أنت غير مسجل في منتديات الإحسان . للتسجيل الرجاء إضغط هنـا

آخر 10 مشاركات
الأذكار           سبحانك اللهم وبحمد ك وتبارك اسمك وتعالي جدك، ولا إله غيرك           
العودة   منتديات الإحسان > الشريعة الغراء > الرد على شبهات المخالفين

إضافة رد
قديم 11-18-2019
  #11
عبدالقادر حمود
أبو نفيسه
 الصورة الرمزية عبدالقادر حمود
 
تاريخ التسجيل: Aug 2008
الدولة: سوريا
المشاركات: 12,150
معدل تقييم المستوى: 10
عبدالقادر حمود is on a distinguished road
افتراضي رد: حمل كتاب حقائق عن التصوف بصيغة PDF وورد وهتمل

أهمية التصوف



إن التكاليف الشرعية التي أُمر بها الإنسان في خاصة نفسه ترجع إلى قسمين: أحكام تتعلق بالأعمال الظاهرة، وأحكام تتعلق بالأعمال الباطنة، أو بعبارة أخرى: أحكام تتعلق ببدن الإنسان وجسمه، وأعمال تتعلق بقلبه.

فالأعمال الجسمية نوعان: أوامر ونواهٍ ؛ فالأوامر الإلهية هي: كالصلاة والزكاة والحج... وأما النواهي فهي: كالقتل والزنى والسرقة وشرب الخمر...

وأما الأعمال القلبية فهي أيضاً: أوامر ونواهٍ ؛ أما الأوامر: فكالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله... وكالإخلاص والرضا والصدق والخشوع والتوكل... وأما النواهي: فكالكفر والنفاق والكبر والعجب والرياء والغرور والحقد والحسد. وهذا القسم الثاني المتعلق بالقلب أهم من القسم الأول عند الشارع ـ وإن كان الكل مُهمَّاً ـ لأن الباطن أساس الظاهر ومصدره، وأعماله مبدأ أعمال الظاهر، ففي فساده إخلال بقيمة الأعمال الظاهرة، وفي ذلك قال تعالى:

{فمَنْ كان يرجو لقاءَ ربِّه فلْيعملْ عملاً صالحاً ولا يُشرِكْ بعبادة ربِّه أحداً}

[الكهف: 110].

ولهذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوجه اهتمام الصحابة لإصلاح قلوبهم، ويبين لهم أن صلاح الإنسان متوقف على إصلاح قلبه وشفائه من الأمراض الخفية والعلل الكامنة، وهو الذي يقول: "ألا وإن في الجسد مُضغة إذا صلحتْ صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب" [رواه البخاري في كتاب الإيمان. ومسلم في كتاب المساقاة عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما].

كما كان عليه الصلاة والسلام يعلمُهم أن محل نظر الله إلى عباده إنما هو القلب: "إن الله لا ينظرُ إلى أجسادكم ولا إلى صوركم، ولكن ينظرُ إلى قلوبكم" [أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب البر والصلة عن أبي هريرة رضي الله عنه].

فما دام صلاح الإنسان مربوطاً بصلاح قلبه الذي هو مصدر أعماله الظاهرة، تعيَّن عليه العمل على إصلاحه بتخليته من الصفات المذمومة التي نهانا الله عنها، وتحليته بالصفات الحسنة التي أمرنا الله بها، وعندئذٍ يكون القلب سليماً صحيحاً، ويكون صاحبه من الفائزين الناجين {يوم لا ينفعُ مالٌ ولا بنونَ إلا مَن أتى اللهَ بقلبٍ سليمٍ} [الشعراء: 88ـ 89].





قال الإمام جلال الدين السيوطي رحمه الله: (وأما علم القلب ومعرفة أمراضه من الحسد والعجب والرياء ونحوها، فقال الغزالي: إنها فرض عين) ["الأشباه والنظائر" للسيوطي ص504].

فتنقية القلب، وتهذيب النفس، من أهم الفرائض العينية وأوجب الأوامر الإلهية، بدليل ما ورد في الكتاب والسنة وأقوال العلماء.

آ ـ فمن الكتاب:

1ـ قوله تعالى: {قُلْ إنَّما حرَّمَ ربِّيَ الفواحشَ ما ظهر منها وما بَطنَ}

[الأعراف: 33].

2ـ وقوله تعالى: {ولا تقربوا الفواحشَ ما ظهرَ منها وما بطنَ}

[الأنعام: 151].

والفواحش الباطنة كما قال المفسرون هي: الحقد والرياء والحسد والنفاق...

ب ـ ومن السنة:

1ـ كل الأحاديث التي وردت في النهي عن الحقد والكبر والرياء والحسد... وأيضاً الأحاديث الآمرة بالتحلي بالأخلاق الحسنة والمعاملة الطيبة فلتراجع في مواضعها.

2ـ والحديث "الإيمان بضعٌ وسبعون شعبة: فأعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان" [أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما في كتاب الإيمان عن أبي هريرة رضي الله عنه].

فكمال الإيمان بكمال هذه الشعب والتحلي بها، وزيادته بزيادة هذه الصفات، ونقصه بنقصها، وإن الأمراض الباطنة كافية لإحباط أعمال الإنسان، ولو كانت كثيرة.

ج ـ وأما أقوال العلماء:

لقد عدَّ العلماء الأمراض القلبية من الكبائر التي تحتاج إلى توبة مستقلة، قال صاحب "جوهرة التوحيد":

وأمُرْ بعرفٍ واجتنبْ نميمةْوغيبةً وخَصلةً ذميمةْ كالعجب والكبرِ وداء الحسدِوكالمراءِ والجدلْ فاعتمدِ يقول شارحها عند قوله ـ وخصلة ذميمة ـ: أي واجتنب كل خصلة ذميمة شرعاً، وإنما خصَّ المصنف ما ذكره؛ يعد اهتماماً بعيوب النفس، فإن بقاءها مع إصلاح الظاهر كلبس ثياب حسنة على جسم ملطَّخ بالقاذورات، ويكون أيضاً كالعجب وهو رؤية العبادة واستعظامُها، كما يعجب العابد بعبادته والعالم بعلمه، فهذا حرام، وكذلك الرياء فهو حرام. ومثل العجب الظلمُ والبغي والكبر وداء الحسد والمراء والجدل ["شرح الجوهرة" للباجوري ص120 ـ 122 توفي سنة 1277هـ].

ويقول الفقيه الكبير العلامة ابن عابدين في حاشيته الشهيرة: (إن علمَ الإخلاص والعجب والحسد والرياء فرضُ عين، ومثلها غيرها من آفات النفوس، كالكبر والشح والحقد والغش والغضب والعداوة والبغضاء والطمع والبخل والبطر والخيلاء والخيانة والمداهنة، والاستكبار عن الحق والمكر والمخادعة والقسوة وطول الأمل، ونحوها مما هو مبين في ربع المهلكات من "الإحياء". قال فيه: ولا ينفك عنها بشر، فيلزمه أن يتعلم منها ما يرى نفسه محتاجاً إليه.

وإزالتها فرض عين، ولا يمكن إلا بمعرفة حدودها وأسبابها وعلاماتها وعلاجها، فإن من لا يعرف الشر يقع فيه) ["حاشية ابن عابدين" المسماة رد المحتار على الدر المختار شرح تنوير الأبصار، ج1/ص31].

ويقول صاحب "الهدية العلائية": (وقد تظاهرت نصوص الشرع والإجماع على تحريم الحسد، واحتقار المسلمين، وإرادة المكروه بهم، والكبر والعجب والرياء والنفاق، وجملة الخبائث من أعمال القلوب، بل السمع والبصر والفؤاد، كل ذلك كان عنه مسؤولاً، مما يدخل تحت الاختيار)["الهدية العلائية" علاء الدين عابدين ص315].

ويقول صاحب "مراقي الفلاح": (لا تنفع الطهارة الظاهرة إلا مع الطهارة الباطنة، بالإخلاص، والنزاهة عن الغلِّ والغش والحقد والحسد، وتطهير القلب عما سوى الله من الكونين، فيعبده لذاته لا لعلة، مفتقراً إليه، وهو يتفضل بالمن بقضاء حوائجه المضطر بها عطفاً عليه، فتكون عبداً فرداً للمالك الأحد الفرد، لا يسترقك شيء من الأشياء سواه، ولا يستملكُ هواك عن خدمتك إياه.

قال الحسن البصري رحمه الله:

رُبَّ مستورٍ سبته شهوتُهْ قد عري من ستره وانْهَتَكَا

صاحبُ الشهوةِ عبدٌ فإذا مَلَكَ الشهوة أضحى مَلِكا



فإذا أخلص لله، وبما كلفه به وارتضاه، قام فأدَّاه، حفَّتهُ العناية حيثما توجه وتيمَّم، وعلَّمه ما لم يكن يعلم.

قال الطحطاوي في "الحاشية": دليله قوله تعالى:

{واتقوا الله ويعلِّمكم الله}[البقرة:282 ]) [حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح شرح نور الإيضاح ص70 ـ 71].

فكما لا يحسن بالمرء أن يظهر أمام الناس بثياب ملطخة بالأقذار والأدران، لا يليق به أن يترك قلبه مريضاً بالعلل الخفية، وهو محل نظر الله سبحانه وتعالى:

تطَبِّبُ جسمَك الفاني ليبقى وتترك قلبَك الباقي مريضاً لأن الأمراض القلبية سبب بُعد العبد عن الله تعالى ، وبعده عن جنته الخالدة ؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يدخلُ الجنةَ مَنْ كان في قلبه مثقالُ ذرة مِنْ كبر" [رواه مسلم في صحيحه في كتاب الإيمان عن ابن مسعود رضي الله عنه].

وعلى هذا فسلامة الإنسان في آخرته هي في سلامة قلبه، ونجاتُه في نجاته من أمراضه المذكورة.

وقد تخفى على الإنسان بعض عيوب نفسه، وتدق عليه علل قلبه، فيعتقد في نفسه الكمال، وهو أبعد ما يكون عنه، فما السبيل إلى اكتشاف أمراضه، والتعرف على دقائق علل قلبه ؟ وما الطريق العملي إلى معالجة هذه الأمراض، والتخلص منها ؟

إن التصوف هو الذي اختص بمعالجة الأمراض القلبية، وتزكية النفس والتخلص من صفاتها الناقصة.

قال ابن زكوان في فائدة التصوف وأهميته:

علمٌ به تصفيةُ البواطنْ مِن كدَرَات النفس في المواطنْ





قال العلامة المنجوري في شرح هذا البيت: (التصوف علم يعرف به كيفية تصفية الباطن من كدرات النفس، أي عيوبها وصفاتها المذمومة كالغل والحقد والحسد والغش وحب الثناء والكبر والرياء والغضب والطمع والبخل وتعظيم الأغنياء والاستهانة بالفقراء، لأن علم التصوف يطلع على العيب والعلاج وكيفيته، فبعلم التصوف يُتوصل إلى قطع عقبات النفس والتنزه عن أخلاقها المذمومة وصفاتها الخبيثة، حتى يتوصل بذلك إلى تخلية القلب عن غير الله تعالى، وتحليته بذكر الله سبحانه وتعالى) ["النصرة النبوية" للشيخ مصطفى إسماعيل المدني على هامش شرح الرائية للفاسي ص 26].

أما تحلية النفس بالصفات الكاملة ؛ كالتوبة والتقوى والاستقامة والصدق والإخلاص والزهد والورع والتوكل والرضا والتسليم والأدب والمحبة والذكر والمراقبة... فللصوفية بذلك الحظ الأوفر من الوراثة النبوية، في العلم والعمل.

قد رفضوا الآثامَ والعيوبا وطهَّروا الأبدانَ والقلوبا

وبلغوا حقيقة الإيمان وانتهجوا مناهج الإحسان

["لفتوحات الإلهية في شرح المباحث الأصلية"للعلامة ابن عجيبة على هامش شرح الحكم لابن عجيبة ج1/ص105].



فالتصوف هو الذي اهتم بهذا الجانب القلبي بالإضافة إلى ما يقابله من العبادات البدنية والمالية، ورسَمَ الطريق العملي الذي يوصل المسلم إلى أعلى درجات الكمال الإيماني والخُلُقي، وليس ـ كما يظن بعض الناس ـ قراءةَ أوراد وحِلَقَ أذكار فحسب، فلقد غاب عن أذهان الكثيرين، أن التصوف منهج عملي كامل، يحقق انقلاب الإنسان من شخصية منحرفة إلى شخصية مسلمة مثالية متكاملة، وذلك من الناحية الإيمانية السليمة،والعبادة الخالصة،والمعاملة الصحيحة الحسنة،والأخلاق الفاضلة.

ومن هنا تظهر أهمية التصوف وفائدته، ويتجلى لنا بوضوح، أنه روح الإسلام وقلبُهُ النابض، إذ ليس هذا الدين أعمالاً ظاهرية وأموراً شكلية فحسب لا روح فيها ولا حياة.

وما وصل المسلمون إلى هذا الدرْك من الانحطاط والضعف إلا حين فقدوا روح الإسلام وجوهره، ولم يبق فيهم إلا شبحه ومظاهره.

لهذا نرى العلماء العاملين، والمرشدين الغيورين، ينصحون الناس بالدخول مع الصوفية والتزام صحبتهم، كي يجمعوا بين جسم الإسلام وروحه، وليتذوقوا معاني الصفاء القلبي والسمو الخُلقي، وليتحققوا بالتعرف على الله تعالى المعرفة اليقينية، فيتحلوا بحبه ومراقبته ودوام ذكره.

قال حجة الإسلام الإمام الغزالي بعد أن اختبر طريق التصوف، ولمس نتائجه، وذاق ثمراته: (الدخول مع الصوفية فرض عين، إذ لا يخلو أحد من عيب إلا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام) ["النصرة النبوية" على هامش شرح الرائية للفاسي ص26].

وقال أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه: (من لم يتغلغل في علمنا هذا مات مصراً على الكبائر وهو لا يشعر). وفي هذا القول يقول ابن علاَّن الصديقي (ولقد صدق فيما قال ـ يعني أبا الحسن الشاذلي ـ فأي شخص يا أخي يصوم ولا يعجب بصومه ؟ وأي شخص يصلي ولا يعجب بصلاته ؟ وهكذا سائر الطاعات) ["إيقاظ الهمم في شرح الحكم" لابن عجيبة ص7].

ولما كان هذا الطريق صعب المسالك على النفوس الناقصة، فعلى الإنسان أن يجتازه بعزم وصبر ومجاهدة حتى ينقذ نفسه من بُعد الله وغضبه.

قال الفضيل بن عياض رضي الله عنه: (عليك بطريق الحق، ولا تستوحش لقلة السالكين، وإياك وطريقَ الباطل، ولا تغتر بكثرة الهالكين. وكلما استوحشت من تفردك فانظر إلى الرفيق السابق، واحرص على اللحاق بهم، وغُضَّ الطرف عن سواهم، فإنهم لن يغنوا عنك من الله تعالى شيئاً، وإذا صاحوا بك في طريق سيرك فلا تلتفت إليهم فإنك متى التفتَّ إليهم أخذوك وعاقوك) ["المنن الكبرى" للشعراني ج1/ص4].
__________________
إذا أنتَ أكثرتَ الصلاةَ على الذي
صلى عليه الله ُ في الايات ِ
وجـعلـتـَـها ِوردا ً عليكَ مُـحـتما ً
لاحتْ عليكَ دلائلُ الخيرات
عبدالقادر حمود غير متواجد حالياً  
رد مع اقتباس
قديم 11-18-2019
  #12
عبدالقادر حمود
أبو نفيسه
 الصورة الرمزية عبدالقادر حمود
 
تاريخ التسجيل: Aug 2008
الدولة: سوريا
المشاركات: 12,150
معدل تقييم المستوى: 10
عبدالقادر حمود is on a distinguished road
افتراضي رد: حمل كتاب حقائق عن التصوف بصيغة PDF وورد وهتمل


الباب الثاني:

المنهج العملي في التصوف

مقدمة
1ـ الصحبة. 2ـ الوارث المحمدي. 3ـ أخذ العهد. 4ـ العلم. 5ـ مجاهدة النفس. 6ـ الذكر. 7ـ المذاكرة. 8ـ الخلوة.


مقدمة

تبين لنا في الباب السابق أهمية التصوف ومنزلته في تكوين الشخصية المسلمة المتكاملة، وأنه التطبيق العملي للإسلام، وأنه يهتم بإصلاح ظاهر العبد وعمارة باطنه، وتقويم خلقه، وتصحيح عباداته ومعاملاته.

وإن السادة الصوفية لا يكتفون بأن يوضحوا للناس أحكام الشرع وآدابه بمجرد الكلام النظري، ولكنهم بالإضافة إلى ذلك يأخذون بيد تلميذهم ويسيرون به في مدارج الترقي، ويرافقونه في جميع مراحل سيره إلى الله تعالى، يحيطونه برعايتهم وعنايتهم، ويشملونه بعطفهم وحنانهم، ويوجهونه بحالهم وقالهم، وينهضون به بعلو همتهم وعظيم صدقهم ؛ يذكرونه إذا نسي، ويقوِّمونه إذا انحرف، ويتفقدونه إذا غاب، وينشطونه إذا فتر... وهكذا يرسمون له المنهج العملي الذي يمكنه به أن يتحقق بأركان الدين الثلاثة: الإيمان والإسلام والإحسان.

إن الصوفية أرباب أعمال وأحوال لا أرباب دعاوي وأقوال، فما أسهل الكلام والتعليم، وما أصعب العمل والتطبيق!

وها نحن نعرض في هذا الباب أهم الطرق العملية التي يطبقها رجال التصوف للوصول إلى رضاء الله تعالى ومعرفته، وما هذا المنهج العملي إلا تطبيقاً لكتاب الله تعالى، واقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم وبأصحابه الكرام رضوان الله عليهم.

إن الصوفية لم يبتدعوا منهجاً، ولم يبتكروا أسلوباً، ولكنهم ساروا متبعين لرسول الله صلى الله عليه وسلم قولاً وعملاً وأخلاقاً.
__________________
إذا أنتَ أكثرتَ الصلاةَ على الذي
صلى عليه الله ُ في الايات ِ
وجـعلـتـَـها ِوردا ً عليكَ مُـحـتما ً
لاحتْ عليكَ دلائلُ الخيرات
عبدالقادر حمود غير متواجد حالياً  
رد مع اقتباس
قديم 11-18-2019
  #13
عبدالقادر حمود
أبو نفيسه
 الصورة الرمزية عبدالقادر حمود
 
تاريخ التسجيل: Aug 2008
الدولة: سوريا
المشاركات: 12,150
معدل تقييم المستوى: 10
عبدالقادر حمود is on a distinguished road
افتراضي رد: حمل كتاب حقائق عن التصوف بصيغة PDF وورد وهتمل

الصحبة


أهميتها وفائدتها وآثارها ـ الدليل عليها من الكتاب ـ الدليل عليها من السنة ـ أقوال العلماء والمحدثين في أهمية الصحبة ـ أقوال العارفين بالله





1ـ أهميتها وفائدتها وآثارها:



إن للصحبة أثراً عميقاً في شخصية المرء وأخلاقه وسلوكه، والصاحب يكتسب صفات صاحبه بالتأثر الروحي والاقتداء العملي، والإنسان اجتماعي بالطبع لا بد أن يخالط الناس ويكون له منهم أخلاء وأصدقاء ؛ فإن اختارهم من أهل الفساد والشر والفسوق والمجون انحدرت أخلاقه، وانحطت صفاته تدريجياً دون أن يشعر، حتى يصل إلى حضيضهم ويهوي إلى دركهم.

