنا الفضل بن موسى، ثنا الجعد، عن عائشة بنت سعد بن أبي وقاص عن أبيها.
قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لا يكيد أهل المدينة أحد إلا انماع كما ينماع الملح في الماء).
وقد رواه مسلم من حديث أبي عبد الله القراظ المديني - واسمه دينار - عن سعد بن أبي وقاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا يريد أحد المدينة بسوء إلا أذابه الله في النار ذوب الرصاص - أو ذوب الملح في الماء -).
وفي رواية لمسلم من طريق أبي عبد الله القراظ عن سعد وأبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من أراد أهل المدينة بسوء أذابه الله كما يذوب الملح في الماء).
وقال الإمام أحمد: حدثنا أنس بن عياض، ثنا يزيد بن خصيفة، عن عطاء بن يسار، عن السائب بن خلاد: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من أخاف أهل المدينة ظلماً أخافه الله وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفاً ولا عدلاً).
ورواه النسائي من غير وجه عن علي بن حجر، عن إسماعيل بن جعفر، عن يزيد بن خصيفة، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة، عن عطاء بن يسار، عن خلاد بن منجوف بن الخزرج أخبره فذكره.
وكذلك رواه الحميدي، عن عبد العزيز بن أبي حازم، عن يزيد بن خصيفة.
ورواه النسائي أيضاً: عن يحيى بن حبيب بن عربي، عن حماد، عن يحيى بن سعيد، عن مسلم بن أبي مريم، عن عطاء بن يسار، عن ابن خلاد - وكان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم - فذكره.
وقال ابن وهب: أخبرني حيوة بن شريح، عن ابن الهاد، عن أبي بكر، عن عطاء بن يسار، عن السائب بن خلاد، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من أخاف أهل المدينة أخافه الله، وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين).
وقال الدار قطني: ثنا علي بن أحمد بن القاسم، ثنا أبي، ثنا سعيد بن عبد الحميد بن جعفر، ثنا أبو زكريا يحيى بن عبد الله بن يزيد بن عبد الله بن أنيس الأنصاري، عن محمد وعبد الرحمن ابني جابر بن عبد الله قالا: خرجنا مع أبينا يوم الحرة وقد كف بصره فقال: تعس من أخاف رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فقلنا: يا أبة وهل أحد يخيف رسول الله صلى الله عليه وسلم? فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من أخاف أهل هذا الحي من الأنصار فقد أخاف ما بين هذين) - ووضع يده على جبينه -.
قال الدار قطني: تفرد به سعد بن عبد العزيز لفظاً وإسناداً.
وقد استدل بهذا الحديث وأمثاله من ذهب إلى الترخيص في لعنة يزيد بن معاوية، وهو رواية عن أحمد بن حنبل اختارها الخلال، وأبو بكر عبد العزيز، والقاضي أبو يعلى، وابنه القاضي أبو الحسين، وانتصر لذلك أبو الفرج بن الجوزي في مصنف مفرد، وجوز لعنته.
ومنع من ذلك آخرون وصنفوا فيه أيضاً لئلا يجعل لعنة وسيلة إلى أبيه أو أحد من الصحابة، وحملوا ما صدر عنه من سوء التصرفات على أنه تأول وأخطأ.
وقالوا: إنه كان مع ذلك إماماً فاسقاً، والإمام إذا فسق لا يعزل بمجرد فسقه على أصح قولي العلماء، بل ولا يجوز الخروج عليه لما في ذلك من إثارة الفتنة، ووقوع الهرج وسفك الدماء الحرام، ونهب الأموال، وفعل الفواحش مع النساء وغيرهن، وغير ذلك مما كل واحدة فيها من الفساد أضعاف فسقه كما جرى مما تقدم إلى يومنا هذا.
وأما ما يذكره بعض الناس من أن يزيد لما بلغه خبر أهل المدينة وما جرى عليهم عند الحرة من مسلم بن عقبة وجيشه، فرح بذلك فرحاً شديداً، فإنه كان يرى أنه الإمام وقد خرجوا عن طاعته، وأمروا عليهم غيره، فله قتالهم حتى يرجعوا إلى الطاعة ولزوم الجماعة.
كما أنذرهم بذلك على لسان النعمان بن بشير ومسلم بن عقبة كما تقدم، وقد جاء في "الصحيح": (من جاءكم وأمركم جميع يريد أن يفرق بينكم فاقتلوه كائناً من كان).
وأما ما يوردونه عنه من الشعر في ذلك واستشهاده بشعر ابن الزبعري في وقعة أُحد التي يقول فيها:
ليت أشياخي بـبـدرٍ شـهـدوا جزع الخزرج من وقع الأسل
حين حلت بفنائهـم بـرَّكـهـا واستحر القتل في عبد الأشل
قد قتلنا الضعف من أشرافهـم وعدنا ميل بـدرٍ فـاعـتـدل
وقد زاد بعض الروافض فيها فقال:
لعبت هاشم بالملـك فـلا ملك جاءه ولا وحيٌ نزل
فهذا إن قاله يزيد بن معاوية فلعنة الله عليه ولعنه اللاعنين، وإن لم يكن قاله فلعنه الله على من وضعه عليه ليشنع به عليه.
وسيذكر في ترجمة يزيد بن معاوية قريباً، وما ذكر عنه وما قيل فيه، وما كان يعانيه من الأفعال والقبائح والأقوال في السنة الآتية، فإنه لم يمهل بعد وقعة الحرة وقتل الحسين إلا يسيراً حتى قصمه الله الذي قصم الجبابرة قبله وبعده، إنه كان عليماً قديراً.
وقد توفي في هذه السنة خلق من المشاهير والأعيان من الصحابة وغيرهم في وقعة الحرة مما يطول ذكرهم.
فمن مشاهيرهم من الصحابة عبد الله بن حنظلة أمير المدينة في وقعة الحرة، ومعقل بن سنان، وعبيد الله بن زيد بن عاصم رضي الله عنه، ومسروق بن الأجدع.