أما إذا اختار صحبة أهل الإيمان والتقوى والاستقامة والمعرفة بالله تعالى فلا يلبث أن يرتفع إلى أوج علاهم، ويكتسب منهم الخُلق القويم، والإيمان الراسخ، والصفات العالية، والمعارف الإلهية، ويتحرر من عيوب نفسه، ورعونات خُلُقِهِ. ولهذا تُعرف أخلاق الرجل بمعرفة أصحابه وجلسائه.



إذا كنتَ في قوم فصاحب خيارَهمو *** لا تصحب الأردى فترْدَى مع الردي

عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه *** فكل قرين بالمقارن يقتدي



وما نال الصحابة رضوان الله عليهم هذا المقام السامي والدرجة الرفيعة بعد أن كانوا في ظلمات الجاهلية إلا بمصاحبتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم ومجالستهم له. وما أحرز التابعون هذا الشرف العظيم إلا باجتماعهم بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وبما أن رسالة سيدنا محمد عليه السلام عامة خالدة إلى قيام الساعة، فإن لرسول الله صلى الله عليه وسلم وُرّاثاً من العلماء العارفين بالله تعالى، ورثوا عن نبيهم العلم والخُلق والإيمان والتقوى، فكانوا خلفاء عنه في الهداية والإرشاد والدعوة إلى الله، يقتبسون من نوره ليضيؤوا للإنسانية طريق الحق والرشاد، فمَنْ جالسهم سرى إليه من حالهم الذي اقتبسوه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومَنْ نصرهم فقد نصر الدين، ومن ربط حبله بحبالهم فقد اتصل برسول الله صلى الله عليه وسلم.

ومن استقى من هدايتهم وإرشادهم فقد استقى من نبع رسول الله صلى الله عليه وسلم.

هؤلاء الوراث هم الذين ينقلون للناس الدين، مُمَثَّلاً في سلوكهم، حيَّاً في أحوالهم، واضحاً في حركاتهم وسكناتهم، هم من الذين عناهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله:

"لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك" [أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الإمارة، وأخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة بلفظ آخر، وأخرجه الترمذي في كتاب الفتن، وابن ماجه في كتاب السنة].

لا ينقطع أثرهم على مر الزمان، ولا يخلو منهم قطر.

وهؤلاء الوراث المرشدون صحبتهم ترياق مجرب، والبعد عنهم سم قاتل، هم القوم لا يشقى بهم جليسهم ؛ مرافقتهم هي العلاج العملي الفعَّال لإصلاح النفوس، وتهذيب الأخلاق، وغرس العقيدة، ورسوخ الإيمان، لأن هذه أُمور لا تُنال بقراءة الكتب، ومطالعة الكراريس، إنما هي خصال عملية وجدانية، تُقتبس بالاقتداء، وتُنال بالاستقاء القلبي والتأثر الروحي.

ومن ناحية أخرى، فكل إنسان لا يخلو من أمراض قلبية، وعلل خفية لا يدركها بنفسه، كالرياء والنفاق والغرور والحسد، والأنانية وحب الشهرة والظهور، والعجب والكبر والبخل... بل قد يعتقد أنه أكمل الناس خُلقاً، وأقومهم ديناً، وهذا هو الجهل المركب، والضلال المبين.

قال تعالى:

{قُلْ هل نُنَبِّئُكم بالأخسرين أعمالاً الذين ضلَّ سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنَّهم يُحسنون صنعاً} [الكهف: 103ـ104].

فكما أن المرء لا يرى عيوب وجهه إلا بمرآة صافية مستوية، تكشف له عن حقيقة حاله، فكذلك لا بد للمؤمن من أخ مؤمن مخلص ناصح صادق، أحسن منه حالاً، وأقوم خُلقاً، وأقوى إيماناً، يصاحبه ويلازمه، فيريه عيوبه النفسية، ويكشف له عن خفايا أمراضه القلبية إما بقاله أو بحاله.

ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: "المؤمنُ مِرآةُ المؤمن" [رواه أبو داود عن أبي هريرة رضي الله عنه. ورواه البخاري في "الأدب المفرد" وقال الزين العراقي: إسناده حسن. "فيض القدير" ج6/ص252].

وعلينا أن نلاحظ أن المرايا أنواع وأشكال ؛ فمنها الصافية المستوية، ومنها الجرباء التي تُشوِّهُ جمال الوجه، ومنها التي تُكبِّر أو تُصغِّر.

وهكذا الأصحاب ؛ فمنهم الذي لا يريك نفسك على حقيقتها، فيمدحك حتى تظن في نفسك الكمال، ويُدخل عليك الغرور والعجب، أو يذمك حتى تيأس وتقنط من إصلاح نفسك. أما المؤمن الكامل فهو المرشد الصادق الذي صقلت مرآته بصحبة مرشد كامل، ورث عن مرشد قبله وهكذا حتى يتصل برسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو المرآة التي جعلها الله تعالى المثل الأعلى للإنسانية الفاضلة ؛ قال تعالى:

{لقد كان لكم في رسول الله أُسوةٌ حسنةٌ لِمَنْ كان يرجو الله واليومَ الآخرَ وذكرَ اللهَ كثيراً} [الأحزاب: 21].

فالطريق العملي الموصل لتزكية النفوس والتحلي بالكمالات الخلقية هو صحبة الوارث المحمدي والمرشد الصادق الذي تزداد بصحبته إيماناً وتقوىً وأخلاقاً، وتشفى بملازمته وحضور مجالسه من أمراضك القلبية وعيوبك النفسية، وتتأثر شخصيتك بشخصيته التي هي صورة عن الشخصية المثالية، شخصية رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ومن هنا يتبين خطأ من يظن أنه يستطيع بنفسه أن يعالج أمراضه القلبية، وأن يتخلص من علله النفسية بمجرد قراءة القرآن الكريم، والاطلاع على أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم. وذلك لأن الكتاب والسنة قد جمعا أنواع الأدوية لمختلف العلل النفسية والقلبية، فلا بد معهما من طبيب يصف لكل داء دواؤه ولكل علة علاجها [تسرع بعض القراء ففهم هذه العبارة على غير مرادها، وظن أننا نقصنا من أهمية القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، وزهَّدنا في تلاوتهما، والحقيقة أن رجال التصوف هم أكثر الناس تعظيماً لهما وتمسكاً بهما. ففي عبارة: (بمجرد قراءة القرآن الكريم...) بيان إلى أنه لا يكفي الاقتصار على قراءة القرآن الكريم والسنة الشريفة بل لا بد أيضاً من الفهم والعمل، ومن المعلوم أن الكتاب والسنة يدعوان للصحبة الصالحة كما سنوضحه في بحث (الدليل على أهمية الصحبة من الكتاب والسنة). وفي عبارة: (فلا بد معهما...) تصريح واضح بلزوم قراءة القرآن الكريم والسنة الشريفة، ثم يضاف إلى ذلك صحبة المرشدين الذين يزكون النفوس ويحضون الناس على قراءة وتطبيق الكتاب والسنة].

فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يطبب قلوب الصحابة ويزكي نفوسهم بحاله وقاله.

فمن ذلك ما حدث مع الصحابي الجليل أُبيّ بن كعب رضي الله عنه قال: (كنت في المسجد، فدخل رجل فصلى، فقرأ قراءة أنكرتها عليه، ثم دخل آخر فقرأ سوى قراءة صاحبه، فلما قضيا الصلاة دخلنا جميعاً على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: إن هذا قرأ قراءة أنكرتها عليه، فدخل آخر فقرأ قراءة سوى قراءة صاحبه. فأمرهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرآ، فحَسَّنَ النبي شأنهما، فسقط في نفسي من التكذيب ولا إذ كنت في الجاهلية، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قد غشيني ضرب في صدري، ففضت عرقاً، وكأني أنظر إلى الله عز وجل فَرَقاً) [أخرجه مسلم في صحيحه في باب بيان القرآن على سبعة أحرف].

ولهذا لم يستطع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يطببوا نفوسهم بمجرد قراءة القرآن الكريم، ولكنهم لازموا مستشفى رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ فكان هو المزكي لهم والمشرف على تربيتهم، كما وصفه الله تعالى بقوله:

{هو الذي بعثَ في الأمّيّين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويُزكّيهم ويُعلّمهم الكتابَ والحِكمةَ} [الجمعة: 2].

فالتزكية شيء، وتعليم القرآن شيء آخر، إذ المراد من قوله تعالى: {يزكيهم} يعطيهم حالة التزكية، ففرقٌ كبير بين علم التزكية وحالة التزكية كما هو الفرق بين علم الصحة وحالة الصحة، والجمع بينهما هو الكمال.

وكم نسمع عن أناس متحيرين يقرؤون القرآن الكريم، ويطلعون على العلوم الإسلامية الكثيرة، ويتحدثون عن الوساوس الشيطانية، وهم مع ذلك لا يستطيعون أن يتخلصوا منها في صلاتهم!.

فإذا ثبت في الطب الحديث أن الإنسان لا يستطيع أن يطبب نفسه بنفسه ولو قرأ كتب الطب، بل لا بد له من طبيب يكشف خفايا علله، ويطلع على ما عمي عليه من دقائق مرضه، فإن الأمراض القلبية، والعلل النفسية أشد احتياجاً للطبيب المزكي، لأنها أعظم خطراً، وأشد خفاء وأكثر دقة.

ولهذا كان من المفيد عملياً تزكية النفس والتخلص من عللها على يد مرشد كامل مأذون بالإرشاد، قد ورث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم العلم والتقوى وأهلية التزكية والتوجيه.

وها نحن نورد لك يا أخي من كتاب الله تعالى، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ومن أقوال علماء الشريعة من المحدثين، والفقهاء، والهداة المرشدين العارفين بالله ما يثبت أهمية صحبة الدالين على الله الوارثين عن رسوله صلى الله عليه وسلم، وما في ذلك من الآثار الحسنة، والنتائج الطيبة.

2 - الدليل على أهمية الصحبة من كتاب الله تعالى:



1 - قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا اللهَ وكُونوا معَ الصادقين} [التوبة: 119]. والصادقون: هم الصفوة من المؤمنين الذين عناهم الله بقوله: {مِنَ المؤمنين رِجال صَدَقوا ما عاهدوا اللهَ عيهِ} [الأحزاب: 23].

2 - قال تعالى: {واصبر نفسك مع الذينَ يدعون ربَّهم بالغداةِ والعشيِّ يُريدونَ وجهَهُ ولا تَعْدُ عيناك عنهُم تُريد زينةَ الحياةِ الدنيا ولا تُطِعْ مَنْ أغفلنا قلبَه عن ذكرنا واتَّبَعَ هواهُ وكان أمرُه فُرُطاً} [الكهف: 28].

الخطاب هنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم من قبيل تعليم أُمته وإِرشادها.

3 _ قال تعالى: {واتَّبِعْ سبيلَ مَنْ أنابَ إليَّ} [لقمان: 15]. أناب: رجع.

4 - قال تعالى: {ويوم يعضُّ الظالمُ على يديهِ يقولُ يا ليتني اتَّخذتُ مع الرسولِ سبيلاً . يا ويلتى ليتني لم أتَّخِذْ فلاناً خليلاً. لقد أضلَّني عن الذكر بعدَ إذ جاءَني وكان الشيطان للإنسان خذولاً} [الفرقان: 27 -29].

5 - قال تعالى: {الأخلاءُ يومئذٍ بعضُهم لبعضٍ عدوٌّ إلا المتقين}

[الزخرف: 67].

6 - قال تعالى: {ثم استوى على العرشِ الرحمنُ فاسألْ به خبيراً} [الفرقان: 59].

7 - قال تعالى حاكياً على لسان سيدنا موسى عليه السلام حين التقى بالخَضِر عليه السلام بعد عزم صادق، وعناء طويل، وسفر شاق: {هل أتَّبِعُك على أنْ تُعلِّمَنِ مما عُلِّمْتَ رُشداً . قال إنَّك لن تستطيع معيَ صبراً} [الكهف: 66 -67].



3 - الدليل على أهمية الصحبة من الأحاديث الشريفة:



1 - قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنما مَثَلُ الجليسِ الصالح وجليسِ السوءِ كحاملِ المسكِ، ونافخ الكير، فحاملُ المسكِ إما أن يُحْذِيَكَ (يعطيك) وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحاً طيبة، ونافخُ الكيرِ إما أن يحرق ثيابك وإما أن تجد فيه ريحاً منتنة) [رواه البخاري في صحيحه في كتاب الذبائح ومسلم في كتاب البر والصلة عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه].

2 - عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قيل: يا رسول الله أيُّ جلسائنا خير؟ قال: "مَنْ ذكَّركُم الله رؤيتُهُ، وزاد في علمكم مَنْطقُه، وذكَّركم في الآخرة عملُه" [رواه أبو يعلى ورجاله رجال الصحيح كما في "مجمع الزوائد" ج10/ص226].

3 - عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الرجل على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل" [رواه أبو داود والترمذي في كتاب الزهد وقال حديث حسن غريب].

4 - عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن من عباد الله لأناساً ما هم بأنبياء ولا شهداء، يغبطهم الأنبياء والشهداء يوم القيامة بمكانهم من الله، قالوا: يا رسول الله فخبِّرنا من هم؟ قال: هم قوم تحابُّوا برُوح الله على غير أرحام بينهم ولا أموال يتعاطونها، فوالله إن وجوههم لنور، وإنهم لعلى نور، ولا يخافون إذا خاف الناس، ولا يحزنون إذا حزن الناس، وقرأ هذه الآية: {ألا إنَّ أولياء الله لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون} [يونس: 62]" [رواه أبو داود].

5 - عن أبي ذر رضي الله عنه قلت: يا رسول الله ؛ الرجل يحب القوم ولا يستطيع أن يعمل عملهم؟ قال: "أنت يا أبا ذر مع من أحببت" [رواه أبو داود].

6 - عن حنظلة رضي الله عنه قال: لقيني أبو بكر رضي الله عنه، فقال: كيف أنت يا حنظلة؟ قلتُ: نافق حنظلة. قال: سبحان الله، ما تقول؟! قلت: نكون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم يُذكِّرنا بالجنة والنار كأنَّا رأي عين، فإذا خرجنا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات نسينا كثيراً. قال أبو بكر رضي الله عنه: "فو الله إنا لنلقى مثل هذا". فانطلقت أنا وأبو بكر حتى دخلنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: نافق حنظلة يا رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وما ذاك؟" قلت: يا رسول الله نكون عندك تذكِّرنا بالنار والجنة كأنَّا رأي العين، فإذا خرجنا من عندك عافَسْنَا الأزواج والضيعات، نسينا كثيراً. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "والذي نفسي بيده لو تدومون على ما تكونون عندي وفي الذكر لصافحتكم الملائكة على فُرُشِكم وفي طُرُقِكم، ولكن يا حنظلة ساعة وساعة - ثلاث مرات ـ" [رواه مسلم في صحيحه في كتاب التوبة.] ومعنى عافسنا: عالجنا ولاعبنا ؛ والضيعات: جمع ضيعة وهو معاش الرجل من مال أو حرفة أو صناعة.

إن هذه الأحاديث السالفة الذكر وكثيراً غيرها تبين بمجموعها أهمية الصحبة، وأثرها في النفوس، وأنها السبيل العملي للإصلاح والتربية. ولا سيما حديث حنظلة الذي يُظهر بوضوح كيف كانت مجالسة رسول الله صلى الله عليه وسلم تشع في القلوب أنوار اليقين، وتُزكي في النفوس جذوة الإيمان، وترتفع بالأرواح إلى مستوى ملائكي أقدس، وتطهِّر القلوب من أدران المادة، وتسمو بالإيمان إلى مستوى المراقبة والشهود.

وهكذا مجالسة وُرَّاث رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبتُهم، تُزَكِّي النفوس، وتزيد الإيمان، وتوقظ القلوب وتذكر بالله تعالى. والبعدُ عنهم يورث الغفلة، وانشغال القلب بالدنيا، وميله إلى متع الحياة الزائلة.



4 - أقوال الفقهاء والمحدثين في أهمية الصحبة وآدابها:



ابن حجر الهيثمي:

يقول الشيخ الفقيه المحدث أحمد شهابُ الدين بن حجر الهيثمي المكي في كتابه "الفتاوى الحديثية": (والحاصل أن الأوْلى بالسالك قبل الوصول إلى هذه المعارف أن يكون مديماً لما يأمره به أستاذه الجامع لطرفي الشريعة والحقيقة، فإنه هو الطبيب الأعظم، فبمقتضى معارفه الذوقية وحكمه الربانية، يُعطي كل بدن ونَفْسٍ ما يراه هو اللائق بشفائها والمصلح لغذائها) ["الفتاوى الحديثية" ص55 للمحدث أحمد بن حجر الهيثمي المكي توفي سنة 974هـ].



الإمام فخر الدين الرازي:

قال الإمام فخر الدين الرازي في تفسيره المشهور عند تفسيره سورة الفاتحة: (الباب الثالث في الأسرار العقلية المستنبطة من هذه السورة (الفاتحة) فيه مسائل... اللطيفة الثالثة: قال بعضهم: إنه لما قال: {اهدنا الصراط المستقيمَ} لم يقتصر عليه بل قال: {صراطَ الذينَ أنعمتَ عليهم} [الفاتحة:7 ] وهذا يدل على أن المريد لا سبيل له إلى الوصول إلى مقامات الهداية والمكاشفة إلا إذا اقتدى بشيخ يهديه إلى سواء السبيل، ويجنبه عن مواقع الأغاليط والأضاليل، وذلك لأن النقص غالب على أكثر الخلق، وعقولهم غير وافية بإدراك الحق وتمييز الصواب عن الغلط، فلا بد من كامل يقتدي به الناقص حتى يتقوى عقل ذلك الناقص بنور عقل الكامل، فحينئذ يصل إلى مدارج السعادات ومعارج الكمالات) ["تفسير مفاتيح الغيب" المشتهر بالتفسير الكبير للإمام فخر الدين الرازي ج1/ص142].



الشيخ إبراهيم الباجوري:

قال شيخ الإسلام إبراهيم الباجوري الشافعي عند شرحه كلام الشيخ إبراهيم اللقاني صاحب "جوهرة التوحيد":

وكنْ كما كان خيارُ الخلقِ *** حليفَ حِلم تابعاً للحق

(أي كن متصفاً بأخلاقٍ مثل الأخلاق التي كان عليها خيار الخلق... إلى أن قال: وإذا كانت المجاهدة على يد شيخ من العارفين كانت أنفع، لقولهم: حال رجل في ألف رجل أنفع من وعظ ألف رجل في رجل. فينبغي للشخص أن يلزم شيخاً عارفاً على الكتاب والسنة، بأن يزنه قبل الأخذ عنه فإن وجده على الكتاب والسنة لازمه، وتأدب معه، فعساه يكتسب من حاله ما يكون به صفاء باطنه، والله يتولى هداه) ["شرح الجوهرة" للباجوري ص133. والشيخ إبراهيم الباجوري شيخ الأزهر في عصره وهو من العلماء الأعلام ومن المحققين في المذهب الشافعي توفي عام 1277هـ].



ابن أبي جمرة:

شرح الإمام الحافظ المحدِّثُ الورع أبو محمد عبد الله بن أبي جمرة الأزدي الأندلسي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، قال: (جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فاستأذنه في الجهاد فقال: "أحَيٍّ والداك؟" قال: نعم، قال: ففيهما فجاهد) وبعد أن شرحه بيَّن عشرة وجوه له، قال في الوجه العاشر:

(فيه دليل على أن الدخول في السلوك والمجاهدات، السُّنَّةُ فيه أن يكون على يد عارف به، فيرشد إلى ما هو الأصلح فيه، والأسدُّ بالنسبة إلى حال السالك لأن هذا الصحابي رضي الله عنه لما أن أراد الخروج إلى الجهاد لم يستبد برأي نفسه في ذلك حتى استشار من هو أعلم منه وأعرف، هذا ما هو في الجهاد الأصغر فكيف به في الجهاد الأكبر؟!) ["بهجة النفوس" شرح مختصر صحيح البخاري لابن أبي جمرة المتوفى سنة 699هـ. ج3/ص146].



ابن قيم الجوزية:

قال الحافظ أبو عبد الله محمد الشهير بابن القيم: (فإذا أراد العبد أن يقتدي برجل، فلينظر هل هو من أهل الذكر أو من الغافلين، وهل الحاكم عليه الهوى أو الوحي؟. فإذا كان الحاكم عليه هو الهوى، وهو من أهل الغفلة كان أمره فُرطا... إلى أن قال: فينبغي للرجل أن ينظر في شيخه وقدوته ومتبوعه، فإن وجده كذلك فليبعد منه، وإن وجده ممن غلب عليه ذكر الله تعالى، واتباع السنة، وأمرُه غير مفروط عليه، بل هو حازم في أمره، فليستمسك بغَرْزه) ["الوابل الصيب من الكلم الطيب" ص53 لابن قيم الجوزية المتوفى سنة 751هـ].



عبد الواحد بن عاشر:

قال الفقيه المالكي عبد الواحد بن عاشر في منظومة العقائد وعبادات فقه مالك المسماة "المرشد المَعين" مبيناً ضرورة صحبة الشيخ المرشد وما تنتج من آثار طيبة:



يصحبُ شيخاً عارفَ المسالكْ *** يَقيهِ في طريقِهِ المَهَالِكْ

يُذَكِّرُهُ الله إذا رآهُ *** ويوصلُ العبدَ إلى مولاهُ

يُحاسبُ النفسَ على الأنفاسِ *** ويَزِنُ الخاطرَ بالقِسْطَاسِ

ويحفظُ المفروضَ رأسَ المالِ *** والنَّفلَ ربْحَهُ بهِ يوالي

ويُكثرُ الذكرَ بصفوِ لُبِّهِ *** والعونُ في جميعِ ذا بِرَبِّه

يجاهدُ النفْسَ لربِّ العالمينْ *** ويَتَحلَّى بمقاماتِ اليقينْ

يَصيرُ عند ذاكَ عارفاً بهِ *** حُرَّاً، وغيرُهُ خَلاَ مِنْ قلبِه

فحَبَّه الإلهُ واصطفاهُ *** لحضرةِ القدُّوسِ واجْتَباهُ



قال شارح هذه المنظومة الشيخ محمد بن يوسف المعروف بالكافي في كتابه "النور المبين على المرشد المعين": (إن من نتائج صحبة الشيخ السالك، ما يحصل لمريده من أنه يذكِّرهُ الله ؛ أي يكون سبباً قوياً في ذكر المريد ربه إذا رأى الشيخ لِمَا عليه من المهابة التي ألبسه الله إياها، ويشهد لذلك ما أخرجه الحاكم عن أنس رضي الله عنه (أفضلكم الذين إذا رُؤوا ذُكِرَ الله تعالى لرؤيتهم).

ومن ثمرة صحبة هذا الشيخ السالك أيضاً أنه يوصل العبد إلى مولاه بسبب ما يريه من عيوب نفسه، ونصحه بالهروب من غير الله إلى الله تعالى، فلا يرى لنفسه ولا لمخلوقٍ نفعاً ولا ضراً، ولا يركن لمخلوقٍ في دفعٍ أو جلب، بل يرى جميع الانقلابات والتصرفات في الحركات والسكنات لله تعالى، وهذا معنى الوصول إلى الله تعالى.

ففائدة الشيخ مع المريد هي إظهار العيوب القاطعة عن الله تعالى للمريد، فيشخصها له، ويريه دواءها، ولا يتم هذا إلا مع مريد صادق ألقى مقاليد نفسه لشيخه، وألزم نفسه ألاَّ يكتم خاطراً ما عن شيخه، وأما إذا كتمه ولو واحداً فلا ينتفع بشيخه البتة) ["النور المبين على المرشد المعين" ص178].



الطيبي صاحب "حاشية الكشاف":

قال الطيبي: (لا ينبغي للعالم - ولو تَبَحَّر في العلم حتى صار واحدَ أهل زمانه - أن يقتنع بما عَلمه، وإنما الواجب عليه الاجتماع بأهل الطريق ليدلوه على الطريق المستقيم، حتى يكون ممن يحدثهم الحق في سرائرهم من شدة صفاء باطنهم، ويُخَلَّصَ من الأدناس، وأن يجتنب ما شاب علمه من كدورات الهوى وحظوظ نفسه الأمارة بالسوء، حتى يستعد لفيضان العلوم اللدنية على قلبه، والاقتباس من مشكاة أنوار النبوة ؛ ولا يتيسر ذلك عادة إلا على يد شيخ كامل عالم بعلاج أمراض النفوس، وتطهيرها من النجاسات المعنوية، وحكمة معاملاتها علماً وذوقاً، لِيُخرجه من رعونات نفسه الأمَّارة بالسوء ودسائسها الخفية. فقد أجمع أهل الطريق على وجوب اتخاذ الإنسان شيخاً له، يرشده إلى زوال تلك الصفات التي تمنعه من دخول حضرة الله بقلبه، ليصح حضوره وخشوعه في سائر العبادات، من باب ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ولا شك أن علاج أمراض الباطن واجب، فيجب على كل من غلبت عليه الأمراض أن يطلب شيخاً يُخرِجه من كل ورطة، وإن لم يجد في بلده أو إقليمه وجب عليه السفر إليه) ["تنوير القلوب" للعلامة الشيخ أمين الكردي الشافعي ص44 - 45].

5 - أقوال العارفين بالله من رجال التصوف في فائدة الصحبة وآدابها:



إن السادة الصوفية هم أحرص الناس على حياة تعبدية خالصة، تقوم أُسُسها على السمع والطاعة، والإذعان لنصيحة ناصح، أو توجيه مرشد، فنشأت بينهم تلك المدارس الروحية التي قامت على أعظم أساليب التربية والتقويم، وأقوى صلات الروح بين الشيخ والمريد.

ولذا يوصي العارفون بالله تعالى كل من أراد سلوك طريق الحق الموصل إلى معرفة الله ورضاه بالصُحبةِ، وروحُها الاعتقاد والتصديق بهؤلاء المرشدين الدالين على الله تعالى، الموصلين إلى حضرته القدوسية.



أبو حامد الغزالي:

قال الإمام حجة الإسلام أبو حامد الغزالي رحمه الله تعالى: (الدخول مع الصوفية فرض عين، إذ لا يخلو أحد من عيب أو مرض إلا الأنبياء عليهم السلام) ["شرح الحكم" لابن عجيبة ج1/ص7].

وقال رحمه الله: (كنت في مبدأ أمري منكراً لأحوال الصالحين، ومقامات العارفين، حتى صحبت شيخي (يوسف النساج) فلم يزل يصقلني بالمجاهدة حتى حظيت بالواردات، فرأيت الله تعالى في المنام، فقال لي: يا أبا حامد، دع شواغلك، واصحب أقواماً جعلتُهم في أرضي محل نظري، وهم الذين باعوا الدارين بحبِّي، قلت: بعزتك إلا أذقتني بَرْدَ حُسْنِ الظن بهم، قال: قد فعلتُ، والقاطع بينك وبينهم تشاغُلُك بحب الدنيا، فاخْرُجْ منها مختاراً قبل أن تخرج منها صاغراً، فقد أفضتُ عليك أنواراً من جوار قدسي. فاستيقظتُ فرحاً مسروراً وجئت إلى شيخي (يوسف النساج) فقصصت عليه المنام، فتبسم وقال: يا أبا حامد هذه ألواحنا في البداية، بل إنْ صحبتني ستكحل بصيرتك بإِثمد التأييد... الخ) ["شخصيات صوفية" لطه عبد الباقي سرور ص154. توفي سنة 1382هـ بمصر].

وقال أيضاً: (مما يجب في حق سالكِ طريق الحق أن يكون له مرشدٌ ومربٌّ ليدله على الطريق، ويرفع عنه الأخلاق المذمومة، ويضع مكانها الأخلاق المحمودة، ومعنى التربية أن يكون المربي كالزارع الذي يربي الزرع، فكلما رأى حجراً أو نباتاً مضراً بالزرع قلعه وطرحه خارجاً، ويسقي الزرع مراراً إلى أن ينمو ويتربى، ليكون أحسن من غيره ؛ وإذا علمت أن الزرع محتاج للمربي، علمت أنه لا بد للسالك من مرشد البتة، لأن الله تعالى أرسل الرسل عليهم الصلاة والسلام للخلق ليكونوا دليلاً لهم، ويرشدوهم إلى الطريق المستقيم ؛ وقبل انتقال المصطفى عليه الصلاة والسلام إلى الدار الآخرة قد جعل الخلفاء الراشدين نواباً عنه ليدلوا الخلق إلى طريق الله ؛ وهكذا إلى يوم القيامة، فالسالك لا يستغني عن المرشد البتة) ["خلاصة التصانيف في التصوف" لحجة الإسلام الغزالي ص18. توفي سنة 505هـ في طوس].

ومن قوله: (يحتاج المريد إلى شيخ وأستاذ يقتدي به لا محالة ليهديه إلى سواء السبيل، فإن سبيل الدين غامض، وسبل الشيطان كثيرة ظاهرة فمن لم يكن له شيخ يهديه، قاده الشيطان إلى طرقه لا محالة. فمن سلك سبل البوادي المهلكة بغير خفير فقد خاطر بنفسه وأهلكها، ويكون المستقل بنفسه كالشجرةِ التي تنبت بنفسها فإنها تجف على القرب، وإن بقيت مدة وأورقت لم تثمر، فمعتَصَمُ المريد شيخُهُ، فليتمسك به) ["الإحياء" ج3/ص65].

ويقول الغزالي: (إن الله عز وجل إذا أراد بعبد خيراً بصَّره بعيوب نفسه، فمن كانت بصيرته نافذة لم تخْفَ عليه عيوبه، فإذا عرف العيوب أمكنه العلاج. ولكن أكثر الخلق جاهلون بعيوب أنفسهم يرى أحدهم القذى في عين أخيه ولا يرى الجذع في عين نفسه، فمن أراد أن يعرف عيوب نفسه فله أربعة طرق:

الأول: أن يجلس بين يدي شيخ بصير بعيوب النفس، مطلعٍ على خفايا الآفات، ويحكّمه في نفسه، ويتبع إشاراته في مجاهداته، وهذا شأن المريد مع شيخه، والتلميذ مع أستاذه، فيعرّفه أستاذه وشيخه عيوب نفسه، ويعرّفه طريق علاجها... الخ) ["الإحياء" ج3/ص55].



الأمير عبد القادر الجزائري:

قال الأمير العارف بالله عبد القادر الجزائري في كتابه "المواقف":

(الموقف المائة والواحد والخمسون: قال الله تعالى حاكياً قول موسى لخضرٍ عليهما السلام: {هلْ اتَّبِعُك على أنْ تعلِّمَنِ مما عُلِّمتَ رشداً} [الكهف:66 ]: اعلم أن المريد لا ينتفع بعلوم الشيخ وأحواله إلا إذا انقاد له الانقياد التام، ووقف عند أمره ونهيه، مع اعتقاده الأفضلية والأكملية، ولا يغني أحدهما عن الآخر، كحال بعض الناس يعتقد في الشيخ غاية الكمال ويظن أن ذلك يكفيه في نيل غرضه، وحصول مطلبه، وهو غير ممتثل ولا فاعل لما يأمره الشيخ به، أو ينهاه عنه. فهذا موسى عليه السلام، مع جلالة قدره وفخامة أمره، طلب لقاء الخضر عليه السلام وسأل السبيل إلى لُقيِّه، وتجشم مشاق ومتاعب في سفره، كما قال: {لقدْ لقينا مِن سفرِنا هذا نَصباً} [الكهف: 62] ومع هذا كله لَمَّا لم يمتثل نهياً واحداً، وهو قوله: {فلا تسألْنِي عن شيء حتى أُحدِثَ لَكَ منه ذِكراً} [الكهف: 70] ما انتفع بعلوم الخَضِر عليه السلام، مع يقين موسى عليه السلام الجازم أن الخضر أعلمُ منه بشهادة الله تعالى، لقوله تعالى عندما قال موسى عليه السلام: لا أعلم أحداً أعلم مني: [بلى، عبدنا خَضِرٌ] وما خصَّ عِلْماً دون علم، بل عمَّم.

وكان موسى عليه السلام أولاً ما علم أن استعداده لا يقبل شيئاً من علوم خضر عليه السلام. وأما خضر عليه السلام، فإنه علم ذلك أول وهلة فقال: {إنَّك لن تستطيعَ معيَ صبراً} [الكهف: 67]. وهذا من شواهد علمية الخضر عليه السلام فلينظر العاقل إلى أدب هذين السيدين.

قال موسى عليه السلام: {هل أتَّبِعُك على أن تُعلِّمَنِ ممّا عُلِّمتَ رشداً} [الكهف:66] أي: هل تأذن في اتباعك، لأتعلم منك؟ ففي هذه الكلمات من حلاوة الأدب ما يذوقها كل سليم الذوق.

وقال خضر عليه السلام: {فإنِ اتََّبَعتَني فلا تسْألْني عن شيء حتى أُحدثَ لكَ منه ذِكراً} [الكهف: 70] وما قال: فلا تسألني، وسكت، فيبقى موسى عليه السلام حيران متعطشاً، بل وعده أنه يُحدث له ذكراً، أي: علماً بالحكمة فيما فعل، أو ذكراً: بمعنى: تذكراً.

فأكملية الشيخ في العلم المطلوب منه المقصود لأجله لا تغني عن المريد شيئاً، إذا لم يكن ممتثلاً لأوامر الشيخ، مجتنباً لنواهيه

وما ينفع الأصل من هاشمإذا كانت النفس من باهِلة وإنما تنفع أكملية الشيخ من حيث الدلالة الموصلة إلى المقصود، وإلا فالشيخ لا يعطي المريد إلا ما أعطاه له استعداده، واستعداده مُنْطَوٍ فيه وفي أعماله، كالطبيب الماهر إذا حضر المريض وأمره بأدوية فلم يستعملها المريض، فما عسى أن تغني عنه مهارة الطبيب؟ وعدم امتثال المريض دليل على أن الله تعالى ما أراد شفاءه من علته، فإن الله إذا أراد أمراً هيأ له أسبابه.

وإنما وجب على المريد طلب الأكمل الأفضل من المشايخ خشية أن يلقي قيادَهُ بيد جاهل بالطريق الموصل إلى المقصود، فيكون ذلك عوناً على هلاكه) ["المواقف" ج1/ص305] والأمير عبد القادر الجزائري المجاهد الكبير الذي جاهد الإفرنسيين الطغاة، ووقف سداً منيعاً أمام الاستعمار الفرنسي سبعة عشر عاماً مجاهداً ومناضلاً أشهر من أن يعرف. وإنه لغريب على الأسماع قولنا بتصوف الأمير عبد القادر الجزائري، مع أنه من صفوتهم، وكتابه "المواقف" يشهد له بذلك، وله ديوان متوسط الحجم أطول قصيدة فيه الرائية وعنوانها (أستاذي الصوفي) اخترنا للقارىء بعض أبياتها:



أمسعودُ جاء السعد والخير واليسر *** وولّت جيوش النحس ليس لها ذكرُ

أسائل كل الخلق، هل من مُخبرٍ؟ *** يحدثني عنكم، فينعشني الخَبْرُ

إلى أن دعتني همَّةُ الشيخ من مدى *** بعيد، ألا فادْنُ فعندي لك الذخر

فشمّرْتُ عن ذيلي الأطارَ وطار بي *** جناح اشتياق، ليس يُخشى له كسر

إلى أن أنخْنَا بالبطاح ركابَنا *** وحطت بها رحلي، وتمَّ لها البشر

أتاني مُرَبّي العارفين بنفسه *** ولا عجبٌ، فالشأن أضحى له أمر

وقال: فإني منذ أعداد حجة *** لمنتظر لقياك، يا أيها البدر

فأنت بُنيّي، مذ "ألسْتُ بربكم" *** وذا الوقت حَقَّاَ ضمه اللوح والسطر

وجَدُّكَ قد أعطاك من قِدَمٍ لنا *** ذخيرتكم فينا، ويا حبذا الذخر

فقبَّلتُ من أقدامه وبساطه *** وقال لك البشرى، بذا قُضِيَ الأمر

وألقى على صُفْري بإِكسير سرِّهِ *** فقيل له: هذا هو الذهب التبر [الصفر هو النحاس]

محمد الفاسي، له من محمد *** صَفِيِّ الإله، الحال والشيم الغر

عليه صلاة الله ما قال قائل *** أمسعودُ جاء السعدُ والخير واليسر



ولد الأمير سنة 1222هـ الموافق 1807م بقرية قيطنة في الجزائر. وتوفي في سنة 1300هـ الموافق 1883م ودفن بجوار الشيخ الأكبر محي الدين بن عربي داخل القبة رحمة الله تعالى عليهما. ثم نقل رفاته إلى بلده الجزائر عام 1386هـ الموافق 1966م].



ابن عطاء الله السكندري:

يقول ابن عطاء الله السكندري رضي الله عنه: (وينبغي لمن عزم على الاسترشاد، وسلوك طريق الرشاد، أن يبحث عن شيخ من أهل التحقيق، سالك للطريق، تارك لهواه، راسخ القدم في خدمة مولاه فإذا وجده فليمتثل ما أمر، ولينْتهِ عما نهى عنه وزجر) [مفتاح الفلاح" ص30].

وقال أيضاً: (ليس شيخك مَنْ سمعت منه، وإنما شيخك من أخذت عنه، وليس شيخك من واجهتك عبارته، وإنما شيخك الذي سَرَتْ فيك إشارته، وليس شيخك من دعاك إلى الباب، وإنما شيخك الذي رَفَع بينك وبينه الحجاب، وليس شيخك من واجهك مقاله، إنما شيخك الذي نهض بك حاله.

شيخك هو الذي أخرجك من سجن الهوى، ودخل بك على المولى.

شيخك هو الذي ما زال يجلو مرآة قلبك، حتى تَجَلَّتْ فيها أنوار ربك، أنهضك إلى الله فنهضت إليه، وسار بك حتى وصلت إليه، وما زال محاذياً لك حتى ألقاك بين يديه، فزجَّ بك في نور الحضرة وقال: ها أنت وربك) ["لطائف المنن" ص167"].

وقال أيضاً: (لا تصحب من لا يُنهِضُكَ حاله، ولا يدلك على الله مقاله) ["إيقاظ الهمم" في شرح حكم ابن عطاء الله السكندري المتوفى سنة 709هـ لأحمد بن عجيبة الحسني ج1/ص74].



الشيخ عبد القادر الجيلاني:

ويقول صاحب العينية سيدي عبد القادر الجيلاني قدس الله سره:

وإن ساعد المقدور أو ساقك القضا *** إلى شيخ حق، في الحقيقة بارعُ

فقم في رضاه، واتَّبع لمراده *** ودع كل ما من قبل كنت تسارع

ولا تعترض فيما جهلت من أمره *** عليه، فإن الاعتراض تنازع

ففي قصة الخضر الكريم كفاية *** بقتل غلام، والكليمُ يدافع

فلما أضاء الصبح عن ليل سره *** وسلَّ حساماً للغياهب قاطع

أقام له العذرَ الكليمُ وإنه *** كذلك علم القومِ فيه بدائع



["فتوح الغيب" للجيلاني، من قصيدة تسمى "النوادر العينية في البوادر الغيبية" في 534 بيتاً ص201، وتوفي رضي الله عنه سنة 561هـ في بغداد].