التوقيع

إذا أنتَ أكثرتَ الصلاةَ على الذي
صلى عليه الله ُ في الايات ِ
وجـعلـتـَـها ِوردا ً عليكَ مُـحـتما ً
لاحتْ عليكَ دلائلُ الخيرات

رد مع اقتباس
قديم 06-25-2012 رقم المشاركة : 2
معلومات العضو
عبدالقادر حمود
أبو نفيسه

الصورة الرمزية عبدالقادر حمود
إحصائية العضو







عبدالقادر حمود is on a distinguished road

عبدالقادر حمود غير متواجد حالياً

 


كاتب الموضوع : عبدالقادر حمود المنتدى : ركن التاريخ
افتراضي وقعة الحرة - الكامل في التاريخ

الكامل في التاريخ



ذكر وقعة الحرة
كان أول وقعة الحرة ما تقدم من خلع يزيد فلما كان هذه السنة أخرج أهل المدينة عثمان بن محمد بن أبي سفيان عامل يزيد وحصروا بني أمية بعد بيعتهم عبد الله بن حنظلة فاجتمع بنو أمية ومواليهم ومن يرى رأيهم في ألف رجل حتى نزلوا دار مروان بن الحكم فكتبوا إلى يزيد يستغيثون به فقدم الرسول إليه وهو جالس على كرسي وقد وضع قدميه في طشت فيه ماء لنقرس كان بهما فلما قرأ الكتاب تمثل‏:‏ لقد بدلوا الحلم الذي في سجيتي فبدلت قومي غلظةً بليان ثم قال‏:‏ أما يكون بنو أمية ألف رجل فقال الرسول‏:‏ بلى والله وأكثر‏.‏
قال‏:‏ فما استطاعوا أن يقاتلوا ساعة من النهار‏!‏ فبعث إلى عمرو بن سعيد فأقرأه الكتاب وأمره أن يسير إليهم في الناس فقال‏:‏ قد كنت ضبطت لك الأمور والبلاد فأما الآن إذ صارت دماء قريش تهرق بالصعيد فلا أحب أن أتولى ذلك‏.‏
وبعث إلى عبيد الله بن زياد يأمره بالمسير إلى المدينة ومحاصرة ابن الزبير بمكة فقال‏:‏ والله لا جمعتهما للفاسق قتل ابن رسول الله وغزو الكعبة‏.‏ثم أرسل إليه يعتذر‏.‏
فبعث إلى مسلم بن عقبة المري وهو الذي سمي مسرفًا وهو شيخ كبير مريض فأخبره الخبر فقال‏:‏ أما يكون بنو أمية ألف رجل فقال الرسول‏:‏ بلى‏.‏
قال‏:‏ فما استطاعوا أن يقاتلوا ساعة من النهار‏!‏ ليس هؤلاء بأهل أن ينصروا فإنهم الأذلاء دعهم يا أمير المؤمنين حتى يجهدوا أنفسهم في جهاد عدوهم ويتبين لك من يقاتل على طاعتك ومن يستسلم‏.‏
قال‏:‏ ويحك‏!‏ إنه لا خير في العيش بعدهم فاخرج بالناس‏.‏
وقيل‏:‏ إن معاوية قال ليزيد‏:‏ إن لك من أهل المدينة يومًا فإن فعلوا فارمهم بمسلم بن عقبة فإنه رجل قد عرفت نصيحته‏.‏
فلما خلع أهل المدينة أمر مسلمًا بالمسير إليهم فنادى في الناس بالتجهز إلى الحجاز وأن يأخذوا عطاءهم ومعونة مائة دينار فانتدب لذلك اثنا عشر ألفًا وخرج يزيد يعرضهم وهو متقلد سيفًا متنكب قوسًا عربية وهو يقول‏:‏ أبلغ أبا بكرٍ إذا الليل سرى وهبط القوم على وادي القرى
يا عجبًا من ملحدٍ يا عجبًا مخادعٍ بالدين يعفو بالعرى وسار الجيش وعليهم مسلم فقال له يزيد‏:‏ إن حدث بك حدثٌ فاستخلف الحصين بن نمير السكوني وقال له‏:‏ ادع القوم ثلاثًا فإن أجابوك وإلا فقاتلهم فإذا ظهرت عليهم فانهبها ثلاثًا فكل ما فيها من مال أو دابة أو سلاح أو طعام فهو للجند فإذا مضت الثلاث فاكفف عن الناس وانظر علي بن الحسين فاكفف عنه واستوص به خيرًا فإنه لم يدخل مع الناس وإنه قد أتاني كتابه‏.‏
وقد كان مروان بن الحكم كلم ابن عمر لما أخرج أهل المدينة عامل يزيد وبني أمية في أن يغيب أهله عنده فلم يفعل فكلم علي بن الحسين فقال‏:‏ إن لي حرمًا وحرمي تكون مع حرمك‏.‏
فقال‏:‏ أفعل فبعث بامرأته وهي عائشة ابنة عثمان بن عفان وحرمه إلى علي بن الحسين فخرج علي بحرمه وحرم مروان إلى ينبع وقيل‏:‏ بل أرسل حرم مروان وأرسل معهم ابنه عبد الله بن علي إلى الطائف‏.‏
ولما سمع عبد الملك بن مروان أن يزيد قد سير الجنود إلى المدينة قال‏:‏ ليت السماء وقعت على الأرض إعظامًا لذلك‏.‏
ثم إنه ابتلي بعد ذلك بأن وجه الحجاج فحصر مكة ورمى الكعبة بالمنجنيق وقتل ابن الزبير‏.‏
وأما مسلم فإنه أقبل بالجيش فبلغ أهل المدينة خبرهم فاشتد حصارهم لبني أمية بدار مروان وقالوا‏:‏ والله لا نكف عنكم حتى نستنزلكم ونضرب أعناقكم أو تعطونا عهد الله وميثاقه أن لا تبغونا غائلةً ولا تدلوا لنا على عورة ولا تظاهروا علينا عدوًا فنكف عنكم ونخرجكم عنا‏.‏
فعاهدوهم على ذلك فأخرجوهم من المدينة‏.‏
وكان أهل المدينة قد جعلوا في كل منهل بينهم وبين الشام زقًا من قطران وعور فأرسل الله السماء عليهم فلم يستقوا بدلوٍ حتى وردوا المدينة‏.‏
فلما أخرج أهل المدينة بني أمية ساروا بأثقالهم حتى لقوا مسلم بن عقبة بوادي القرى فدعا بعمرو بن عثمان بن عفان أول الناس فقال له‏:‏ خبرني ما وراءك وأشر علي‏.‏
فقال‏:‏ لا أستطيع أن أخبرك قد أخذ علينا العهود والمواثيق أن لا ندل على عورة ولا نظاهر عدوًا‏.‏فانتهره وقال‏:‏ والله لولا أنك ابن عثمان لضربت عنقك وايم الله لا أقيلها قرشيًا بعدك‏!‏ فخرج إلى أصحابه فأخبرهم خبره فقال مروان بن الحكم لابنه عبد الملك‏:‏ ادخل قبلي لعله يجترىء بك عني‏.‏
فدخل عبد الملك فقال‏:‏ هات ما عندك‏.‏
فقال‏:‏ نعم أرى أن تسير بمن معك فإذا انتهيت إلى ذي نخلة نزلت فاستظل الناس في ظله فأكلوا من صقره فإذا أصبحت من الغد مضيت وتركت المدينة ذات اليسار ثم درت بها حتى تأتيهم من قبل الحرة مشرقًا ثم تستقبل القوم فإذا استقبلتهم وقد أشرقت عليهم الشمس طلعت بين أكتاف أصحابك فلا تؤذيهم ويصيبهم أذاها ويرون من ائتلاق بيضكم وأسنة رماحكم وسيوفكم ودروعكم ما لا ترونه أنتم ما داموا مغربين ثم قاتلهم واستعن الله عليهم‏.‏فقال له مسلم‏:‏ لله أبوك أي امرئ ولد‏!‏ ثم إن مروان دخل عليه فقال له‏:‏ إيه‏!‏ فقال‏:‏ أليس قد دخل عليك عبد الملك‏.‏