الشيخ عبد الوهاب الشعراني:

قال العالم الرباني الشيخ عبد الوهاب الشعراني في كتابه "العهود المحمدية":

(أُخِذَ علينا العهد العام من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نواظب على الركعتين بعد كل وضوء، بشرط ألاَّ نحدِّث فيهما أنفسنا بشيء من أُمور الدنيا، أو بشيء لم يُشرع لنا في الصلاة. ويحتاج من يريد العمل بهذا العهد إلى شيخ يسلك به، حتى يقطع عنه الخواطر المشغلة عن خطاب الله تعالى. ثم قال:

فاسلك يا أخي على يد شيخ ناصح، يشغلك بالله تعالى، حتى يقطع عنك حديث النفس في الصلاة كقولك: أروحُ لكذا، أفعلُ كذا، أقول كذا، أو نحو ذلك، وإلا فمِنْ لازِمِكَ حديث النفس في الصلاة، ولا يكاد يَسْلَمُ لك منه صلاة واحدة، لا فرض ولا نفل، فاعلم ذلك، وإياك أن تريد الوصول إلى ذلك بغير شيخ، كما عليه طائفة المجادلين بغير علم، فإن ذلك لا يصح لك أبداً) ["لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية" للعارف بالله عبد الوهاب الشعراني ج1/ص51 توفي رضي الله عنه سنة 973 هـ في مصر].

وقال الشيخ الشعراني أيضاً: (وكانت صور مجاهداتي لنفسي من غير شيخ أنني كنت أطالع كتب القوم كـ "رسالة القشيري"، و"عوارف المعارف" و"القوت" لأبي طالب المكي و"الإحياء" للغزالي، ونحو ذلك، وأعمل بما ينقدح لي من طريق الفهم، ثم بعد مدة يبدو لي خلاف ذلك فأترك الأمر الأول وأعمل بالثاني... وهكذا، فكنت كالذي يدخل درباً لا يدري هل ينفذ أم لا؟ فإن رآه نافذاً خرج منه، وإلاَّ رجع، ولو أنه اجتمع بمن يُعرِّفه أمر الدرب قبل دخوله لكان بيَّن له أمره وأراحه من التعب، فهذا مثال من لا شيخ له. فإن فائدة الشيخ إنما هي اختصار الطريق للمريد، ومن سلك من غير شيخ تاه، وقطع عمره ولم يصل إلى مقصوده، لأن مثال الشيخ مثال دليل الحجاج إلى مكة في الليالي المظلمة). [ "لطائف المنن والأخلاق" للإمام الشعراني ج1/ص48 - 49].

وقال أيضاً: (ولو أن طريق القوم يوصَلُ إليها بالفهم من غير شيخ يسير بالطالب فيها لما احتاج مثل حجة الإسلام الإمام الغزالي والشيخ عز الدين بن عبد السلام أخْذَ أدبهما عن شيخ مع أنهما كانا يقولان قبل دخولهما طريق القوم: كل من قال: إن ثَمَّ طريقاً للعلم غير ما بأيدينا فقد افترى على الله عز وجل. فلما دخلا طريق القوم كانا يقولان: قد ضيعنا عمرنا في البطالة والحجاب. وأثبتا طريق القوم ومدحاها) ["لطائف المنن والأخلاق" للإمام الشعراني ج1/ص25].

ثم قال: (وكفى شرفاً لأهل الطريق قول السيد موسى عليه السلام للخضر: {هل أَتَّبِعُكَ على أنْ تُعَلِّمَنِ مما عُلِّمتَ رُشداً} [الكهف: 66].

واعتراف الإمام أحمد بن حنبل رضي الله تعالى عنه وأرضاه لأبي حمزة البغدادي بالفضل عليه، واعتراف الإمام أحمد بن سريج رحمه الله لأبي القاسم الجنيد، وطلب الإمام الغزالي له شيخاً يدله على الطريق مع كونه كان حجة الإسلام، وكذلك طلب الشيخ عز الدين بن عبد السلام له شيخاً مع أنه لُقِّبَ بسلطان العلماء... وكان رضي الله عنه يقول: ما عرفت الإسلام الكامل إلا بعد اجتماعي على الشيخ أبي الحسن الشاذلي رضي الله عنه وأرضاه. فإذا كان هذان الشيخان قد احتاجا إلى الشيخ مع سعة علمهما بالشريعة فغيرهما من أمثالنا من باب أولى)[ "لطائف المنن والأخلاق" للإمام الشعراني ج1/ص50].



أبو علي الثقفي:

قال أبو علي الثقفي: (لو أن رجلاً جمع العلوم كلها وصحب طوائف الناس لا يبلغ مبلغ الرجال إلا بالرياضة من شيخ مؤدب ناصح. ومن لم يأخذ أدبه عن آمرٍ له وناهٍ، يريه عيوب أعماله، ورعونات نفسه، لا يجوز الاقتداء به في تصحيح المعاملات) ["طبقات الصوفية" للسلمي ص365].

أبو مدين:

وقال أبو مدين رضي الله عنه:

(من لم يأخذ الآداب من المتأدبين، أفسد من يتبعه) ["النصرة النبوية" ص13].

الشيخ أحمد زروق:

قال الشيخ أحمد زروق رحمه الله في قواعده: (أخذ العلم والعمل عن المشايخ أتم من أخذه دونهم {بل هو آياتٌ بيِّناتٌ في صُدور الذينَ أوتوا العلمَ} [العنكبوت: 49]، {واتَّبِعْ سبيلَ مَنْ أنابَ إليَّ} [لقمان: 15]، فلزمت المشيخة، سيما والصحابة أخذوا عنه عليه الصلاة والسلام، وقد أخذ هو عن جبريل، واتبع إشارته في أن يكون عبداً نبياً، وأخذ التابعون عن الصحابة.

فكان لكلٌّ أتباعٌ يختصون به كابن سيرين وابن المسيّب والأعرج في أبي هريرة، وطاوس ووهب ومجاهد لابن عباس، إلى غير ذلك.

فأما العلم والعمل فأخْذُه جَلِيٍّ فيما ذكروا كما ذكروا.

وأما الإفادة بالهمة والحال، فقد أشار إليها أنس بقوله: (ما نفضْنَا الترابَ عن أيدينا من دفنه عليه الصلاة والسلام حتى أنكرنا قلوبنا) [رواه الإمام أحمد وابن ماجه والترمذي وقال: حديث حسن صحيح غريب]. ولفظه عن أنس رضي الله عنه قال:

(لما كان اليوم الذي دخل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، أضاء منها كل شيء فلما كان اليوم الذي مات فيه أظلم منها كل شيء، وما نفضنا عن النبي صلى الله عليه وسلم الأيدي حتى أنكرنا قلوبنا).

فأبان أن رؤية شخصه الكريم كانت نافعة لهم في قلوبهم، إذ مَنْ تحقق بحالة لم يخلُ حاضروه منها، فلذلك أمر بصحبة الصالحين، ونهى عن صحبة الفاسقين) ["قواعد التصوف" لأحمد زروق القاعدة 65].



علي الخواص:



وقال سيدي علي الخواص رضي الله عنه:

لا تَسْلكَنَّ طريقاً لَسْتَ تعْرفُها بلا دليلٍ فَتَهوي في مَهَاويها

["المنن" للشعراني ج1/ص51].



لأن الدليل والمرشد يوصل السالك إلى ساحل الأمان ويجنبه مزالق الأقدام ومخاطر الطريق، وذلك لأن هذا الدليل المرشد قد سبق له سلوك الطريق على يد دليل عارف بخفايا السير، مطلع على مجاهله ومآمنه، فلم يزل مرافقاً له، حتى أوصله إلى الغاية المنشودة، ثم أذن له بإرشاد غيره، وإلى هذا أشار ابن البنّا في منظومته:

وإنما القومُ مُسافِرونا *** لحضرةِ الحقِّ وظاعنونا

فافتقرُوا فيه إلى دليلِ *** ذِي بصرٍ بالسَّيرِ والمقيلِ

قدْ سلكَ الطريق ثمَّ عادَ *** لِيُخْبِرَ القومَ بما استفادَ

[أحمد بن محمد التجيبي المعروف بابن البنا - "الفتوحات الإلهية" شرح المباحث الأصلية ج1/ص142].



الشيخ محمد الهاشمي:

قال شيخنا الكبير مربي العارفين والدال على الله سيدي محمد الهاشمي رحمه الله تعالى:

(فاسلك يا أخي على يد شيخ حيٌّ عارفٍ بالله، صادق ناصح، له علم صحيح، وذوق صريح، وهمة عالية، وحالة مَرْضيَّة، سلك الطريق على يد المرشدين، وأخذ أدبه عن المتأدبين، عارف بالمسالك، ليقيك في طريقك المهالك ويدلك على الجمع على الله، ويعلمك الفرار من سوى الله، ويسايرك في طريقك حتى تصل إلى الله، يوقفك على إساءة نفسك، ويعرِّفك بإحسان الله إليك، فإذا عرفته أحببته، وإذا أحببته جاهدت فيه، وإذا جاهدت فيه هداك لطريقه، واصطفاك لحضرته، قال تعالى: {والذين جاهدوا فينا لَنَهدِيَنَّهم سُبلَنا} [العنكبوت: 69]. فصحبة الشيخ والاقتداء به واجب، والأصل فيه قوله تعالى: {واتَّبِعْ سبيلَ مَنْ أنابَ إليَّ} [لقمان: 15] وقوله تعالى: {يا أيُّها الذين آمنوا اتَّقوا اللهَ وكونوا مع الصادقينَ} [التوبة: 119].

ومن شرطه أيضاً أن يكون له الإذن في تربية الخلق من مرشد كامل ذي بصيرة نافذة، ولا يقال أين مَنْ هذا وصفه؟ لأنا نقول كما قال ابن عطاء الله السكَنْدَري في "لطائف المنن": (لا يُعْوِزُكَ وجود الدالين، وإنما يعوزك وجود الصدق في طلبهم). جِدَّ صدقاً تجدْ مرشداً.

لكِنَّ سرَّ الله في صِدْقِ الطَّلب *** كَمْ رِيءَ* في أصحابهِ مِنَ العَجَبْ

*[على وزن [قيل] مبني للمجهول].



وقال في "لطائف المنن" أيضاً: (إنما يكون الاقتداء بولي دلك الله عليه، وأطلعك على ما أودعه من الخصوصية لديه، فطوى عنك شهود بشريته في وجود خصوصيته، فألقيتَ إليه القياد، فسلك بك سبيل الرشاد... الخ).

وقال ابن عطاء الله في حِكَمِهِ: سبحان من لم يجعل الدليل على أوليائه إلا من حيث الدليل عليه، ولم يوصل إليهم إلا مَنْ أراد أن يوصله إليه)["شرح شطرنج العارفين" للشيخ محمد الهاشمي التلمساني ص14. وفي آخر كتابنا هذا سنذكر شيئاً من ترجمة شيخنا الهاشمي رحمة الله عليه].
__________________
إذا أنتَ أكثرتَ الصلاةَ على الذي
صلى عليه الله ُ في الايات ِ
وجـعلـتـَـها ِوردا ً عليكَ مُـحـتما ً
لاحتْ عليكَ دلائلُ الخيرات
عبدالقادر حمود غير متواجد حالياً  
رد مع اقتباس
قديم 11-18-2019
  #14
عبدالقادر حمود
أبو نفيسه
 الصورة الرمزية عبدالقادر حمود
 
تاريخ التسجيل: Aug 2008
الدولة: سوريا
المشاركات: 12,150
معدل تقييم المستوى: 10
عبدالقادر حمود is on a distinguished road
افتراضي رد: حمل كتاب حقائق عن التصوف بصيغة PDF وورد وهتمل

البحث عن الوارث المحمدي





مما سبق يتبين أهمية صحبة الوارث المحمدي للترقي في مدارج الكمال، وتلقي دروس الآداب والفضائل، واكتشاف العيوب الخفية والأمراض القلبية.

ولكن قد يسأل سائل: كيف الاهتداء إليه؟ والوصول إلى معرفته؟ وما هي شروطه وأوصافه؟ فنقول:

1 - حين يشعر الطالب بحاجته إليه كشعور المريض بحاجته إلى الطبيب، عليه أن يصدق العزم، ويصحح النية، ويتجه إلى الله تعالى بقلب ضارع منكسر، يناديه في جوف الليل، ويدعوه في سجوده وأعقاب صلاته: (اللهم دلَّني على من يدلني عليك، وأوصلني إلى من يوصلني إليك).

2 - عليه أن يبحث في بلده، ويفتش ويسأل عن المرشد بدقة وانتباه غير ملتفت لما يشيعه بعضهم من فقد المرشد المربي في هذا الزمن. يقول ابن عجيبة: (والناس في إثبات الخصوصية ونفيها على ثلاثة أقسام:

1 - قسم أثبتوها للمتقدمين ونفوها عن المتأخرين ؛ وهم أقبح العوام.

2 - وقسم أقروها قديماً وحديثاً، وقالوا: إنهم أخفياء في زمانهم، فحرمهم الله بركتهم.

3 - وقوم أقروا الخصوصية في أهل زمانهم، مع إقرارهم بخصوصية السلف، وعرفوهم، وظفروا بهم، وعظموهم ؛ وهم السعداء الذين أراد الله أن يرحلهم إليه ويقربهم إلى حضرته، وفي الحكم: (سبحان من لم يجعل الدليل على أوليائه إلا من حيث الدليل عليه ؛ ولم يوصل إليهم إلا من أراد أن يوصله إليه). وبهذا يُرَدُّ على من زعم أن شيخ التربية انقطع، فإن قدرة الله تعالى عامة، وملك الله قائم ؛ والأرض لا تخلو ممن يقوم بالحجة حتى يأتي أمر الله) "البحر المديد في تفسير القرآن المجيد" لابن عجيبة ج1/ص77.

ويحضرني في هذا الموضوع أبيات لبعضهم يَردُّ فيها على من يدَّعي أن المرشدين قد عدموا في هذا العصر أو قلُّوا، قال:



يقول قوم عن هداهم ضلوا قد عُدموا في عصرنا أو قَلُّوا

فقلت: كلا إنما قد جَلُّوا عن أن تراهم أعين الجهال



وقد أدركنا والحمد لله في زمننا هذا رجالاً عارفين مرشدين قد توفرت فيهم شروط التربية على الكمال، ذوي همة وحال ومقال، تخرَّج على أيديهم خلق كثير، وانتفع بهم جم غفير، ولكن الخفاش لا يستطيع أن يبصر النور.

فإذا لم يجد أحداً في مدينته فليبحث عنه في مدن أخرى، ألا ترى المريض يسافر إلى بلدة ثانية للتداوي إذا لم يجد الطبيب المختص، أو حين يعجز أطباء مدينته عن تشخيص دائه، ومعرفة دوائه. ومداواة الأرواح تحتاج إلى أطباء أمهر من أطباء الأجسام.

وللمرشد شروط لا بد منها حتى يتأهل لإرشاد الناس وهي أربعة:

1 - أن يكون عالماً بالفرائض العينية.

2 - أن يكون عارفاً بالله تعالى.

3 - أن يكون خبيراً بطرائق تزكية النفوس ووسائل تربيتها.

4 - أن يكون مأذوناً بالإرشاد من شيخه.



1 - أما الشرط الأول: فينبغي أن يكون المرشد عالماً بالفرائض العينية: كأحكام الصلاة والصوم والزكاة إن كان مالكاً للنصاب، وأحكام المعاملات والبيوع إن كان ممن يتعاطى التجارة... الخ. وأن يكون عالماً بعقيدة أهل السنة والجماعة في التوحيد، فيعرف ما يجب لله تعالى، وما يجوز وما يستحيل إجمالاً وتفصيلاً، وكذلك في حق الرسل عليهم الصلاة والسلام، وهكذا سائر أركان الإيمان.

2 - وأما الشرط الثاني: فينبغي أن يتحقق المرشد بعقيدة أهل السنة عملاً وذوقاً بعد أن عرفها علماً ودراية، فيشهد في قلبه وروحه صحتها، ويشهد أن الله تعالى واحد في ذاته، واحد في صفاته، واحد في أفعاله، ويتعرف على حضرات أسماء الله تعالى ذوقاً وشهوداً، ويرجعها إلى الحضرة الجامعة، ولا يشتبه عليه تعدد الحضرات، إذ تعدد الحضرات لا يدل على تعدد الذات.

3 - وأما الشرط الثالث: فلا بد أن يكون قد زَكَّى نفسه على يد مربٍ ومرشد، فخبَرَ مراتب النفس وأمراضها ووساوسها، وعرف أساليب الشيطان ومداخله. وآفات كل مرحلة من مراحل السير، وطرائق معالجة كل ذلك بما يلائم حالة كل شخص وأوضاعه.

4 - وأما الشرط الرابع: فلا بد للمرشد من أن يكون قد أُجيز من شيخه بهذه التربية وهذا السير، فمن لم يشهد له الاختصاصيون بعلم يَدَّعيه لا يحق له أن يتصدر فيه، فالإجازة: هي شهادة أهلية الإرشاد وحيازة صفاته وعليها أُسِّسَتْ الآن فكرة المدارس والجامعات، فكما لا يجوز لمن لا يحمل شهادة الطب أن يفتح عيادة لمداواة المرضى، ولا يصح لغير المجاز في الهندسة أن يرسم مخططاً للبناء، وكما لا يجوز للذي لا يحمل شهادة أهلية التعليم أن يُدَرِّس في المدارس والجامعات، فكذلك لا يجوز أن يدَّعي الإرشاد غير مأذون له به من قِبَلِ مرشدين مأذونين مؤهَّلين، يتصل سندهم بالتسلسل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على غرار علماء الحديث الذين تناقلوا أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسند رجلاً عن رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، واعتبروا السند أساساً لحفظ السنة النبوية من الضياع والتحريف ولهذا قال ابن المبارك: (الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء).

وكما أنه لا يصح من العاقل أن يتداوى عند جاهل بالطب، كذلك لا يجوز للمرء أن يركن إلى غير المرشد المأذون المختص بالتوجيه والإرشاد، وكل من درس الوضع العلمي في الماضي يعرف قيمة الإجازة من الأشياخ وأهمية التلقي عندهم، حتى إنهم أطلقوا على من لم يأخذ علمه من العلماء اسم (الصحفي)، لأنه أخذ علمه من الصحف والمطالعة الخاصة، قال ابن سيرين رحمه الله:

(إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم) [رواه مسلم في مقدمة صحيحه عن محمد بن سيرين].

وقد أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن عمر رضي الله عنهما بذلك فقال:

(يا ابن عمر دينَك دينَك إنما هو لحمك ودمك فانظرْ عمن تأخذ، خذ الدين عن الذين استقاموا، ولا تأخذ عن الذين مالوا) [أخرجه الحافظ ابن عدي عن ابن عمر كذا في "كنز العمال" ج3/ص152].

وقال بعض العارفين:

(العلم روح تُنفخ لا مسائل تُنسخ، فلْيَنْتبه المتعلمون عمن يأخذون، ولْيَنْتبه العالِمون لمن يُعطون).

ثم اعلم أن من علامات المرشد أموراً يمكن ملاحظتها:

- منها: أنك إذا جالسته تشعر بنفحة إيمانية، ونشوة روحية، لا يتكلم إلا لله، ولا ينطق إلا بخير، ولا يتحدث إلا بموعظة أو نصيحة، تستفيد من صحبته كما تستفيد من كلامه، تنتفع من قربه كما تنتفع من بعده، تستفيد من لحظه كما تستفيد من لفظه.

- ومنها: أن تلاحظ في إخوانه ومريديه صور الإيمان والإخلاص والتقوى والتواضع، وتتذكر وأنت تخالطهم المُثُلَ العليا من الحب، والصدق والإيثار والأخوة الخالصة، وهكذا يُعرف الطبيب الماهر بآثاره ونتائج جهوده، حيث ترى المرضى الذي شُفوا على يديه، وتخرجوا من مصحه بأوفر قوة، وأتم عافية.

علماً أن كثرة المريدين والتلاميذ وقلتهم ليست مقياساً وحيداً، وإنما العبرة بصلاح هؤلاء المريدين وتقواهم، وتخلصهم من العيوب والأمراض واستقامتهم على شرع الله تعالى.

- ومنها: أنك ترى تلامذته يمثلون مختلف طبقات الأمة، وهكذا كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فالظفر به يدفع الطالب للأخذ بيده، والتزام مجالسه، والتأدب معه، والعمل بنصحه وإرشاده، في سبيل الفوز بسعادة الدارين.
__________________
إذا أنتَ أكثرتَ الصلاةَ على الذي
صلى عليه الله ُ في الايات ِ
وجـعلـتـَـها ِوردا ً عليكَ مُـحـتما ً
لاحتْ عليكَ دلائلُ الخيرات
عبدالقادر حمود غير متواجد حالياً  
رد مع اقتباس
قديم 11-18-2019
  #15
عبدالقادر حمود
أبو نفيسه
 الصورة الرمزية عبدالقادر حمود
 
تاريخ التسجيل: Aug 2008
الدولة: سوريا
المشاركات: 12,150
معدل تقييم المستوى: 10
عبدالقادر حمود is on a distinguished road
افتراضي رد: حمل كتاب حقائق عن التصوف بصيغة PDF وورد وهتمل



أخذ العهد





مما سبق ثبت أنه ينبغي لمريد الكمال أن يلتحق بمرشد يتعهده بالتوجيه ويرشده إلى الطريق الحق، ويضيء له ما أظلم من جوانب نفسه، حتى يعبد الله تعالى على بصيرة وهدى ويقين.

يبايع المرشد، ويعاهده على السير معه في طريق التخلي عن العيوب والتحلي بالصفات الحسنة، والتحقق بركن الإحسان، والترقي في مقاماته.

وأخذُ العهد ثابت في القرآن، والسنة، وسيرة الصحابة:

فمن القرآن:

قول الله تعالى: {إنَّ الذينَ يُبايعونَك إنَّما يبايعونَ اللهَ يدُ اللهِ فوق أيديهم فمَنْ نكث فإنَّما ينكث على نفسه ومَنْ أوفى بما عاهَدَ عليهُ اللهَ فسيؤتيهِ أجراً عظيماً} [الفتح: 10].

ولما كانت البيعة في الواقع لله تعالى، حذَّر الله من نقضها تحذيراً، فقال تعالى: {وأوفوا بعهد ِ الله إذا عاهدْتُم ولا تنْقُضوا الأَيمَانَ بعد توكيدها وقد جعلتم اللهَ عليكم كفيلاً} [النحل: 91].

وقوله أيضاً: {وأوفوا بالعهدِ إنَّ العهد كانَ مسؤولاً} [الإسراء: 34].

ومن السنة:

فإن أخذ العهد والبيعة في السنة المطهرة ما كان يتخذ صورة واحدة من التلقين أو يختص بجماعة من المسلمين، وإنما كان أخذ العهد في السنة جامعاً بين بيعة الرجال، وتلقين الجماعات والأفراد، ومبايعة النساء، بل وحتى من لم يحتلم.

فأما بيعة الرجال: فقد أخرج البخاري في صحيحه عن عبادة بن الصامت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئاً، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوا في معروف، فمن وفَّى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئاً فعوقب في الدنيا فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئاً ثم ستره الله فهو إلى الله، إن شاء عفا عنه ؛ وإن شاء عاقبه. فبايعناه على ذلك" [أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الإيمان. وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي كما في "الترغيب والترهيب" ج2/ص415].

وأما التلقين جماعة:

فعن يعلى بن شداد قال: حدثني أبي شداد بن أوس رضي الله عنه ؛ وعبادة بن الصامت حاضر يصدقه قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "هل فيكم غريب؟" - يعني من أهل الكتاب - فقلنا: لا يا رسول الله، فأمر بغلق الباب فقال: "ارفعوا أيديكم وقولوا: لا إله إلا الله"، فرفعنا أيدينا وقلنا: لا إله إلا الله، ثم قال صلى الله عليه وسلم: "الحمد لله ؛ اللهم إنك بعثتني بهذه الكلمة، وأمرتني بها، ووعدتني عليها الجنة، وإنك لا تخلف الميعاد"، ثم قال صلى الله عليه وسلم: "ألا أبشروا فإنَّ الله قد غفر لكم" [أخرجه الإمام أحمد والطبراني والبزار. ورجاله موثوقون. كما في "مجمع الزوائد" ج1/ص19].

وأما التلقين الإفرادي:

فإن علياً كرَّم الله وجهه سأل النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (يا رسول الله دلني على أقرب الطرق إلى الله، وأسهلها على عباده، وأفضلها عنده تعالى)، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "عليك بمداومة ذكر الله سراً وجهراً"، فقال علي: (كلُّ الناس ذاكرون فخصَّني بشيء) ؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أفضل ما قلته أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله، ولو أن السموات والأرضين في كفة ولا إله إلا الله في كفة لرجحت بهم، ولا تقوم القيامة وعلى وجه الأرض من يقول: لا إله إلا الله"، ثم قال علي: (فكيف أذكر؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: "غَمِّضْ عينيكَ واسمع مني لا إله إلا الله ثلاث مرات، ثم قلها ثلاثاً وأنا أسمع، ثم فعل ذلك برفع الصوت" [رواه الطبراني والبزار بإسناد حسن].

ومن التلقين الإفرادي: ما أخرج الطبراني في "الأوسط" وأبو نعيم والحاكم والبيهقي وابن عساكر عن بشير بن الخصاصية رضي الله عنه قال: (أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبايعه فقلت: علامَ تُبايعني يا رسول الله؟ فمدَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم يده، فقال: "تشهد أن لاإله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، وتصلي الصلوات الخمس لوقتها، وتؤدي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان، وتحج البيت، وتُجاهد في سبيل الله". قلت: يا رسول الله! كُلاًّ نطيق إلا اثنتين فلا أطيقهما: الزكاة، والله ما لي إلا عَشْر ذَوْد [الذود من الإبل: ما بين الثنتين إلى التسع، وقيل: ما بين الثلاث إلى العشر] هُنَّ رِسْلُ [بالكسر ثم السكون: اللبن] أهلي وحَمُولتهن [بالفتح: ما يحتمل عليه الناس من الدواب سواء أكانت عليها الأحمال أم لم تكن، وبالضم: الأحمال]، وأما الجهاد ؛ فإني رجل جبان، ويزعمون أنَّ من وَلَّى فقد باءَ بغضبٍ من الله، وأخاف إن حضر القتال أن أخشع بنفسي فأفرَّ فأبوء بغضب من الله، فقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم يدهُ ثم حرَّكها ثم قال:"يا بشير! لا صدقة ولا جهاد!! فبم إذاً تدخل الجنة؟!" قلت: يا رسول الله! ابسط يديك أُبايعك فبسط يده ، فبايعته عليهن) [أخرجه الإمام أحمد، وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" رجاله موثوقون ج1/ص42].

وروي عن جَرير بن عبد الله رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله اشترط عليَّ فأنت أعلم بالشرط. قال: (أبايعك على أن تعبد الله وحده، ولا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتنصح المسلم، وتبرأ من الشرك)[ رواه الإمام أحمد والنسائي في باب البيعة على النصح لكل مسلم].

وعن جرير أيضاً قال: (بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم) [أخرجه البخاري في صحيحه في باب البيعة على إقام الصلاة].

وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: كنا إذا بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة يقول لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فيما استطعتم"[أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الأحكام، ومسلم في كتاب الإمارة].

وأما بيعة النساء: فعن سلمى بنت قيس رضي الله عنها - وكانت إحدى خالات رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد صلت معه القبلتِين، وكانت إحدى نساء بني عدي بن النجار - قالت: (جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم فبايعته في نسوة من الأنصار ؛ فلما شرط علينا على أن لا نشرك بالله شيئاً، ولا نسرق ولا نزني، ولا نقتل أولادنا، ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا، ولا نعصيه في معروف، قال: "ولا تغششن أزواجكن" قالت: فبايعناه ثم انصرفنا، فقلتُ لامرأة منهن ارجعي فسلي رسول الله صلى الله عليه وسلم ما حُرِّم علينا من مال أزواجنا؟ قالت: فسألته فقال: "تأخذ ماله فتُحابي به غيرَهُ") [رواه أحمد وأبو يعلى والطبراني. ورجاله ثقات كما في "مجمع الزوائد" ج6/ص38].

وعن أُميمة بنت رُقَيْقِة قالت: (أتيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم في نسوة يبايعنه فقلن: نبايعك يا رسولَ الله على أن لا نشركَ بالله شيئاً، ولا نسرق، ولا نزني، ولا نقتل أولادنا، ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا ولا نعصيك في معروف. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فيما استطعتن وأطقتن"، فقلن: الله ورسوله أرحم بنا من أنفسنا، هَلُمَّ نبايعك يا رسول الله، فقال: "إني لا أُصافح النساء، إنما قولي لمئة امرأة كقولي لامرأة واحدة"[أخرجه الترمذي في كتاب السِّيَر باب بيعة النساء، ورواه النسائي في باب بيعة النساء. وإسناده حسن].

وجاءت أميمة بنت رُقَيْقَة رضي الله عنها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تبايعه على الإسلام، فقال: (أُبايعكِ على أن لا تشركي بالله شيئاً، ولا تسرقي ولا تزني، ولا تقتلي ولدك، ولا تأتي ببهتان تفترينه بين يديك ورجليك، ولا تنوحي، ولا تبرَّجي تبرج الجاهلية الأولى) [أخرجه النسائي وصححه الترمذي. كما في "حياة الصحابة" ج1/ص231].

وعن عزة بنت خايل رضي الله عنها أنها أتت النبي صلى الله عليه وسلم فبايعها: "أن لا تزنين، ولا تسرقين، ولا تئدين فَتُبدين أو تخفين". قلت: أما الوأد المبدي فقد عرفته، أما الوأد الخفي فلم أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يخبرني، وقد وقع في نفسي أنه إفساد الولد، فو الله لا أفسد لي ولداً أبداً [رواه الطبراني في "الأوسط" و"الكبير" كما في "مجمع الزوائد" ج6/ص39].

وأما بيعة من لم يحتلم: فقد أخرج الطبراني عن محمد بن علي بن الحسين رضي الله عنهم، أن النبي صلى الله عليه وسلم بايع الحسن والحسين وعبد الله بن عباس وعبد الله بن جعفر رضي الله عنهم وهم صغار ولم يُبْقِلوا [يقال: أبقل وجهه، إذا نبتت لحيته] ولم يبلغوا، ولم يبايع صغيراً إلا منَّا [قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" ج6/ص140: هو مرسل، ورجاله ثقات].

وأخرج الطبراني أيضاً عن عبد الله بن الزبير وعبد الله بن جعفر رضي الله عنهما أنهما بايعا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهما ابنا سبع سنين، فلمَّا رآهما رسول الله صلى الله عليه وسلم تبسم وبسط يده، فبايعهما ["مجمع الزوائد" ج9/ص285].

والخلاصة: إن الصحابة الكرام رضوان الله عليهم كانوا يبايعون رسول الله صلى الله عليه وسلم على حالات مختلفة. منها بيعتهم على الإسلام، وبيعتهم على أعمال الإسلام، وبيعتهم على الهجرة وعلى النصرة والجهاد، وبيعتهم على الموت، وبيعتهم على السمع والطاعة...

وأما بيعة الصحابة رضي الله عنهم لخلفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد أخرج ابن شاهين في الصحابة عن إبراهيم بن المنتشر عن أبيه عن جده قال: (كانت بيعة النبي صلى الله عليه وسلم حين أنزل الله عليه: {إنّ الذين يبايعُونَك إنَّما يبايعون الله} [الفتح: 10] التي بايع الناس عليها البيعة لله والطاعة للحق، وكانت بيعة أبي بكر رضي الله عنه : (تبايعوني ما أطعت الله)، وكانت بيعة عمر رضي الله عنه ومن بعده كبيعة النبي صلى الله عليه وسلم) ["الإصابة" ج3/ص458].

وعن أنس رضي الله عنه قال: (قدمت المدينة وقد مات أبو بكر رضي الله عنه واستُخلف عمر رضي الله عنه، فقلت لعمر: ارفع يدك أُبايعك على ما بايعت عليه صاحبك قبلك، على السمع والطاعة فيما استطعت) ["حياة الصحابة" ج1/ص237].

عن سليم أبي عامر رضي الله عنه: (أنَّ وفد الحمراء أتوا عثمان رضي الله عنه فبايعوه على ألاَّ يشركوا بالله شيئاً، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، ويصوموا رمضان، ويَدَعُوا عيد المجوس، فلما قالوا: نعم، بايعهم)[رواه الإمام أحمد كما في نفس المرجع].

ثم نهج الورَّاث من مرشدي الصوفية منهج الرسول صلى الله عليه وسلم في أخذ البيعة في كل عصر، فقد ذكر الأستاذ الندوي في كتابه "رجال الفكر والدعوة في الإسلام": (أن الشيخ عبد القادر الجيلاني فتح باب البيعة والتوبة على مصراعيه، يدخل فيه المسلمون من كل ناحية من نواحي العالم الإسلامي، يجددون العهد والميثاق مع الله، ويعاهدون على ألاَّ يشركوا ولا يكفروا، ولا يفسقوا، ولا يبتدعوا، ولا يظلموا، ولا يستحلوا ما حرَّم الله، ولا يتركوا ما فرض الله، ولا يتفانوا في الدنيا، ولا يتناسوا الآخرة. وقد دخل في هذا الباب - وقد فتحه الله على يد الشيخ عبد القادر الجيلاني - خلق لا يحصيهم إلا الله، وصلحت أحوالهم، وحسن إسلامهم، وظل الشيخ يربيهم ويحاسبهم، ويشرف عليهم، وعلى تقدمهم، فأصبح هؤلاء التلاميذ الروحيون يشعرون بالمسؤولية بعد البيعة والتوبة وتجديد الإيمان) ["رجال الفكر والدعوة في الإسلام" ص248]. فكان لهذه المعاهدات والبيعات من الأثر في التزكية والإصلاح الفردي والجماعي أقوى شأن وأوفر نصيب.





تناقل الإذن





منذ عهد الرسول صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا تناقل هذا الإذنَ والتلقينَ والعهدَ رجالٌ عن رجال، فوصل إلينا محققاً مسلسلاً مسجلاً، والصوفية يُسمُّون البيعة والإذن والتلقين باسم "القبضة"، يتلقاها واحد عن واحد، يقبض كل منهما يد الآخر، فكأنما الْتقى السالب بالموجب فارتبط التيار واتصل السند، ونفذ التأثير الروحي المحسوس المجرب.

وما هؤلاء المرشدون المجددون على توالي العصور والأزمان الذين يربطون قلوب الناس بهم حتى يوصلوها بنور سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم إلا كالمراكز الكهربائية التي توضع في الأماكن البعيدة عن المولِّد الكهربائي فتأخذ النور من مركز التوليد لتعطيه لمن حولها قوياً وهَّاجاً ؛ فهذه المراكز ليست مصدر النور ولكنها موزعة له وناقلة، ولكن لبعد المسافة يضعف نور الشريط المتصل بالمولِّد، فاحتاج الأمر إلى هذه المراكز التي تعيد لهذا النور قوته وحيويته.

وهكذا فإن المرشدين يجددون النشاط الإيماني في عصرهم، ويعيدون النور المحمدي إلى ضيائه وبريقه بعد تطاول الزمن وتعاقب القرون، وهذا معنى قوله عليه الصلاة والسلام: "العلماء ورثة الأنبياء" [فقرة من حديث رواه الترمذي في كتاب العلم عن أبي الدرداء رضي الله عنه].

والتجربة العملية هي الدليل الأكبر على ما يثمره أخذ العهد من نتائج طيبة وآثار حميدة، ولهذا اعتصم به السلف، وورثه صالحوا الخلف، وسار عليه جمهور الأمة.
__________________
إذا أنتَ أكثرتَ الصلاةَ على الذي
صلى عليه الله ُ في الايات ِ
وجـعلـتـَـها ِوردا ً عليكَ مُـحـتما ً
لاحتْ عليكَ دلائلُ الخيرات
عبدالقادر حمود غير متواجد حالياً  
رد مع اقتباس
قديم 11-18-2019
  #16
عبدالقادر حمود
أبو نفيسه
 الصورة الرمزية عبدالقادر حمود
 
تاريخ التسجيل: Aug 2008
الدولة: سوريا
المشاركات: 12,150
معدل تقييم المستوى: 10
عبدالقادر حمود is on a distinguished road
افتراضي رد: حمل كتاب حقائق عن التصوف بصيغة PDF وورد وهتمل

أدب المريد مع شيخه وإخوانه





بعد أن عرفنا فائدة الصحبة وأهميتها، وبصورة خاصة صحبة الوارث المحمدي ؛ وهو الشيخ المرشد المأذون بالتربية الذي ترقَّى في مقامات الرجال الكمل على يد مرشد كامل مسلسلاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وجمع بين الشريعة والحقيقة، ثم تبيَّن معنا أهمية بيعته وأخذ العهد عنه وملازمته، نذكر هنا بعضاً من الآداب التي تطلب من المريد الصادق كي يتحقق له الوصول إلى مطلوبه، فقد اتفق أهل الله قاطبة على أن من لا أدبَ له لا سيرَ له، ومن لا سيرَ له لا وصولَ له، وأن صاحب الأدب يَبلغ في قليل من الزمن مبلغَ الرجال، وها نحن نورد بعض آداب المريد مع شيخه وإخوانه:



1 - آداب المريد مع شيخه:

وهي نوعان: آداب باطنة، وآداب ظاهرة.



فأما الآداب الباطنة فهي:

1 - الاستسلام لشيخه وطاعته في جميع أوامره ونصائحه، وليس هذا من باب الانقياد الأعمى الذي يهمل فيه المرء عقله ويتخلى عن شخصيته، ولكنه من باب التسليم لِذي الاختصاص والخبرة ؛ بعد الإيمان الجازم بمقدمات فكرية أساسية، منها التصديق الراسخ بإذنه وأهليته واختصاصه وحكمته ورحمته، وأنه جمع بين الشريعة والحقيقة.. الخ. وهذا يشبه تماماً استسلام المريض لطبيبه استسلاماً كلياً في جميع معالجاته وتوصياته، ولا يُعَدُّ المريض في هذا الحال مهملاً لعقله متخلياً عن كيانه وشخصيته، بل يُعْتَبَرُ منصفاً عاقلاً لأنه سلَّم لذي الاختصاص، وكان صادقاً في طلب الشفاء.

2 - عدم الاعتراض على شيخه في طريقة تربية مريديه، لأنه مجتهد في هذا الباب عن علم واختصاص وخبرة، كما لا ينبغي أن يفتح المريد على نفسه باب النقد لكل تصرف من تصرفات شيخه ؛ فهذا من شأنه أن يُضْعِفَ ثقته به ويَحجُبَ عنه خيراً كثيراً، ويَقطعَ الصلة القلبية والمدد الروحي بينه وبين شيخه.