قال‏:‏ بلى وأي رجل عبد الملك‏!‏ قل ما كلمت من رجال قريش رجلًا به شبيهًا‏.‏
فقال مروان‏:‏ إذا لقيت عبد الملك فقد لقيتني‏.‏
ثم إنه صار في كل مكان يصنع ما أمر به عبد الملك فجاءهم من قبل المشرق ثم دعاهم مسلم فقال‏:‏ إن أمير المؤمنين يزعم أنكم الأصل وإني أكره إراقة دمائكم وإني أؤجلكم ثلاثًا فمن ارعوى وراجع الحق قبلنا منه وانصرفت عنكم وسرت إلى هذا المحل الذي بمكة وإن أبيتم كنا قد اعتذرنا إليكم‏.‏
فلما مضت الثلاث قال‏:‏ يا أهل المدينة ما تصنعون أتسالمون أم تحاربون فقالوا‏:‏ بل نحارب‏.‏
فقال لهم‏:‏ لا تفعلوا بل ادخلوا في الطاعة ونجعل جدنا وشوكتنا على أهل هذا الملحد الذي قد جمع إليه المراق والفساق من كل أوب - يعني ابن الزبير - فقالوا له‏:‏ يا أعداء الله لو أردتم أن تجوزوا إليه ما تركناكم نحن ندعكم أن تأتوا بيت الله الحرام فتخيفوا أهله وتلحدوا فيه وكان أهل المدينة قد اتخذوا خندقًا وعليه جمع منهم وكان عليه عبد الرحمن بن زهير بن عبد عوف وهو ابن عم عبد الرحمن بن عوف وكان عبد الله بن مطيع على ربع آخر وهم قريش في جانب المدينة وكان معقل بن سنان الأشجعي وهو من الصحابة على ربع آخر وهم المهاجرون وكان أمير جماعتهم عبد الله بن حنظلة الغسيل الأنصاري في أعظم تلك الأرباع وهم الأنصار‏.‏
وصمد مسلم فيمن معه فأقبل من ناحية الحرة حتى ضرب فسطاطه على طريق الكوفة وكان مريضًا فأمر فوضع له كرسيٌّ بين الصفين وقال‏:‏ يا أهل الشام قاتلوا عن أميركم وادعوا‏.‏
فأخذوا لا يقصدون ربعًا من تلك الأرباع إلا هزموه ثم وجه الخيل نحو ابن الغسيل فحمل عليهم ابن الغسيل فيمن معه فكشفهم فانتهوا إلى مسلم فنهض في وجوههم بالرجال وصاح بهم فقاتلوا قتالًا شديدًا‏.‏
ثم إن الفضل بن عباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب جاء إلى ابن الغسيل فقاتل معه في نحو من عشرين فارسًا قتالًا حسنًا ثم قال لابن الغسل‏:‏ من كان معك فارسًا فليأتني فليقف معي فإذا حملت فليحملوا فوالله لا أنتهي حتى أبلغ مسلمًا فأقتله أو أقتل دونه‏.‏
ففعل ذلك وجمع الخيل إليه فحمل بهم الفضل على أهل الشام فانكشفوا فقال لأصحابه‏:‏ احملوا أخرى جعلت فداكم فوالله لئن عاينت أميرهم لأقتلنه أو أقتل دونه‏.‏
إنه ليس بعد الصبر إلا النصر‏!‏ ثم حمل وحمل أصحابه فانفرجت خيل الشام عن مسلم بن عقبة ومعه نحو خمسمائة راجل جثاة على الركب مشرعي الأسنة نحو القوم ومضى الفضل كما هو نحو راية مسلم فضرب رأس صاحبها فقط المغفر وفلق هامته وخر ميتًا وقال‏:‏ خذها مني وأنا ابن عبد المطلب‏!‏ وظن أنه مسلم فقال‏:‏ قتلت طاغية القوم ورب الكعبة‏!‏ فقال‏:‏ أخطأت استك الحفرة‏!‏ وإنما كان ذلك غلامًا روميًا وكان شجاعًا فأخذ مسلم رايته وحرض أهل الشام وقال‏:‏ شدوا مع هذه الراية‏.‏
فمشى برايته وشدت تلك الرجال أمام الراية فصرع الفضل بن عباس فقتل وما بينه وبين أطناب مسلم بن عقبة إلا نحو من عشرة أذرع وقتل معه زيد بن عبد الرحمن بن عوف‏.‏
وأقبلت خيل مسلم ورجالته نحو ابن الغسيل وهو يحرض أصحابه ويذم أهل المدينة ويقدم أصحابه إلى ابن الغسيل فلم يقدم عليهم للرماح التي بأيديهم والسيوف وكانت تتفرق عنهم فنادى مسلمٌ الحصين بن نمير وعبد الله بن عضاة الأشعري وأمرهما أن ينزلا في جندهما ففعلا وتقدما إليهم فقال ابن الغسيل لأصحابه‏:‏ إن عدوكم قد أصاب وجه القتال الذي كان ينبغي أن يقاتلكم به وإني قد ظننت ألا يلبثوا إلا ساعة حتى يفصل الله بينكم وبينهم إما لكم وإما عليكم أما إنكم أهل النصرة ودار الهجرة وما أظن ربكم أصبح عن أهل بلد من بلدان المسلمين بأرضى منه عنكم ولا على أهل بلد من بلدان العرب بأسخط منه على هؤلاء الذين يقاتلونكم وإن لكل امرىء منكم ميتة هو ميت بها لا محالة ووالله ما من ميتة أفضل من ميتة الشهادة وقد ساقها الله إليكم فاغتنموها‏.‏
ثم دنا بعضهم من بعض فأخذ أهل الشام يرمونهم بالنبل فقال ابن الغسيل لأصحابه‏:‏ علام تستهدفون لهم‏!‏ من أراد التعجيل إلى الجنة فليلزم هذه الراية‏.‏
فقام إليه كل مستميت فنهض بعضهم إلى بعض فاقتتلوا أشد قتال رؤي لأهل هذا القتال وأخذ ابن الغسيل يقدم بنيه واحدًا واحدًا حتى قتلوا بين يديه وهو يضرب بسيفه ويقول‏:‏ بعدًا لمن رام الفساد وطغى وجانب الحق وآيات الهدى لا يبعد الرحمن إلا من عصى ثم قتل وقتل معه أخوه لأمه محمد بن ثابت بن قيس بن شماس فقال‏:‏ ما أحب أن الديلم قتلوني مكان هؤلاء القوم‏!‏ وقتل معه عبد الله بن زيد بن عاصم ومحمد بن عمرو بن حزم الأنصاري‏:‏ فمر به مروان بن الحكم فقال‏:‏ رحمك الله‏!‏ رب سارية قد رأيتك تطيل القيام في الصلاة إلى جنبها‏.‏
وانهزم الناس وكان فيمن انهزم محمد بن سعد بن أبي وقاص بعد ما أبلى‏.‏
وأباح مسلم المدينة ثلاثًا يقتلون الناس ويأخذون المتاع والأموال فأفزع ذلك من بها من الصحابة‏.‏فخرج أبو سعيد الخدري حتى دخل في كهف الجبل فتبعه رجل من أهل الشام فاقتحم عليه الغار فانتضى أبو سعيد سيفه يخوف به الشامي فلم ينصرف عنه فعاد أبو سعيد وأغمد سيفه وقال‏:‏ ‏{‏لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسطٍ يدي إلي لأقتلك‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 8‏]‏‏.‏
فقال‏:‏ من أنت قال‏:‏ أنا أبو سعيد الخدري‏.‏
قال‏:‏ صاحب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏.‏قال‏:‏ نعم‏.‏
فتركه ومضى‏.‏
وقيل‏:‏ إن مسلمًا لما نزل بأهل المدينة خرج إليه أهلها بجموع كثيرة وهيئة حسنة فهابهم أهل الشام وكرهوا أن يقاتلوهم فلما رآهم مسلم وكان شديد الوجع سبهم وذمهم وحرضهم فقاتلوهم‏.‏
فبينما الناس في قتالهم إذ سمعوا تكبيرًا من خلفهم في جوف المدينة وكان سببه أن بني حارثة أدخلوا أهل الشام المدينة فانهزم الناس فكان من أصيب في الخندق أكثر ممن قتل‏.‏
ودعا مسلم الناس إلى البيعة ليزيد على أنهم خول له يحكم في دمائهم وأموالهم وأهليهم من شاء فمن امتنع من ذلك قتله وطلب الأمان ليزيد بن عبد الله بن ربيعة بن الأسود ولمحمد بن أبي الجهم بن حذيفة ولمعقل بن سنان الأشجعي فأتي بهم بعد الوقعة بيوم فقال‏:‏ بايعوا على فقال القرشيان‏:‏ نبايعك على كتاب الله وسنة رسوله‏.‏
فضرب أعناقهما‏.‏
فقال مروان‏:‏ سبحان الله‏!‏ أتقتل رجلين من قريش أتيا بأمان فطعن بخاصرته بالقضيب فقال‏:‏ وأنت والله لو قلت بمقالتهما لقتلتك‏!‏ وجاء معقل بن سنان فجلس مع القوم فدعا بشراب ليسقى فقال له مسلم‏:‏ أي الشراب أحب إليك قال‏:‏ العسل‏.‏
قال‏:‏ اسقوه فشرب حتى ارتوى فقال له‏:‏ أرويت قال‏:‏ نعم‏.‏
قال‏:‏ والله لا تشرب بعدها شربة إلا في نار جهنم‏.‏
فقال‏:‏ أنشدك الله والرحم‏!‏ فقال له‏:‏ أنت الذي لقيتني بطبرية ليلة خرجت من عند يزيد فقلت‏:‏ سرنا شهرًا ورجعنا شهرًا وأصبحنا صفرًا نرجع إلى المدينة فنخلع هذا الفاسق ابن الفاسق ونبايع لرجل من المهاجرين أو الأنصار‏!‏ فيم غطفان وأشجم من الخلق والخلافة‏!‏ إني آليت بيمين لا ألقاك في حرب أقدر منه على قتلك إلا فعلت‏.‏
ثم أمر به فقتل‏.‏
وأتي بيزيد بن وهب فقال له‏:‏ بايع‏.‏
قال‏:‏ أبايعك على الكتاب والسنة‏.‏
قال‏:‏ اقتلوه‏.‏قال‏:‏ أنا أبايعك‏!‏ قال‏:‏ لا والله فتكلم فيه مروان لصهر كان بينهما فأمر بمروان فوجئت عنقه ثم قتل يزيد‏.‏
ثم أتى مروان بعلي بن الحسين فجاء يمشي بين مروان وابنه عبد الملك حتى جلس بينهما عنده فدعا مروان بشراب ليتحرم بذلك من مسلم فشرب منه يسيرًا ثم ناوله علي بن الحسين فلما وقع في يده قال له مسلم‏:‏ لا تشرب من شرابنا‏!‏ فارتعدت كفه ولم يأمنه على نفسه وأمسك القدح فقال له‏:‏ أجئت تمشي بين هؤلاء لتأمن عندي والله لو كان إليهما أمر لقتلتك‏!‏ ولكن أمير المؤمنين أوصاني بك وأخبرني أنك كاتبته فإن شئت فاشرب‏.‏
فشرب ثم أجلسه معه على السرير ثم قال له‏:‏ لعل أهلك فزعوا قال‏:‏ إي والله‏.‏
فأمر بدابة فأسرجت له فحمله عليها فرده ولم يلزمه بالبيعة ليزيد على ما شرط على أهل المدينة‏.‏
وأحضر علي بن عبد الله بن عباس ليبايع فقال الحصين بن نمير السكوني‏:‏ لا يبايع ابن أختنا إلا كبيعة علي بن الحسين وكانت أم علي بن عبد الله كندية فقامت كندة مع الحصين فتركه مسلم فقال عليٌّ‏:‏ أبي العباس قرم بني قصيٍ وأخوالي الملوك بنو وليعه هم منعوا ذماري يوم جاءت كتائب مسرفٍ وبنو اللكيعه أرادوني التي لا عز فيها فحالت دونه أيدٍ سريعه يعني بقوله مسرف مسلم بن عقبة فإنه سمي بعد وقعة الحرة مسرفًا وبنو وليعة بطن من كندة منهم أمه واللكيعة أم أمه‏.‏
وقيل‏:‏ إن عمرو بن عثمان بن عفان لم يكن فيمن خرج من بني أمية فأتي به يومئذٍ إلى مسلم فقال‏:‏ يا أهل الشام تعرفون هذا قالوا‏:‏ لا‏.‏
قال‏:‏ هذا الخبيث ابن الطيب هذا عمرو بن عثمان هيه يا عمرو إذا ظهر أهل المدينة قلت أنا رجل منكم وإن ظهر أهل الشام قلت أنا ابن أمير المؤمنين عثمان‏.‏
فأمر به فنتفت لحيته ثم قال‏:‏ يا أهل الشام إن أم هذا كانت تدخل الجعل في فيها ثم تقول‏:‏ يا أمير المؤمنين حاجيتك ما في فمي وفي فمها ما شاها وباها وكانت من دوس‏.‏
ثم خلى سبيله‏.‏
وكانت وقعة الحرة لليلتين بقيتا من ذي الحجة سنة ثلاث وستين‏.‏
قال محمد بن عمارة‏:‏ قدمت الشام في تجارة فقال لي رجل‏:‏ من أين أنت فقلت‏:‏ من المدينة‏.‏
فقال‏:‏ خبيثة‏.‏
فقلت‏:‏ يسميها رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ طيبة وتسميها خبيثة‏!‏ فقال‏:‏ إن لي ولها لشأنًا لما خرج الناس إلى وقعة الحرة رأيت في المنام أني قتلت رجلًا اسمه محمد أدخل بقتله النار فاجتهدت في أني لا أسير معهم فلم يقبل مني فسرت معهم ولم أقاتل حتى انقضت الوقعة فمررت برجل من القتلى به رمق فقال‏:‏ تنح يا كلب‏!‏ فأنفت من كلامه وقتلته ثم ذكرت رؤياي فجئت برجل من أهل المدينة يتصفح القتلى فلما رأى الرجل الذي قتلته قال‏:‏ إنا لله لا يدخل قاتل هذا الجنة‏.‏
قلت‏:‏ ومن هذا قال‏:‏ هو محمد بن عمرٍو بن حزم ولد على عهد رسول اللهـ صلى الله عليه وسلم ـ فسماه محمدًا وكناه أبا عبد الملك فأتيت أهله فعرضت عليهم أن يقتلوني فلم يفعلوا وعرضت عليهم الدية فلم يأخذوا‏.‏
وممن قتل بالحرة عبد الله بن عاصم الأنصاري وليس بصاحب الأذان ذاك ابن زيد بن ثعلبة‏.‏
وقتل أيضًا فيها عبيد الله بن عبد الله بن موهب‏.‏
ووهب بن عبد الله بن زمعة بن الأسود‏.‏
وعبد الله بن عبد الرحمن بن حاطب‏.‏
وزبير ابن عبد الرحمن بن عوف‏.‏
وعبد الله بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب‏.‏