قال العلامة ابن حجر الهيثمي: (ومَنْ فتح باب الاعتراض على المشايخ والنظر في أحوالهم وأفعالهم والبحث عنها فإن ذلك علامة حرمانه وسوء عاقبته، وأنه لا يَنْتُج قط، ومن ثَمَّ قالوا: [ من قال لشيخه لِم؟ لَمْ يفلح أبداً ] [المقصود بهذا الأدب هو مريد التربية والكمال والوصول إلى الله تعالى، أما التلميذ الذي يأخذ علمه عن العلماء فينبغي له مناقشتهم وسؤالهم حتى تتحقق له الفائدة العلمية] أي لشيخه في السلوك والتربية)[الفتاوى الحديثية" ص55. للمحدث ابن حجر الهيثمي المكي المتوفى سنة 974هـ].

وإذا أورد الشيطان على قلب المريد إشكالاً شرعياً حول تصرفٍ من تصرفات شيخه بغية قطع الصلة ونزع الثقة فما على المريد إلا أن يُحسِنَ الظن بشيخه ويلتمسَ له تأويلاً شرعياً ومخرجاً فقهياً، فإن لم يستطع ذلك فعليه أن يسأل شيخه مستفسراً بأدب واحترام، كما سيأتي في بحث مذاكرة المريد لمرشده.

قال العلامة ابن حجر الهيثمي: (ومن فتح باب التأويل للمشايخ، وغض عن أحوالهم، ووكل أمورهم إلى الله تعالى، واعتنى بحال نفسه وجاهدها بحسَب طاقته، فإنه يُرجى له الوصول إلى مقاصده، والظفر بمراده في أسرع زمن) ["الفتاوى الحديثية" ص55].

3 - أن لا يعتقد في شيخه العصمة، فإن الشيخ وإن كان على أكمل الحالات فليس بمعصوم، إذ قد تصدر منه الهفوات والزلات، ولكنه لا يصر عليها ولا تتعلق همته أبداً بغير الله تعالى، لأنه إذا اعتقد المريد في شيخه العصمة، ثم رأى منه ما يخالف ذلك، وقع في الاعتراض والاضطراب مما يسبب له القطيعة والحرمان.

ولكن لا ينبغي للمريد حين يعتقد في شيخه عدم العصمة أن يضع بين عينيه دائماً احتمال خطأ شيخه في كل أمر من أوامره أو توجيه من توجيهاته، لأنه بذلك يمنع عن نفسه الاستفادة، كمثل المريض الذي يدخل إلى طبيبه وليس في قلبه إلا فكرة احتمال خطأ الطبيب في معالجته فهذا من شأنه أن يُضعف الثقة ويُحدثَ الشكَّ والاضطراب في نفسه.

4 - أن يعتقد كمال شيخه وتمام أهليته للتربية والإرشاد، وإنما كَوَّن هذا الاعتقاد بعد أن فتش ودقَّقَ بادىء أمره ؛ فوجد شروط الوارث المحمدي التي سبق ذكرها قد تحققت في شيخه، ووجد أن الذين يصحبونه يتقدمون في إيمانهم وعباداتهم وعلمهم وأخلاقهم ومعارفهم الإلهية [لا ينبغي للمرء أن يكون عاطفياً تغره المظاهر ؛ فيقع في صحبة أدعياء التصوف دون أن يكون له ميزان شرعي صحيح وتفكير عقلي سليم، إذ ليس كل من ادعى التصوف صار صوفياً ومربياً ؛ ولو تزيا بزي المرشدين. كما أنه ليس كل من لبس ثوب الأطباء في المستشفى صار طبيباً لأن هذه الثياب يلبسها الممرضون والآذنون وغيرهم].

5 - اتصافه بالصدق والإخلاص في صحبته لشيخه، فيكون جاداً في طلبه، منزهاً عن الأغراض والمصالح.

6 - تعظيمه وحفظ حرمته حاضراً وغائباً. قال إبراهيم بن شيبان القرميسيني: (من ترك حرمة المشايخ ابتلي بالدعاوي الكاذبة وافتضح بها) ["طبقات الصوفية" ص405].

وقال محمد بن حامد الترمذي رضي الله عنه: (إذا أوصلك الله إلى مقام ومنعك حرمة أهله والالتذاذ بما أوصلك إليه، فاعلم أنك مغرور مستدرَج).

وقال أيضاً:

(من لم تُرضِهِ أوامر المشايخ وتأديبُهم فإنه لا يتأدب بكتاب ولا سنة) ["طبقات الصوفية" ص283].

وقال أبو العباس المرسي:

(تَتَبَّعْنا أحوال القوم فما رأينا أحداً أنكر عليهم ومات بخير)["مدارج السلوك إلى ملك الملوك" ص12. للشيخ أبو بكر بن محمد بناني الشاذلي المتوفى سنة 1284هـ].

وقال الشيخ عبد القادر الجيلاني:

(من وقع في عِرض وليٌّ ابتلاه الله بموت القلب) ["مدارج السلوك إلى ملك الملوك" ص12. للشيخ أبو بكر بن محمد بناني الشاذلي المتوفى سنة 1284هـ].

7 - أن يحب شيخه محبة فائقة شريطة أن لا ينقص من قدر بقية الشيوخ، وأن لا يصل غلوه في المحبة إلى حدٌّ فاسد ؛ بأن يُخرج شيخه عن طور البشرية، وإنما تقوى محبة المريد لشيخه بموافقته له أمراً ونهياً، ومعرفتِهِ لله تعالى في سيره وسلوكه، فالمريد كلما كبرت شخصيته بالموافقة ازدادت معرفته، وكلما ازدادت معرفته ازدادت محبته.

8 - عدم تطلعه إلى غير شيخه لئلا يتشتت قلبه بين شيخين، ومثال المريد في ذلك كمثل المريض الذي يطبب جسمه عند طبيبين في وقت واحد فيقع في الحيرة والتردد [ينبغي الملاحظة أن المقصود بالشيخ هنا هو شيخ التربية لا شيخ التعليم ؛ إذ يمكن لطالب العلم أن يكون له عدة أساتذة، ويمكن للمريد أن يكون له أساتذة في العلم لأن ارتباطه بهم ارتباط علمي، بينما صلة المريد بشيخ التربية صلة قلبية وتربوية].



وأما الآداب الظاهرة فهي:



1 - أن يوافق شيخه أمراً ونهياً، كموافقة المريض لطبيبه.

2 - أن يلتزم السكينة والوقار في مجلسه، فلا يتكىء على شيء يعتمده، ولا يتثاءب ولا ينام، ولا يضحك بلا سبب، ولا يرفع صوته عليه، ولا يتكلم حتى يستأذنه لأن ذلك من عدم المبالاة بالشيخ وعدم الاحترام له. ومن صحب المشايخ بغير أدب واحترام حرم مددهم وثمرات ألحاظهم وبركاتهم.

3 - المبادرة إلى خدمته بقدر الإمكان، فمن خَدَم خُدِم.

4 - دوام حضور مجالسه، فإن كان في بلد بعيد فعليه أن يكرر زيارته بقدر المستطاع، ولذلك قيل: (زيارة المربي ترقي وتربي).

وإن السادة الصوفية بنوا سيرهم على ثلاثة أصول "الاجتماع والاستماع والاتباع" وبذلك يحصل الانتفاع.

5 - الصبر على مواقفه التربوية كجفوته وإعراضه... الخ، التي يقصد بها تخليص المريد من رعوناته النفسية وأمراضه القلبية.

قال ابن حجر الهيثمي: (كثير من النفوس التي يراد لها عدم التوفيق إذا رأت من أستاذ شدة في التربية تنفر عنه، وترميه بالقبائح والنقائص مما هو عنه بريء. فليحذر الموفق من ذلك، لأن النفس لا تريد إلا هلاك صاحبها، فلا يطعها في الإعراض عن شيخه) ["الفتاوى الحديثية" ص55].

6 - أن لا ينقل من كلام الشيخ إلى الناس إلا بقدر أفهامهم وعقولهم لئلا يسيء إلى نفسه وشيخه، وقد قال سيدنا علي رضي الله عنه: (حدثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يُكذَّبَ الله ورسولُهُ؟) [أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب العلم].

وهذه الآداب كلها إنما تُطلب من المريد الحقيقي الذي يريد الوصول للحضرة الإلهية، وأما المريد المجازي فهو الذي ليس قصده من الدخول مع الصوفية إلا التزيي بزيهم، والانتظام في سلك عقدهم، وهذا لا يُلزَم بشروط الصحبة ولا بآدابها. ومثل هذا له أن ينتقل إلى طريق أخرى ولا حرج عليه، كما أن طريق التبرك لا حرج في الانتقال منها إلى غيرها كما هو معروف عند المربين المرشدين.



2 - آداب المريد مع إخوانه:



1 - حفظ حرمتهم غائبين أو حاضرين، فلا يغتاب أحداً منهم، ولا ينقص أحداً، لأن لحومهم مسمومة كلحوم العلماء والصالحين.

2 - نصيحتهم بتعليم جاهلهم وإرشاد ضالهم، وتقوية ضعيفهم.

وللنصيحة شروط ينبغي التزامها، وهي ثلاثة للناصح، وثلاثة للمنصوح.

فشروط الناصح:

1 - أن تكون النصيحة سراً.

2 - أن تكون بلطف.

3 - أن تكون بلا استعلاء.

وشروط المنصوح:

1 - أن يقبل النصيحة.

2 - أن يشكر الناصح.

3 - أن يطبق النصيحة.

3 - التواضع لهم والإنصاف معهم وخدمتهم بقدر الإمكان إذ "سيد القوم خادمهم" [أخرجه ابن ماجه والترمذي عن أبي قتادة رضي الله عنه، كما في "فيض القدير" "شرح الجامع الصغير" للمناوي ج4/ص122].

4 - حسن الظن بهم وعدم الانشغال بعيوبهم ووَكْلُ أمورهم إلى الله تعالى:



ولا تر العيب إلا فيك معتقداً عيباً بدا بيِّناً لكنه استترا



5 - قبول عذرهم إذا اعتذروا.

6 - إصلاح ذات بينهم إذا اختلفوا واختصموا.

7 - الدفاع عنهم إذا أُوذوا أو انتُهكِتْ حرماتهم.

8 - أن لا يطلب الرئاسة والتقدم عليهم لأن طالب الولاية لا يُوَلَّى.



فهذه جملة من الآداب التي يجب على السالك مراعاتها والمحافظة عليها فإن الطريق كلها آداب، حتى قال بعضهم: (اجعل عملك ملحاً وأدبك دقيقاً).

وقال أبو حفص النيسابوري رضي الله عنه: (التصوف كله آداب، لكل وقت آداب، ولكل حال آداب، ولكل مقام آداب، فمن لزم الأدب بلغ مبلغ الرجال، ومن حُرم الأدب فهو بعيد من حيث يظن القرب، مردود من حيث يظن القبول) ["طبقات الصوفية" للسلمي ص119].

وبالجملة فأدب المريد لا نهاية له مع شيخه ولا مع إخوانه ولا مع عامة الوجود، وقد أفرده المربون بالتآليف، وألف فيه ابن عربي الحاتمي، والشعراني، وأحمد زروق، وابن عجيبة، والسهروردي، وغيرهم.
__________________
إذا أنتَ أكثرتَ الصلاةَ على الذي
صلى عليه الله ُ في الايات ِ
وجـعلـتـَـها ِوردا ً عليكَ مُـحـتما ً
لاحتْ عليكَ دلائلُ الخيرات
عبدالقادر حمود غير متواجد حالياً  
رد مع اقتباس
قديم 11-18-2019
  #17
عبدالقادر حمود
أبو نفيسه
 الصورة الرمزية عبدالقادر حمود
 
تاريخ التسجيل: Aug 2008
الدولة: سوريا
المشاركات: 12,150
معدل تقييم المستوى: 10
عبدالقادر حمود is on a distinguished road
افتراضي رد: حمل كتاب حقائق عن التصوف بصيغة PDF وورد وهتمل

العلم




لم نتطرق لبحث العلم في الطبعة الأولى لأن كتابنا يعالج بشكل خاص توضيح معالم التصوف وبيانَ حقائقه ورد الشبهات عنه، ولذلك لم نبحث في موضوعات العقائد والعبادات والمعاملات.. ومن ناحية أخرى فإن المسلم حين يعمل على تزكية نفسه وتطهير قلبه وتصحيح ظاهره وباطنه لا بد قبل ذلك أن يكون قد صحح إيمانه، وقام بجميع عباداته المفروضة واستقام في معاملاته، ولا يتحقق ذلك إلا بالعلم الصحيح. وهذا أمر بدهي واضح لأن فضل العلم أمر ظاهر، واشتراطه في تصحيح الأعمال أمر متفق عليه. وإننا نثبت بحث العلم في هذه الطبعة تأكيداً لبيان منزلته وشرفه ورداً على كثير من المتسرعين الذين يتوهمون أن رجال التصوف يقللون من شأن العلم ولا يعطونه ما يستحق من الاهتمام والعناية أساس الأعمال وإمامها ومصححها، فكما أنه لا فائدة للعلم بلا عمل، كذلك لا ينفع عمل بلا علم...



وعالمٍ بعلمه لم يعملنْ *** معذب من قبل عُبَّاد الوثن

إذ كل من بغير علم يعمل *** أعماله مردودة لا تُقبل



فالعلم والعمل توأمان لا ينفكان عن بعضهما، والسالك في طريق الإيمان والتعرف على الله تعالى والوصول إلى رضاه لا يستغني عن العلم في أية مرحلة من مراحل سلوكه.

ففي ابتداء سيره لا بد له من علم العقائد وتصحيح العبادات واستقامة المعاملات، وفي أثناء سلوكه لا يستغني عن علم أحوال القلب وحسن الأخلاق وتزكية النفس...

ولهذا اعتُبِرَ اكتساب العلم الضروري من أهم النقاط الأساسية في المنهج العملي للتصوف، إذ ليس التصوف إلا التطبيق العملي للإسلام كاملاً غير منقوص في جميع جوانبه الظاهرة والباطنة.

ولأهمية العلم وفضله نذكر نبذة من الآيات القرآنية الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة التي تشير إلى علو منزلته وعظم شأنه.

فضل العلم في القرآن الكريم:



قال الله تعالى: {إنَّما يخشى اللـهَ مِنْ عِبادِهِ العلماءُ} [فاطر: 28].

و قال أيضاً: {هل يستوي الذين يعلمونَ والذين لا يعلمونَ} [الزمر: 9].

وقال تعالى: {يَرفعِ اللهُ الذين آمنوا مِنكم والذينَ أوتوا العلمَ درجاتٍ} [المجادلة: 11].



فضل العلم في السنة الشريفة:



عن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "مَنْ سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له طريقاً إلى الجنة، وإن الملائكة لَتَضَعُ أجنحتها لطالب العلم رضاً بما يصنع، وإن العالم ليستغفر لَهُ مَنْ في السموات ومن في الأرض حتى الحيتان في الماء، وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب، وإن العلماءَ ورثةُ الأنبياء، وإن الأنبياء لم يُوَرِّثُوا ديناراً ولا درهماً، وإنما وَرَّثُوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر" [رواه الترمذي وأبو داود وابن ماجه في كتاب العلم].

وعن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا أبا ذر لأَنْ تغدو فتَعَلَّمَ آية من كتاب الله خير لك من أن تصلي مائة ركعة، ولأن تغدو فتَعَلَّمَ بابا من العلم عُمِلَ به أو لم يُعْمَلْ به خير لك من أن تصلي ألف ركعة" [رواه ابن ماجه بإسناد حسن في أبواب السنة وله شاهدان أخرجهما الترمذي].

وعن عثمان رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يشفع يوم القيامة ثلاثة: الأنبياء ثم العلماء ثم الشهداء" [رواه ابن ماجه في كتاب الزهد].

وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا أراد الله بعبد خيراً فقهه في الدين وألهمه رشده" [رواه البزار والطبراني في "الكبير" ورجاله موثوقون].

وعن أبي بكرة رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "أُغْدُ عالماً أو متعلماً أو مستمعاً أو محباً ولا تكن الخامسة فتهلك"، قال عطاء: قال لي ابن مسعود: زدتنا خامسة لم تكن عندنا، والخامسة: أن تبغض العلم وأهله [رواه الطبراني في الثلاثة والبزار ورجاله موثوقون، كذا في "مجمع الزوائد" ج1/ص122].





حكم تعلم العلم:



ينقسم العلم من حيث حكمه الشرعي إلى ثلاثة أقسام:

1 - مأمور به. 2 - منهي عنه. 3 - مندوب إليه.





أ - العلوم المأمور بها، وهي صنفان:





الصنف الأول:



فرض عين، وهو ما لا يسقط عن المكلف إلا بقيامه به بنفسه.

لا بد قبل تعداد العلوم المفروضة على المكلف فرض عين من أن نثبت بعض القواعد الأساسية في هذا الموضوع منها قاعدة: (ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب)

ومنها قاعدة: (العلم تابع للمعلوم). فالعلم الذي يُتوصل به إلى إقامة الفرض يكون فرضاً والعلم الذي يتوصل به إلى إقامة الواجب يكون واجباً، والعلم الذي يُتوصل به إلى إقامة السنة يكون سنة.

وبناء على هذه القواعد نعدد بعض العلوم المفروضة فرض عين على كل مكلف:

1 - تعلم عقيدة أهل السنة والجماعة مع الاستدلال الإجمالي على كل مسألة من مسائل الإيمانيات، للخروج من ربقة التقليد، وللحفاظ على إيمانه أمام تشكيك الملحدين ومغالطات الضالين.

2 - تعلم ما يستطيع به المكلف أداء المفروض عليه من العبادات كالصلاة والزكاة والحج والصوم...

3 - مَنْ تعاطى شيئاً من المعاملات كالبيوع والإجارة والنكاح والطلاق... يفترض عليه تعلم ما يتمكن معه من تجنب الحرام والتزام حدود الشرع.

4 - تعلم أحوال القلب من التوكل والخشية والرضا لأن المسلم واقع طيلة عمره في جميع الأحوال القلبية.

5 - تعلم جميع الأخلاق الحسنة والسيئة كي يطبق الحسنة كالتوكل على الله والرضا عنه والتسليم له والتواضع والحلم... إلخ، ويجتنب السيئة كالكبر والغرور والبخل والحسد والحقد والرياء... إلخ [انظر بحث أهمية التصوف ص28] ومن ثَمَّ يجاهد نفسه على تركها، إذ إن المجاهدة فرض على كل مكلف ولا يمكن حصولها إلا بمعرفة الأخلاق المذمومة والممدوحة، ومعرفة طرق المجاهدات التي اشتغل بها السادة الصوفية، ولهذا قال أبو الحسن الشاذلي: (من مات ولم يتغلغل في علمنا هذا مات مصراً على الكبائر وهو لا يشعر) مع العلم أن الكبائر والفواحش منها ظاهرة كالزنا وشرب الخمر، ومنها باطنة قلبية كالكبر والنفاق... ولهذا نهانا الله عنهما جميعاً بقوله: {ولا تقربوا الفواحِشَ ما ظَهَرَ منها وما بَطَنَ} [الأنعام: 151] ويتوب مرتكب الفواحش الظاهرة لاطلاعه على ضررها، وأما الفواحش الباطنة فقد يعيش دهراً طويلاً ولا يفكر بالتوبة منها لجهله بحكمها أو لعدم شعوره بها.









الصنف الثاني:

فرض كفاية، وهو ما إذا قام به البعض سقط التكليف عن الباقين، وإذا لم يقم به أحد فالكل آثمون.