التوقيع

إذا أنتَ أكثرتَ الصلاةَ على الذي
صلى عليه الله ُ في الايات ِ
وجـعلـتـَـها ِوردا ً عليكَ مُـحـتما ً
لاحتْ عليكَ دلائلُ الخيرات

رد مع اقتباس
قديم 06-25-2012 رقم المشاركة : 3
معلومات العضو
عبدالقادر حمود
أبو نفيسه

الصورة الرمزية عبدالقادر حمود
إحصائية العضو







عبدالقادر حمود is on a distinguished road

عبدالقادر حمود غير متواجد حالياً

 


كاتب الموضوع : عبدالقادر حمود المنتدى : ركن التاريخ
افتراضي وقعة الحرة - تاريخ الاسلام للذهبي

تاريخ الاسلام للذهبي



قصة الحرة قال جويرية بن أسماء: سمعت أشياخنا يقولون: وفد إلى يزيد عبد الله بن حنظلة بن الغسيل الأوسي المدني، وله صحبة، وفد في ثمانية بنين له، فأعطاه يزيد مائة ألف، وأعطى لكل ابن عشرة آلاف، سوى كسوتهم، فلما رجع إلى المدينة قالوا: ما وراءك? قال: أتيتكم من عند رجل والله لو لم أجد إلا بني هؤلاء لجاهدته بهم، قالوا: إنه قد أكرمك وأعطاك، قال: نعم وما قبلت ذلك منه إلا لأتقوى به عليه، ثم حض الناس فبايعوه.
وقال خليفة بن خياط: قال أبو اليقظان: دعوا إلى الرضا والشورى وأمروا على قريش عبد الله بن مطيع العدوي، وعلى الأنصار عبد الله بن حنظلة، وعلى قبائل المهاجرين معقل بن سنان الأشجعي، وأخرجوا من بالمدينة من بني أمية.
وقال غيره: خلعوا يزيد، فأرسل إليهم جيشاً عليه مسلم بن عقبة، وأرسل أهل المدينة إلى مياه الطريق، فصبوا في كل ماء زق قطران وغوروه، فأرسل الله السماء عليهم، فما استقوا بدلو.

وجاء من غير وجه أن يزيد لما بلغه وثوب أهل المدينة بعامله وأهل بيته، ونفيهم، جهز لحربهم مسلم بن عقبة المري، وهو شيخ، وكانت به النوطة، وجهز معه جيشاً كثيفاً، فكلم يزيد عبد الله بن جعفر بن أبي طالب في أهل المدينة، وكان عنده، وقال: إنما تقتل بهم نفسك، فقال: أجل أقتل بهم نفسي وأشقى، ولك عندي واحدة، آمر مسلماً أن يتخذ المدينة طريقاً، فإن هم لم ينصبوا له الحرب، وتركوه يمضي إلى ابن الزبير فيقاتله، وإن منعوه وحاربوه قاتلهم، فإن ظفر بهم قتل من أشرف له وأنهبها ثلاثاً، ثم يمضي إلى ابن الزبير. فكتب عبد الله بن جعفر إلى أهل المدينة أن لا تعرضوا لجيشه، فورد مسلم بن عقبة، فمنعوه ونصبوا له الحرب، ونالوا من يزيد، فأوقع بهم وأنهبها ثلاثاً، وسار إلى الزبير، فمات بالمشلل، وعهد إلى حصين بن نمير في أول سنة أربع وستين.
وروى محمد بن عجلان، عن زيد بن أسلم قال: دخل عبد الله بن مطيع ليالي الحرة على ابن عمر، فقال ابن عمر: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " من نزع يداً من طاعة لم يكن له حجة يوم القيامة، ومن مات مفارقاً للجماعة فإنه يموت موتة جاهلية ".
وقال المدائني: توجه مسلم بن عقبة إلى المدينة في اثني عشر ألف رجل، ويقال في اثني عشر ألف فارس، وخمسة عشر راجل، ونادى منادي يزيد: سيروا على أخذ أعطياتكم، ومعونة أربعين ديناراً لكل رجل.
وقال النعمان بن بشير ليزيد: وجهني أكفك، قال: لا، ليس لهم إلا هذا، والله لا أقبلهم بعد إحساني إليهم وعفوي عنهم مرة بعد مرة، فقال: أنشدك الله يا أمير المؤمنين في عشيرتك وأنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال له عبد الله بن جعفر: أرأيت إن رجعوا إلى طاعتك، أتقبل ذلك منهم? قال: إن فعلوا فلا سبيل عليهم، يا مسلم إذا دخلت المدينة ولم تصد عنها، وسمعوا وأطاعوا فلا تعرضن لأحد، وامض إلى الملحد ابن الزبير، وإن صدوك عن المدينة فادعهم ثلاثة أيام، فإن لم يجيبوا فاستعن بالله وقاتلهم، فستجدهم أول النهار مرضى، وآخره صبراً، سيوفهم أبطحية، فإذا ظهرت عليهم، فإن كان بنو أمية قد قتل منهم أحد فجرد السيف واقتل المقبل والمدبر، وأجهز على الجريح وانهبها ثلاثاً، واستوص بعلي بن الحسين، وشاور حصين بن نمير، وإن حدث بك حدث، فوله الجيش.
وقال جرير بن حازم، عن الحسن، أنه ذكر الحرة فقال: والله ما كاد ينجو منهم أحد، ولقد قتل ابنا زينب بنت أم سلمة، فأتيت بهما فوضعتهما بين يديها، فقالت: والله إن المصيبة علي فيكما لعظيمة، وهي في هذا - وأشارت إلى أحدهما - أعظم منها في هذا - وأشارت إلى الآخر -، لأن هذا بسط يده، وأما هذا فقعد في بيته، فدخل عليه فقتل، فأنا أرجو به.
وقال جرير بن عبد الحميد، عن مغيرة قال: نهب مسرف بن عقبة المدينة ثلاثاً، وافتض فيها ألف عذراء.
قال يزيد بن الهاد، عن أبي بكر بن المنكدر، عن عطاء بن يسار، عن السائب بن خلاد، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " من أخاف أهل المدينة أخافه الله، وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ". رواه مسلم بن أبي مريم، وعبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة، عن عطاء عن السائب، وخالفهم موسى بن عقبة، عن عطاء فقال: عن عبادة بن الصامت، والأول أصح.
وقال جويرية بن أسماء: سمعت أشياخنا من أهل المدينة يتحدثون قالوا: خرج أهل المدينة يوم الحرة بجموع كبيرة، وهيئة لم ير مثلها، فلما رآهم أهل الشام كرهوا قتالهم، فأمر مسلم بن عقبة بسريره، فوضع بين الصفين، ثم أمر مناديه: قاتلوا عني، أو دعوا، فشد الناس في قتالهم، فسمعوا التكبير خلفهم من المدينة، وأقحم عليهم بنو حارثة وهم على الحرة، فانهزم الناس، وعبد الله بن حنظلة متساند إلى بعض بنيه يغط نوماً، فنبهه ابنه، فلما رأى ما جرى أمر أكبر بنيه، فقاتل حتى قتل، ثم لم يزل يقدمهم واحداً بعد واحد، حتى أتى على آخرهم، ثم كسر جفر سيفه، فقاتل حتى قتل.
وقال وهيب بن خالد: ثنا عمرو بن يحيى، عن أبيه قال: قيل لعبد الله ابن زيد يوم الحرة: ها ذاك ابن حنظلة يبايع الناس على الموت، فقال: لا أبايع عليه أحداً بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم. إسناده صحيح.
وقال الواقدي: أنا ابن أبي ذئب، عن صالح بن أبي حسان، أنا إسماعيل بن إبراهيم المخزومي، عن أبيه، وثنا سعيد بن محمد بن عمرو بن يحيى، عن عبادة بن تميم، كل قد حدثني، قالوا: لما وثب أهل الحرة، وأخرجوا بني أمية عن المدينة، واجتمعوا على عبد الله بن حنظلة، وبايعهم على الموت قال: يا قوم اتقوا الله، فوالله ما خرجنا على يزيد حتى خفنا أن نرمى بالحجارة من السماء، إنه رجل ينكح أمهات الأولاد والبنات والأخوات، ويشرب الخل ويدع الصلاة، قال: فكان ابن حنظلة يبيت تلك الليالي في المسجد، وما يزيد على أن يشرب، يفطر على شربة سويق ويصوم الدهر، وما رؤي رافعاً رأسه إلى السماء إخباتاً، فلما قرب القوم خطب عبد الله بن حنظلة أصحابه، وحرضهم على القتال، وأمرهم بالصدق في اللقاء وقال: اللهم إنا بك واثقون، فصبح القوم المدينة، فقاتل أهل المدينة قتالاً شديداً حتى كثرهم أهل الشام، ودخلت المدينة من النواحي كلها، وابن حنظلة يمشي بها في عصابة من الناس أصحابه، فقال لمولى له: إحم لي ظهري حتى أصلي الظهر، فلما صلى قال له مولاه: ما بقي أحد، فعلام نقيم? ولواؤه قائم ما حوله إلا خمسة، فقال: ويحك، إنما خرجنا على أن نموت، قال: وأهل المدينة كالنعام الشرود، وأهل الشام يقتلون فيهم، فلما هزم الناس طرح الدرع، وقاتلهم حاسراً حتى قتلوه، فوقف عليه مروان وهو ماد إصبعه السبابة، فقال: أما والله لئن نصبتها ميتاً لطالما نصبتها حياً.
وقال مبارك بن فضالة، عن أبي هارون العبدي قال: رأيت أبا سعيد الخدري ممعط اللحية، فقلت تعبث بلحيتك! فقال: لا، هذا ما لقيت من ظلمة أهل الشام يوم الحرة، دخلوا علي زمن الحرة فأخذوا ما في البيت، ثم دخلت علي طائفة، فلم يجدوا في البيت شيئاً، فأسفوا وقالوا: أضجعوا الشيخ، فأضجعوني، فجعل كل واحد منهم يأخذ من لحيتي خصلة.
عن بعضهم قالوا: ودخلوا المدينة ونهبوا وأفسدوا، واستحلوا الحرمة.