والعلوم المفروضة كفائياً هي ما يتوقف عليها صلاح الأمة، كالتعمق في علم الفقه زيادة على مقدار الحاجة [ولذلك لا بد في كل بلد من مُفْتٍ يكون مرجعاً للناس في أمور دينهم يقوم بهذا الفرض الكفائي ويسقط الإثم عن الناس]، وكذلك علم التفسير والحديث، وأصول الفقه، وأصول الاعتقاد. وكذلك علم الحساب والطب والصناعة وعلم السلاح لإعداد العدة.. إلخ.



ب - العلوم المنهي عنها:



1 - فمنها الخوض في دراسة المذاهب الضالة والأفكار المشككة والعقائد الزائغة لا بنية الرد عليها ودفع خطرها. أما تعلمها لبيان زيغها ورد شبهاتها تصحيحاً للعقائد وذوداً عن الدين فهو فرض كفاية.

2 - علم التنجيم لمعرفة مكان المسروق ومواضع الكنوز ومكان الضالة ونحو ذلك مما يزعمونه، وهو من الكهانة، وقد كذبهم الشرع وحرم تصديقهم. أما تعلم علم النجوم للدراسات العلمية ولمعرفة مواقيت الصلاة والقِبلة فلا بأس به.

3 - علم السحر، إذا تعلمه للاحتراز عنه فيجوز ذلك كما قيل:



عرفت الشر لا للشر لكن لتوقيه *** ومن لم يعرف الشر فإنه يقع فيه



جـ - العلوم المندوب إليها:



ومنها معرفة فضائل الأعمال البدنية والقلبية، ومعرفة النوافل والسنن والمكروهات، ومعرفة فروض الكفاية، والتعمق في علوم الفقه وفروعها والعقائد وأدلتها التفصيلية... إلخ [انظر تفصيل هذا الموضوع في كتاب "الطريقة المحمدية" للإمام البركوي، وكتاب "إحياء علوم الدين" لحجة الإسلام الإمام الغزالي وغيرهما].







خاتمة:

تبين مما سبق حكم العلم وأهميته في دين الله تعالى، وأن موقف السادة الصوفية من العلم أمر واضح لا يحتاج إلى تدليل، فهم أهل العلوم والمعارف وأرباب القلوب المشرقة والأرواح المنطلقة، وأهل التحقق بالإيمان والإسلام والإحسان. فبعد أن حصلوا العلوم العينية عمدوا إلى تطبيق العلم على العمل، وقاموا بإصلاح القلب وتزكية النفس وصدق التوجه إلى الله تعالى، ولهذا أكرمهم الله تعالى بالرضا والرضوان والمعرفة والغفران.

__________________
إذا أنتَ أكثرتَ الصلاةَ على الذي
صلى عليه الله ُ في الايات ِ
وجـعلـتـَـها ِوردا ً عليكَ مُـحـتما ً
لاحتْ عليكَ دلائلُ الخيرات
عبدالقادر حمود غير متواجد حالياً  
رد مع اقتباس
قديم 11-18-2019
  #18
عبدالقادر حمود
أبو نفيسه
 الصورة الرمزية عبدالقادر حمود
 
تاريخ التسجيل: Aug 2008
الدولة: سوريا
المشاركات: 12,150
معدل تقييم المستوى: 10
عبدالقادر حمود is on a distinguished road
افتراضي رد: حمل كتاب حقائق عن التصوف بصيغة PDF وورد وهتمل

مجاهدة النفس وتزكيتها





تمهيد:

سبق أن بينا في بحث أهمية التصوف أن للنفس صفات خبيثة وأخلاقاً مذمومة، وأن إزالتها فرض عين - كما نص على ذلك عامة الفقهاء - ولكن صفات النفس الناقصة لا تزول بالأماني ولا بمجرد الإطلاع على حكم تزكيتها أو قراءة كتب الأخلاق والتصوف، بل لا بد لها بالإضافة إلى ذلك من مجاهدة وتزكية عملية، وفطم لنزواتها الجامحة وشهواتها العارمة.



والنفس كالطفل إن تهمله شب على *** حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم







تعريف المجاهدة:



قال الراغب الأصفهاني في "مفردات غريب القرآن":

(الجهاد والمجاهدة: استفراغ الوسع في مدافعة العدو، والجهاد ثلاثة أضرب: مجاهدة العدو الظاهر، ومجاهدة الشيطان، ومجاهدة النفس، وتدخل ثلاثتها في قوله تعالى: {وجاهدوا في الله حقَّ جِهادِهِ} [الحج: 78] وقوله: {وجاهدوا بأموالِكُم وأنفُسِكم في سبيل الله} [التوبة: 41] وقال صلى الله عليه وسلم: "جاهدوا أهواءكم كما تجاهدون أعداءكم") ["المفردات في غريب القرآن" مادة جهد ص101]. فمجاهدة النفس فطمها وحملها على خلاف هواها المذموم، وإلزامها تطبيق شرع الله تعالى أمراً ونهياً.



دليلها من الكتاب والسنة:



قال الله تعالى: {والذينَ جاهَدوا فينا لنَهديَنَّهم سُبُلَنا} [العنكبوت: 69] [وهي آية مكية، ومن المعلوم أن جهاد الكافرين قد شرع في المدينة المنورة، وهذا يدل على أن المراد من الجهاد هنا جهاد النفس. وقال العلامة المفسر ابن جزي في تفسير هذه الآية: (يعني جهاد النفس). وقال العلامة المفسر القرطبي في تفسيره لهذه الآية: (قال السدي وغيره: إن هذه الآية نزلت قبل فرض القتال)].

وعن فضالة بن عبيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "المجاهدُ مَنْ جاهد نفسَهُ في الله" [أخرجه الترمذي في كتاب فضائل الجهاد وقال: حديث حسن صحيح، وزاد البيهقي في "شعب الإيمان" برواية فضالة: "والمجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله، والمهاجر من هجر الخطايا والذنوب". "مشكاة المصابيح للتبريزي" كتاب الإيمان رقم 34]. وفي رواية: لله.



حكمها:

تزكية النفس فرض عين كما سبق أن بينا ذلك [انظر بحث أهمية التصوف ص28] ولا تتم إلا بالمجاهدة ومن هنا كانت المجاهدة فرض عين من باب: (ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب).

قال الشيخ عبد الغني النابلسي رحمه الله: (المجاهدة في النفس عبادة ولا تحصل لأحد إلا بالعلم، وهي فرض عين على كل مكلف) ["شرح الطريقة المحمدية" للنابلسي ج1/ص323].



قابلية صفات النفس للتغيير:



لا شك أن النفس الإنسانية قابلة لتغيير صفاتها الناقصة وتبديل عاداتها المذمومة، وإلا لم يكن هناك فائدة من بعثة الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام ؛ ولا ضرورة لمن بعده من ورثته العلماء العاملين والمرشدين المصلحين.

وإذا كان كثير من سباع الطيور والبهائم قد أمكن ترويضها وتبديل كثير من صفاتها، فالإنسان الذي كرمه الله تعالى وخلقه في أحسن تقويم، من باب أولى.

وليس المراد من مجاهدة النفس استئصال صفاتها ؛ بل المراد تصعيدها من سيء إلى حسن، وتسييرها على مراد الله تعالى وابتغاء مرضاته.

فصفة الغضب مذمومة حين يغضب المرء لنفسه، أما إذا غضب لله تعالى فعندها يصبح الغضب ممدوحاً كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغضب إذا انتُهكت حرمات الله أو عُطِّل حد من حدوده، ولكنه حين أُوذي في الله وضُرب وأُدمي عقبه يوم الطائف لم يغضب لنفسه ؛ بل دعا لمن آذَوْه بالهداية والتمس لهم العذر فقال: "اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون" [رواه البخاري في صحيحه في كتاب أحاديث الأنبياء].

وكذلك صفة الكبر فهي مذمومة حين يتكبر المسلم على إخوته المسلمين، أما حين يتكبر على المتكبرين الكافرين فتصبح هذه الصفة محمودة لأنها في سبيل الله وضمن حدود شرعه.

وهكذا معظم الصفات المذمومة تحوَّل بالمجاهدة وتُصَعَّد إلى صفات ممدوحة.



طريقة المجاهدة:



وأول مرحلة في المجاهدة عدم رضى المرء عن نفسه، وإيمانُه بوصفها الذي أخبر عنه خالقها ومبدعها: {إنَّ النفس لأمَّارةٌ بالسوء}

[يوسف: 53].

وعلمه أن النفس أكبر قاطع عن الله تعالى [والقواطع عن الله تعالى أربعة: النفس، والدنيا، والشيطان، والخلق. أما عداوة النفس والشيطان فظاهرة، وأما الخلق فملاحظة مدحهم وذمهم تعرقل سير السالك إلى ربه، وأما الدنيا فالاهتمام بها وانشغال القلب بتقلباتها قاطع كبير عن الله تعالى، ففي حالة الفقر تكثر هموم المرء فتشغله عن الله، وفي حال الغنى ينشغل بزينتها وزخرفها عن الله تعالى: {إنَّ الإنسانَ ليطغَى . أنْ رآهُ استغنَى} [العلق: 6 -7]. أما إذا أخرج حبها من قلبه فإنها لا تضره، كما قال شيخ الصوفية سيدي عبد القادر الجيلاني رحمه الله: (أخرج الدنيا من قلبك، وضعها في جيبك أو في يدك فإنها لا تضرك) وراجع بحث الزهد في هذا الكتاب]. كما أنها أعظم موصل إليه وذلك أن النفس حينما تكون أمَّارة بالسوء لا تتلذذ إلا بالمعاصي والمخالفات، ولكنها بعد مجاهدتها وتزكيتها تصبح راضية مرضية لا تُسَرُّ إلا بالطاعات والموافقات والاستئناس بالله تعالى.

وإذا اكتشف المسلم عيوب نفسه وصدق في طلب تهذيبها لم يعد عنده متسع من الوقت للانشغال بعيوب الناس وإضاعة العمر في تعداد أخطائهم، وإذا رأيت أحداً من الناس قد صرف وقته في إحصاء أخطاء الآخرين غافلاً عن عيوب نفسه فاعلم أنه أحمق جاهل. قال أبو مدين:

ولا تر العيب إلا فيك معتقداً عيباً بدا بَيِّناً لكنه استترا

وقال بعضهم:

لا تلم المرء على فعله وأنت منسوب إلى مثله

من ذم شيئاً أتى مثلَه فإنما دل على جهله



ولذا قالوا: (لا ترَ عَيْبَ غيرك ما دام فيك عيب، والعبد لا يخلو من عيب أبداً).

فإذا عرف المسلم ذلك أقبل على نفسه يفطمها عن شهواتها المنحرفة وعاداتها الناقصة، ويلزمها بتطبيق الطاعات والقربات.

ويتدرج في المجاهدة على حسب سيره، فهو في بادىء الأمر يتخلى عن المعاصي التي تتعلق بجوارحه السبعة، وهي:

اللسان والأذنان والعينان واليدان والرجلان والبطن والفرج. لكل جارحة من الجوارح السبعة معاصٍ تتعلق بها، فمن معاصي اللسان: الغيبةُ والنميمة والكذب والفحش. ومن معاصي الأذنين: سماعُ الغيبة والنميمة والأغاني الفاحشة وآلات اللهو. ومن معاصي العينين: النظرُ للنساء الأجنبيات وعورات الرجال. ومن معاصي اليدين: إيذاءُ المسلمين وقتلهم، وأخذ أموالهم بالباطل، ومصافحة النساء الأجنبيات. ومن معاصي الرجلين: المشيُ إلى محلات المنكرات والفجور. ومن معاصي البطن: أكل المال الحرام، وأكل لحم الخنزير، وشرب الخمور. ومن معاصي الفرج: الزنا واللواطة...، ثم يحلي هذه الجوارح السبعة بالطاعات المناسبة لكل منها. فمن طاعات اللسان: قراءة القرآن الكريم، وذكر الله تعالى، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ومن طاعات الأذنين: سماع القرآن الكريم والأحاديث نبوية والنصائح والمواعظ. ومن طاعات العينين: النظر إلى وجوه العلماء والصالحين، والنظر إلى الكعبة المشرفة، والنظر التأملي لآيات الله في الكون. ومن طاعات اليدين: مصافحة المؤمنين، وإعطاء الصدقات. ومن طاعات الرجلين: المشي إلى المساجد وإلى مجالس العلم، وعيادة المريض، والإصلاح بين الناس. ومن طاعات البطن: تناول الطعام الحلال بنية التقوِّي على طاعة الله تعالى. ومن طاعات الفرج: النكاح المشروع بغية الإحصان وتكثير النسل.. فهذه الجوارح السبعة منافذ على القلب إما أن تصب عليه ظلمات المعاصي فتكدره وتمرضه، وإما أن تُدخل عليه أنوار الطاعات فتشفيه وتنوره.

ثم ينتقل في المجاهدة إلى الصفات الباطنة فيبدل صفاته الناقصة كالكبر والرياء والغضب... بصفات كاملة كالتواضع والإخلاص والحِلم.

وبما أن طريق المجاهدة وعر المسالك متشعب الجوانب، يصعب على السالك أن يَلِجَهُ منفرداً كان من المفيد عملياً صحبة مرشد خبير بعيوبها، عالم بطرق معالجتها ومجاهدتها، يستمد المريد من صحبته خبرة عملية بأساليب تزكية نفسه، كما يكتسب من روحانيته نفحات قدسية تدفع المريد إلى تكميل نفسه وشخصيته، وترفعه فوق مستوى النقائص والمنكرات. فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم المرشد الأول والمزكي الأعظم الذي ربَّى أصحابه الكرام وزكَّى نفوسهم بقاله وحاله، كما وصفه الله تعالى بقوله: {هو الذي بعث في الأميين رسولاً مِنْهُم يتلو عليهم آياتِه ويُزكِّيهم ويُعلِّمُهم الكِتاب والحِكمَةَ وإن كانوا من قَبْلُ لَفي ضلالٍ مُبينٍ} [الجمعة: 2]. من هنا نجد أن التزكية شيء وتعليم الكتاب والحكمة شيء آخر، لذا قال الله تعالى: {ويزكيِّهمْ ويعلِّمهمُ الكتابَ والحكمةَ} ففرقٌ كبير بين علم التزكية وحالة التزكية، كما يلاحظ الفرق الواضح بين علم الصحة وحالة الصحة، إذ قد يكون الطبيب الماهر الذي عنده علم الصحة فاقداً حالة الصحة ومصاباً بالأمراض والعلل الكثيرة. وكذلك الفرق ظاهر بين علم الزهد وحالة الزهد، كالمسلم الذي عنده علم واسع بالآيات والأحاديث والشواهد المتعلقة بالزهد ولكنه يفقد حالة الزهد ويتصف بالطمع والشره والتكالب على الدنيا الفانية.

والذي يحقق النفع للمريد هو استقامته على صحبة مرشده واستسلامه له كاستسلام المريض للطبيب، فإذا ما أدخل الشيطان على قلب المريد داء الغرور والاكتفاء الذاتي فأُعجب بنفسه واستغنى عن ملازمة شيخه باء بالفشل ووقف وهو يظن أنه سائر، وقُطِعَ وهو يظن أنه موصول.

قال الشيخ إسماعيل حقي رحمه الله في تفسيره: (فإن كثيراً من متوسطي هذه الطائفة "الصوفية" تعتريهم الآفات في أثناء السلوك عند سآمة النفس من المجاهدات وملالتها من كثرة الرياضات، فيوسوس لهم الشيطان، وتسول لهم أنفسهم أنهم قد بلغوا في السلوك رتبة قد استغنوا بها عن صحبة الشيخ وتسليم تصرفاته، فيخرجون من عنده، ويشرعون في الطلب على وفق أنفسهم، فيقعون في ورطة الخذلان وسخرة الشيطان) ["تفسير روح البيان" للشيخ إسماعيل حقي ج2/ص149].

أقوال العارفين والمربين المرشدين في المجاهدة:





قال أبو عثمان المغربي رحمه الله: (من ظن أنه يُفتح له بهده الطريقة أو يكشف له عن شيء منها لا بلزوم المجاهدة فهو في غلط) ["الرسالة القشيرية" ص48 - 50].





وقال الإمام الجنيد رحمه الله تعالى: (سمعت السري السقطي يقول: يا معشر الشباب جِدُّوا قبل أن تبلغوا مبلغي فتضعفوا وتُقصِّروا كما ضعفتُ وقَصَّرْتُ. وكان في ذلك الوقت لا يلحقه الشباب في العبادة) ["الرسالة القشيرية" ص48 - 50].





وقال أبو عثمان المغربي رحمه الله: (لا يرى أحد عيب نفسه وهو مستحسن من نفسه شيئاً، وإنما يرى عيوب نفسه من يتهمها في جميع الأحوال) ["الرسالة القشيرية" ص48 - 50].





وقال أبو علي الدقاق رحمه الله تعالى: (من زين ظاهره بالمجاهدة حسَّنَ الله سرائره بالمشاهدة، قال الله تعالى: {والذين جاهدوا فينا لَنَهدِيَنَّهُم سُبُلَنا} [العنكبوت: 69]. واعلم أنه من لم يكن في بدايته صاحب مجاهدة لم يجد من هذه الطريقة شمة) ["الرسالة القشيرية" ص48 -50].





وقال الإمام البركوي رحمه الله تعالى: (ما أسرع هلاك من لا يعرف عيبَه، فإن المعاصي بريد الكفر) ["الرسالة القشيرية" ص48 -50].

وقال شيخ الإسلام زكريا الأنصاري رحمه الله تعالى: (إنَّ نجاة النفس أنْ يخالف العبدُ هواها، ويحملَها على ما طلب منها ربُّها) ["تعليقات على الرسالة القشيرية" للشيخ زكريا الأنصاري].

وقال الإمام البركوي رحمه الله تعالى: (المجاهدة: وهي فطم النفس وحملها على خلاف هواها في عموم الأوقات، فهي بضاعة العُبَّاد ورأس مال الزهاد، ومدار صلاح النفوس وتذليلها، وملاك تقوية الأرواح وتصفيتها ووصولها إلى حضرة ذي الجلال والإكرام. فعليك أيها السالك بالتشمير في منع النفس عن الهوى وحملها على المجاهدة إن شئـت من الله الهدى، قـال الله تعالى: {والذين جاهدوا فينا لَنَهدِيَنَّهُم سُبُلَنا} [العنكبوت: 69]. وقال أيضاً:

{ومَنْ جاهَدَ فإنَّما يُجاهد لنفسِهِ} [العنكبوت: 6])["الحديقة الندية شرح الطريقة المحمدية" ج1/ص455].





وقال ابن عجيبة رحمه الله تعالى: (لا بد للمريد في أول دخوله الطريق من مجاهدة ومكابدة وصدق وتصديق، وهي مُظهِر ومجلاة للنهايات، فمن أشرقت بدايته أشرقت نهايته، فمن رأيناه جادَّاً في طلب الحق باذلاً نفسه وفلسه وروحه وعزه وجاهه ابتغاء الوصول إلى التحقق بالعبودية والقيام بوظائف الربوبية ؛ علمنا إشراق نهايته بالوصول إلى محبوبه، وإذا رأيناه مقصِّراً علمنا قصوره عما هنالك) ["إيقاظ الهمم في شرح الحكم" ج2/ص370].





قال محي الدين بن عربي رحمه الله (من كتاب "الفتوحات المكية" الرياضات والخلوات والمجاهدات وأثرها):

"ولما رأت عقول أهل الإيمان بالله تعالى أن الله تعالى قد طلب منها أن تعرفه بعد أن عرفتْه بأدلتها النظرية، علمت أن ثَمَّ علماً آخر بالله لا تصل إليه من طريق الفكر، فاستعملت الرياضات والخلوات والمجاهدات وقطع العلائق، والانفراد والجلوس مع الله بتفريغ المحل، وتقديس القلب عن شوائب الأفكار ؛ إذ كان متعلَّق الأفكار الأكوان، واتخذت هذه الطريقة من الأنبياء والرسل، وسمعت أن الحق جل جلاله [حديث "ينزل الله إلى السماء الدنيا... الخ". رواه الدارمي في باب الصلاة] ينزل إلى عباده ويستعطفهم فعلمت أن الطريق إليه من جهته أقرب إليه من الطريق من فكرها.