قال خليفة: فجميع من أصيب من قريش والأنصار يوم الحرة ثلاثمائة وستة رجال، ثم سرد أسماءهم في ست أوراق، قال: وكانت الوقعة لثلاث بقين من ذي الحجة.
الواقدي: حدثني أبو بكر بن أبي سبرة، عن يحيى بن شبل، عن أبي جعفر، أنه سأله عن يوم الحرة: هل خرج فيها أحد من بني عبد المطلب? قال: لا، لزموا بيوتهم، فلما قدم مسرف وقتل الناس، سأل عن أبي، أحاضر هو? قالوا: نعم، قال: ما لي لا أراه! فبلغ ذلك أبي فجاءه ومعه ابنا محمد ابن الحنفية، فرحب بهم، وأوسع لأبي على سريره وقال: كيف كنت? إن أمير المؤمنين أوصاني بك خيراً، فقال: وصل الله تعالى أمير المؤمنين، ثم سأله عن عبد الله والحسين ابني محمد، فقال: هما ابنا عمي، فرحب بهما.
قلت: فمن أصيب يومئذ: أميرهم عبد الله بن حنظلة، وبنوه، وعبد الله ابن زيد بن عاصم الأنصاري الذي حكى وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعقل بن سنان الأشجعي، حامل لواء قومه يوم الفتح، وواسع بن حبان الأنصاري، مختلف في صحبته، وكثير بن أفلح مولى أبي أيوب الأنصاري، أحد من نسخ المصاحف التي سيرها عثمان، رضي الله عنه، إلى الأمصار، وأبوه أفلح، ومحمد بن أبي الجهم بن حذيفة العدوي، ومحمد بن أبي حذيفة، قتلا مع معقل الأشجعي صبراً.
وممن قتل يومئذ: سعد، وسليمان، ويحيى، وإسماعيل، وسليط، وعبد الرحمن، وعبد الله بنو زيد بن ثابت لصلبه. قاله محمد بن سعد.
وممن قتل يوم الحرة: إبراهيم بن نعيم النحام بن عبد الله بن أسيد القرشي العدوي.
قال ابن سعد: كان ابن النحام أحد الرؤوس يوم الحرة، وقتل يومئذ، وكان زوج رقية ابنة عمر بن الخطاب.
وقتل يوم الحرة أيضاً محمد بن أبي بن كعب، وعبد الرحمن بن أبي قتادة، ويزيد، ووهب ابنا عبد الله بن زمعة، ويعقوب بن طلحة بن عبيد الله التيمي، وأبو حكيمة معاذ بن الحارث الأنصاري القاريء، الذي أقامه عمر يصلي بالناس التراويح، وقد روى عن أبي بكر وعمر، وروى عنه سعيد المقبري، ونافع مولى ابن عمر.
ومنهم عمران بن أبي أنيس، توفي النبي صلى الله عليه وسلم وله ست سنين، والفضل ابن عباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، ويزيد بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، ومحمد بن عمرو بن حزم الأنصاري، ومحمد بن ثابت بن قيس بن شماس.
قال عوانة بن الحكم: أتى مسلم بن عقبة بين يدي عبد الله بن زمعة ابن الأسود الأسدي فقال: بايع على كتاب الله وسنة نبيه، فامتنع، فأمر به مسلم فقتل.
وقال: دخل مسلم بن عقبة المدينة، ودعا الناس إلى البيعة، على أنهم خول ليزيد، يحكم في أهلهم ودمائهم وأموالهم ما شاء، حتى أتي بابن عبد الله بن زمعة، وكان صديقاً ليزيد وصفياً له، فقال: بل أبايعك على أني ابن عم أمير المؤمنين، يحكم في دمي وأهلي، فقال: إضربا عنقه، فوثب مروان بن الحكم فضمه إليه، فقال مسلم: والله لا أقتله أبداً، وقال: إن تنحى مروان، وإلا فاقتلوهما معاً، فتركه مروان، فضربت عنقه.
وقتل أيضاً صبراً أبو بكر بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وأبو بكر بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، ويعقوب بن طلحة بن عبيد الله.
وجاء أن معقل بن سنان، ومحمد بن أبي الجهم كانا في قصر العرصة، فأنزلهما مسلم بالأمان، ثم قتلهما، وقال لمحمد: أنت الوافد على أمير المؤمنين، فوصلك وأحسن جائزتك، ثم تشهد عليه بالشرب.
وقيل: بل قال له: تبايع أمير المؤمنين على أنك عبد قن، إن شاء أعتقك، وإن شاء استرقك، قال: بل أبايع على أني ابن عم لئيم، فقال: إضربوا عنقه.
وروي عن مالك بن أنس قال: قتل يوم الحرة من حملة القرآن سبعمائة.
قلت: ولما فعل يزيد بأهل المدينة ما فعل، وقتل الحسين وإخوته وآله، وشرب يزيد الخمر، وارتكب أشياء منكرة، بغضه الناس، وخرج عليه غير واحد، ولم يبارك الله في عمره، فخرج عليه أبو بلال مرداس بن أدية الحنظلي.
قال ثابت البناني: فوجه عبيد الله بن زياد جيشاً لحربه، فيهم عبد الله ابن رباح الأنصاري، فقتله أبو بلال.
وقال غيره: وجه عبيد الله بن زياد أيضاً عباد بن أخضر في أربعة آلاف، فقاتلوا أبا بلال في سواد ميسان، ثم قتل عباد غيلة.
وقال يونس بن عبيد: خرج أبو بلال أحد بني ربيعة بن حنظلة في أربعين رجلاً، فلم يقاتل أحداً، لم يعرض للسبيل، ولا سأل، حتى نفذ زادهم ونفقاتهم، حتى صاروا يسألون، فبعث عبيد الله لقتالهم جيشاً، عليهم عبد الله بن حصن الثعلبي، فهزموا أصحابه، ثم بعث عليهم عباد بن أخضر، فقتلهم أجمعين.
وروى غسان بن مضر، عن سعيد بن يزيد قال: خرج أبو بلال من البصرة في أربعين رجلاً، فلم يقاتلوا، فحدثني من كان في قافلة قال: جاءونا يقودون خيولهم، فتكلم أبو بلال فقال: قد رأيتم ما كان يؤتى إلينا، ولعلنا لو صبرنا لكان خيراً لنا، وقد أصابتنا خصاصة، فتصدقوا، إن الله يجزي المتصدقين، قال: فجاءه التجار بالبدر، فوضعوها بين يديه، فقال: لا، إلا درهمين لكل رجل، فلعلنا لا نأكلها حتى نقتل، فأخذ ثمانين درهماً لهم، قال: فسار إليهم جند فقتلوهم.
وقال عوف الأعرابي: كان أبو بلال صديقاً لأبي العالية، فلما بلغ أبا العالية خروجه، أتاه فكلمه فما نفع.
وقال ابن عيينة: كان أبو بلال يلبس سلاحه في الليل، ويركب فرسه، فيرفع رأسه إلى السماء ويقول:
إني وزنت الذي يبقى لأعدلـه ما ليس يبقى فلا والله ما اتزنا
خوف الأله وتقوى الله أخرجني ويبيع نفسي بما ليست له ثمنا
وخرج نافع بن الأزرق في آخر خلافة يزيد، فاعترض الناس، فانتدب له أهل البصرة مع مسلم بن عبيس العبشمي القرشي، فقتلا كلاهما.
قال معاوية بن قرة: خرجت مع أبي في جيش ابن عبيس، فلقيناهم بدولاب، فقتل منا خمسة أمراء.
وقال غيره: قتل في الوقعة قرة بن إياس المزني وأبو معاوية، وله صحبة ورواية.
وقال أبو اليقطان: قتل ربيعة السليطي مسلم بن عبيس فارس أهل البصرة، ولما قتل ابن الأزرق رأست الخوارج عليهم عبد الله بن ماحوز، فسار بهم إلى المدائن.
ولما قتل مسعود المعني غلبوا على الأهواز وجبوا المال، وأتتهم الأمداد من اليمامة والبحرين، وخرج طواف بن المعلى السدوسي في نفر من العرب، فخرج في يوم عيد، فحكم أبي قال: لا حكم إلا عند قصر أوس، فرماه الناس بالحجارة، وقاتله ابن زياد ثلاثة أيام، قتل وتمزق جمعه.







التوقيع

إذا أنتَ أكثرتَ الصلاةَ على الذي
صلى عليه الله ُ في الايات ِ
وجـعلـتـَـها ِوردا ً عليكَ مُـحـتما ً
لاحتْ عليكَ دلائلُ الخيرات

رد مع اقتباس
قديم 07-04-2012 رقم المشاركة : 4
معلومات العضو
فراج يعقوب
عضو شرف
إحصائية العضو






فراج يعقوب is on a distinguished road

فراج يعقوب غير متواجد حالياً

 


كاتب الموضوع : عبدالقادر حمود المنتدى : ركن التاريخ
افتراضي رد: وقعة الحرة

جزاك الله خيرا وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم







التوقيع

اللهم صل على سيدنا محمد صاحب الكوثر صلاة لاتعد ولاتكيف ولاتحصر ننال بها الرضوان الأكبر وجواره يوم المحشر وعلى آله وسلم

رد مع اقتباس
قديم 07-05-2012 رقم المشاركة : 5
معلومات العضو
عبدالقادر حمود
أبو نفيسه

الصورة الرمزية عبدالقادر حمود
إحصائية العضو







عبدالقادر حمود is on a distinguished road

عبدالقادر حمود غير متواجد حالياً

 


كاتب الموضوع : عبدالقادر حمود المنتدى : ركن التاريخ
افتراضي رد: وقعة الحرة

مرحبا بالشيخ الفاضل







التوقيع

إذا أنتَ أكثرتَ الصلاةَ على الذي
صلى عليه الله ُ في الايات ِ
وجـعلـتـَـها ِوردا ً عليكَ مُـحـتما ً
لاحتْ عليكَ دلائلُ الخيرات

رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 زائر)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

كود [IMG]متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
ذكر تاريخ وقعة اليرموك ومن قتل بها عبدالقادر حمود ركن التاريخ 2 04-19-2011 11:27 PM
أحداث وقعت في رمضان....خلال فترة حياة النبي صلى الله عليه وسلم ودعوته أبوانس منتدى المناسبات الدينية واخبار العالم الاسلامي 1 08-25-2010 12:22 AM
فشة خلق .. الجرة والحجر ... أبو أنور المنتدى العام 2 09-10-2009 05:40 AM
الترتيب الزمني للحوادث التي وقعت للرسول عليه الصلاة والسلام منذ ولادته وحتى وفاته هبة الله منتدى الشريعة 8 05-13-2009 02:54 PM
صيحات الحرب نوح ركن وادي الفرات 1 11-07-2008 10:34 AM


الساعة الآن 05:29 PM


Powered by vBulletin™ Version 3.8.7
Copyright © 2018 vBulletin Solutions, Inc. All rights reserved. منتديات

جميع المشاركات المكتوبة تعبّر عن وجهة نظر كاتبها ... ولا تعبّر عن وجهة نظر إدارة المنتدى


Copyright © 2010 - 2011 lamtna.net . All rights reserved