ولا بد لأهل الإيمان وقد عرفوا قوله تعالى [حديث "إذا تقرب إلي العبد شبراً تقربت إليه ذراعاً..." رواه البخاري عن أنس وأبي هريرة وأبي عوان والطبري عن سليمان] "مَنْ أتاني يسعى أتيته هرولة" وأن قلبه (أي قلب المؤمن) وسع جلاله وعظمته.

فتوجه العقل إليه تعالى بكله وانقطع من كل ما يأخذ عنه من هذه القوى، فعند هذا التوجه (أفاض الله عليه من نوره علماً إلهياً عرَّفه بأن الله تعالى من طريق المشاهدة والتجلي، لا يقبله كون ولا يردُّه كون) ولذلك قال الله تعالى: {إنَّ في ذلك} [ق: 37] يشير إلى العلم بالله من حيث المشاهدة {لذكرى لِمَنْ كان لهُ قلبٌ} [ق: 37] ولم يقل غير ذلك القوة كقوة وراء طور العقل تصل العبد بالرب.

فإن القلب معلوم بالتقلب في الأحوال دائماً فهو لا يبقى على حالة واحدة فكذلك التجليات الإلهية، فمن لم يشهد التجليات بقلبه ينكرها بعقله، فإن العقل يقيِّد غيره من القوى إلا القلب فإنه لا يتقيد وهو سريع التقلب في كل حال ولذا قال الشارع: "إن القلب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبه كيف يشاء".

فهو يتقلب بتقلب التجليات، والعقل ليس كذلك، فالقلب هو القوة التي وراء طور العقل، فلو أراد الحق في هذه الآية بالقلب أنه العقل ما قال {لِمَنْ كان لهُ قلبٌ} [ق: 37]، فإن كل إنسان له عقل وما كلُّ إنسان يُعطى هذه القوى التي وراء طور العقل، المسماة قلباً في هذه الآية، فلذلك قال: {لِمَنْ كان لهُ قلبٌ} [ق: 37] ["الفتوحات المكية" ص443].



رد الشبهات حول المجاهدة:



إن قال قائل: إن رجال التصوف يُحَرِّمون ما أحل الله من أنواع اللذائذ والمتع، وقد قال الله تعالى: {قٌلْ مَنْ حرَّمَ زينة الله التي أخرجَ لعبادِهِ والطيبات من الرزق...} [الأعراف: 32].

وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تحرِّموا ما أحلَّ الله لكم ولا تعتدوا إنَّ الله لا يحب المعتدين} [المائدة: 87].

فنقول: إن رجال التصوف لم يجعلوا الحلالَ حراماً، إذْ أسمى مقاصدهم هو التقيد بشرع الله، ولكنهم حين عرفوا أن تزكية النفس فرضُ عين، وأن للنفس أخلاقاً سيئة وتعلقات شهوانية، توصِل صاحبها إلى الردى، وتعيقه عن الترقي في مدراج الكمال، وجدوا لزاماً عليهم أن يهذبوا نفوسهم ويحرروها من سجن الهوى.

وبهذا المعنى يقول الصوفي الكبير الحكيم الترمذي رحمه الله رداً على هذه الشبهة، وجواباً لمن احتج بالآية الكريمة: {قُلْ مَنْ حرَّمَ زينة الله....} [الأعراف: 32]: فهذا الاحتجاج تعنيف، ومن القول تحريف لأنَّا لم نُرِدْ بهذا، التحريمَ، ولكنا أردنا تأديب النفس حتى تأخذ الأدب وتعلم كيف ينبغي أن تعمل في ذلك، ألا ترى إلى قوله جل وعلا: {إنّما حرّم ربيَ الفواحشَ ما ظهر منها وما بطنَ والإثمَ والبَغيَ بغيرِ الحقِّ} [الأعراف: 33]. فالبغيُ في الشيء الحلال حرامٌ، والفخرُ حرام، والمباهاةُ حرام، والرياء حرام، والسرف حرام، فإنما أُوتِيَتِ النفسُ هذا المنعَ من أجل أنها مالت إلى هذه الأشياء بقلبها، حتى فسد القلب. فلما رأيتُ النفس تتناول زينة الله والطيبات من الرزق تريد بذلك تغنياً أو مباهاة أو رياء علمتُ أنها خلطت حراماً بحلال فضيَّعَتِ الشكرَ، وإنما رُزِقَتْ لتشكُرَ لا لِتكْفرَ، فلما رأيتُ سوء أدبها منعتُها، حتى إذا ذلَّت وانقمعت، ورآني ربي مجاهداً في ذاته حق جهاده، هداني سبيله كما وعد الله تعالى: {والذين جاهدوا فينا لنهدينَّهم سُبُلَنا وإنَّ اللهَ لَمَعَ المحسنين} [العنكبوت: 69] فصرتُ عنده بالمجاهدة محسناً فكان الله معي، ومن كان مع الله فمعه الفئة التي لا تغلب، والحارس الذي لا ينام، والهادي الذي لا يضل، وقذفَ في القلب من النور نوراً عاجلاً في دار الدنيا حتى يوصله إلى ثواب الآجل. ألا ترى إلى ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إذا قُذِفَ النورُ في قلب عبدٍ انفسح وانشرح". قيل: يا رسول الله فهل لذلك من علامة؟ قال: "نعم، التجافي عن دار الغرور، والإنابةُ إلى دار الخلود، والاستعداد للموت قبل نزوله" وإنما تجافى عن دار الغرور بما قُذفَ في قلبه من النور فأبصر به عيوب الدنيا ودواهيها وآفاتها وخداعها وخرابها، فغاب عن قلبه البغيُ والرياء والسمعة والمباهاة والفخر والخيلاء والحسد، لأن ذلك إنما كان أصله من تعظيم الدنيا وحلاوتها في قلبه، وحبه لها، وكان سببَ نجاته من هذه الآفات - برحمة الله - رياضتُه هذه النفس بمنع الشهوات منها) [كتاب "الرياضة وأدب النفس" للحكيم الترمذي ص124].

وقد تسرع بعض الناس فزعموا جهلاً أن التصوف في مجاهداته ينحدر من أصل بوذي أو بَراهيمي، ويلتقي مع الانحرافات الدينية في النصرانية وغيرها التي تعتبر تعذيب الجسد طريقاً إلى إشراق الروح وانطلاقها، ومنهم من جعل التصوف امتداداً لنزعة الرهبنة التي ظهرت في ثلاثة رهط سألوا عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم، فلما أُخبروا عنها كأنهم تقالُّوها، فقال أحدهم: أما أنا فأصوم الدهر ولا أُفطر، وقال الثاني: أما أنا فأقوم الليل ولا أنام، وقال الثالث: أما أنا فأعتزل النساء ولا أتزوج. ولما عُرض أمرهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم صحح لهم أفكارهم، وردهم إلى الصراط المستقيم والنهج القويم.

والجواب على ذلك: أن التصوف لم يكن في يوم من الأيام شرعة مستقلة ولا ديناً جديداً، ولكنه تطبيق عملي لدين الله تعالى، واقتداء كامل برسوله عليه الصلاة والسلام.

وإنما سرت الشبهة على هؤلاء المتسرعين لأنهم وجدوا في التصوف اهتماماً بتزكية النفس وتربيتها وتصعيدها، ومجاهدتها على أُسس شرعية وضمن نطاق الدين الحنيف، فقاسوا تلك الانحرافات الدينية على التصوف قياساً أعمى دون تمحيص أو تمييز.

ففرقٌ كبير إذاً بين المجاهدة المشروعة المقيدة بدين الله تعالى، وبين المغالاة والانحراف وتحريم الحلال وتعذيب الجسد كما عليه البوذيون الكافرون

ومن الظلم والبهتان أن يُحْكَمَ على كل من جاهد نفسه وزكاها أنه ينحدر من أصل بوذي أو بَراهيمي كما يزعم المستشرقون ومَنْ خُدِعَ بهم، أو أنه يقتدي بهؤلاء الرهط الذي تقالُّوا عبادة رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما يقوله المتسرعون السطحيون، مع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صحح لهم خطأهم فرجعوا إلى هديه وسُنَّتِهِ.

وإذا وُجد في تاريخ التصوف من حرَّم الحلال أو قام بتعذيب الجسد على غرار الانحرافات الدينية السابقة فهو مبتدع ومبتعد عن طريق التصوف لذا ينبغي التفريق بين التصوف والصوفي. فليس الصوفي بانحرافه ممثلاً للتصوف، كما أن المسلم بانحرافه لا يمثل الإسلام.

والمعترضون لم يفرقوا بين الصوفي والتصوف وبين المسلم والإسلام فجعلوا تلازماً بينهما فوقعوا في الكاملين قياساً على المنحرفين.

وبعد، فإن منتهى آمال السالكين ترقيةُ نفوسهم، فإن ظفروا بها وصلوا إلى مطلوبهم، والنفس تترقى بالمجاهدة والرياضة من كونها أمَّارة إلى كونها لوَّامة ومُلْهَمة وراضية ومَرْضيّة ومطمئنة... إلخ، فالمجاهدة ضرورية للسالك في جميع مراحل سيره إلى الله تعالى، ولا تنتهي إلا بالوصول إلى درجة العصمة ؛ وهذه لا تكون إلا للأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام.

وبهذا ندرك خطأ بعض السالكين الذي لم يُحكموا شرط سيرهم - وهو مجاهدة النفس - ثم يَدَّعون لأنفسهم المحبة، ويترنمون بكلام المحبين، وينشدون قول ابن الفارض تأييداً لمذهبهم:



وعن مذهبي في الحب ما ليَ مذهب وإن مِلْتُ يوماً عنه فارقتُ مِلَّتي



وما علموا كيف كانت بداية ابن الفارض من حيث مجاهدته لنفسه، وإليك بعض كلامه يصف مجاهداته في سيره مما يدل على أهمية المجاهدة مع العلم أنه ابتدأ سيره إلى الله تعالى من نفس لوامة لا أمارة بالسوء، ويبين أن السالك الذي لا مجاهدة له لا سير له ولا محبة له:

فنفسيَ كانت قبلُ لوَّامةً متى أُطع ها عصتْ أو أعْصِ كانت مطيعتي

فأوردتها ما الموتُ أيسرُ بَعْضِهِ وأتعبتُها كيما تكون مريحتي

فعادت ومهما حُمِّلتْهُ تحملته مني وإنْ خفَّفتُ عنها تَأذَّتِ

وأذهبتُ في تهذيبها كلَّ لذةٍ بإبعادها عن عادِها فاطمأنتِ

ولم يبقَ هولٌ دونها ما ركبتُه وأشهدُ نفسيَ فيه غيرَ زكيَّة



ولهذا كان ابن الفارض يعرِّض بمدَّعي المحبة الذين لم يتركوا حظوظهم ولم يجاهدوا نفوسهم فيقول:



تعرَّض قوم للغرام وأعرضوا بجانبهم عن صحَّتي فيه واعْتَلُّوا

رَضُوا بالأماني وابْتُلوا بحظوظهم وخاضوا بحارَ الحُبِّ دعوى فما ابتَلُّوا

فهم في السُّرى لم يبرحوا من مكانهم وما ظعنوا في السيرِ عنه وقد كلُّوا



فالمجاهدة إذاً شرط أساسي لكل سالك في جميع مراحل سيره، ولكنها تتغير بحسب ترقي المريد في مدارج السمو، ومثاله في ذلك الطالب، يكون في مرحلة الابتدائي، ثم الإعدادي ثم الثانوي ثم الجامعي... وفي كل هذه المراحل يعتبر طالباً، ولكن هناك فرق كبير بين الطالب الابتدائي والطالب الجامعي. وكذلك الفرق شاسع بين كون نفسه أمارة بالسوء تميل إلى الفواحش، وبين كونها مطمئنةً راجعة إلى ربها راضية مرضية.



والخلاصة:

إن المجاهدة أصل من أُصول طريق الصوفية، وقد قالوا: من حقق الأصول نال الوصول، ومن ترك الأصول حُرم الوصول.

وقالوا أيضاً: مَنْ لم تكن له بداية محرقة "بالمجاهدات" لم تكن له نهاية مشرقة. والبدايات تدل على النهايات.





__________________
إذا أنتَ أكثرتَ الصلاةَ على الذي
صلى عليه الله ُ في الايات ِ
وجـعلـتـَـها ِوردا ً عليكَ مُـحـتما ً
لاحتْ عليكَ دلائلُ الخيرات
عبدالقادر حمود غير متواجد حالياً  
رد مع اقتباس
قديم 11-18-2019
  #19
عبدالقادر حمود
أبو نفيسه
 الصورة الرمزية عبدالقادر حمود
 
تاريخ التسجيل: Aug 2008
الدولة: سوريا
المشاركات: 12,150
معدل تقييم المستوى: 10
عبدالقادر حمود is on a distinguished road
افتراضي رد: حمل كتاب حقائق عن التصوف بصيغة PDF وورد وهتمل

الذكر


تمهيد ـ معاني كلمة الذكر ـ دليله من الكتاب والسنة ـ أقوال العلماء فيه ـ



أقسامه ـ ألفاظه وصيغه ـ التحذير من تركه ـ الحركة في الذكر ـ



الإنشاد والسماع في المسجد ـ فوائده وثمراته



تمهيد



الذكر يثمر المقامات كلها من اليقظة إلى التوحيد، ويثمر المعارف والأحوال التي شمَّر إليها السالكون، فلا سبيل إلى نيل ثمارها إلا من شجرة الذكر، وكلما عظمت تلك الشجرة ورسخ أصلها، كان أعظم لثمرتها وفائدتها...

وهو أصل كل مقام وقاعدته التي يبني عليها، كما يُبنى الحائط على أساسه، وكما يقوم السقف على جداره.

وذلك أن العبد إن لم يستيقظ من غفلته لم يمكنه قطع منازل السير الموصلة إلى معرفة الله تعالى التي خُلِقَ الإنسان لأجلها، قال تعالى: {وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنسَ إلا ليعبدونِ} [الذاريات: 56] [قال ابن عباس رضي الله عنهما: يعبدون أي: يعرفون]. ولا يستيقظ المرء إلا بالذكر، فالغفلة نوم القلب أو موته.

وإن امتثال الصوفية لأمر مولاهم عز وجل بالإكثار من ذكره جعل حياتهم كحياة الملائكة، لا تخطر الدنيا على قلوبهم، ولا تشغلهم عن محبوبهم، نسوا أنفسهم بمجالستهم لربهم، وغابوا عن كل شيء سواه فتواجدوا عندما وجدوا.



ذَكرْتُكَ لا أني نسيتُكَ لمحةً *** وأيسرُ ما في الذكرِ ذكرُ لِساني



يذكر الصوفي ربه في كل أحيانه، فيجد بذلك انشراح الصدر، واطمئنان القلب، وسمو الروح؛ لأنه حظي بمجالسة ربه عز وجل “أهل ذكري أهل مجالستي... الحديث” [من حديث قدسي أخرجه الإمام أحمد في مسنده].

فالعارف من داوم على الذكر وأعرض بقلبه عن متع الدنيا الزائلة، فتولاه الله في جميع شؤونه. ولا عجب، فمن صبر ظفر، ومن لازم قرع الباب يوشك أن يفتح له.



معاني كلمة الذكر



أطلقت الآيات القرآنية الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة كلمة “الذكر” على عدة معان:

1 فتارة قُصِدَ بها القرآن الكريم كما في قوله تعالى: {إنَّا نحن نزّلنا الذِّكرَ وإنّا لهُ لَحافظونَ} [الحجر: 9].

2 وتارة قُصِدَ بها صلاة الجمعة: {يا أيُّها الذين آمنوا إذا نُودِيَ للصلاة من يوم الجمعة فاسعَوا إلى ذكرِ اللهِ} [الجمعة: 9].

3 وفي موطن آخر عُنِيَ بها العلم: {فاسألوا أهل الذكر إنْ كنتم لا تعلمونَ} [الأنبياء: 7].

4 وفي معظم النصوص أُريدَ بكلمة “الذكر” التسبيحُ والتهليل والتكبير والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وما إلى هنالك من الصيَغ،

كما في قوله تعالى: {فإذا قَضيتُمُ الصلاةَ فاذكروا اللهَ قياماً وقعوداً وعلى جنوبِكُم} [النساء: 102].

وقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتُمْ فِئةً فاثبتوا واذكروا اللهَ كثيراً} [الأنفال: 45].

وقوله تعالى: {واذكُرِ اسمَ ربِّكَ وتَبَتَّلْ إليهِ تبتيلاً} [المزمل: 8].



- عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

“إن الله عز وجل يقول: أنا مع عبدي إذا هو ذَكرني وتحركت بي شفتاه”

[رواه ابن ماجه في كتاب الأدب وابن حبان في صحيحه. والإمام أحمد في مسنده والحاكم كما في “فيض القدير” ج1/ص309].



- وعن عبد الله بن بِسر أن رجلاً قال:

(يا رسول الله إن شرائع الإسلام قد كَثُرَتْ عليَّ، فأخبرني بشيء أتشبث به). قال: “لا يزال لسانُك رَطْباً من ذكر الله”

[رواه الترمذي في كتاب الدعوات وقال: حديث حسن].



أما ما يقوله بعضهم: (إن المراد بالذكر هو العلم بالحلال والحرام)، فجوابه:



أن لفظ الذكر مشترك بين العلم والصلاة والقرآن وذكر الله تعالى، لكن المعتبر في اللفظ المشترك ما غلب استعماله فيه عرفاً، وغيره إنما يصرف إليه بقرينة حالية أو لفظية، ولفظ الذكر قد غلب استعماله في ذكر الله حقيقة، ومن غير الغالب أن يطلق ويراد به العلم، كما قال تعالى: {فاسألوا أهل الذكر} فالمراد به العلم بقرينة السؤال.





دليله من الكتاب والسنة:



1 - أما من الكتاب:



1 - فقد قال تعالى: {فاذكُرُوني أذكُرْكُم} [البقرة: 152].

2 - وقال تعالى: {الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جُنوبهم} [آل عمران: 191].

3 - وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكراً كثيراً وسَبِّحُوه بكرةً وأصيلاً} [الأحزاب: 41 -42].

4 - وقال تعالى: {واذكرْ ربَّك كثيراً وسبِّحْ بالعشي والإبكار) [آل عمران: 41].

5 - وقال عز من قائل: {الذين آمنوا وتطمئِنُّ قُلوبُهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب} [الرعد: 28].

6 - قال أيضاً: {واذكُرِ اسمَ ربِّكَ بُكرَةً وأصيلاً} [الدهر: 25].

7 - وقال أيضاً: {واذكر اسم ربِّك وتبتَّل إليه تبتيلاً} [المزمل: 8].

8 - وقال جل شأنه: {وَلَذِكرُ الله أكبرُ} [العنكبوت: 45].

9 - وقال أيضاً: {فإذا قضيتُمُ الصلاة فاذكروا الله قياماً وقعوداً وعلى جُنوبِكُم} [النساء: 103].

10 - وقال أيضاً: {فإذا قُضيتِ الصلاةُ فانتَشروا في الأرضِ وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيراً لعلَّكُم

تُفلحون} [الجمعة: 10].

11 - وقال أيضاً: {ومن أظلمُ مِمَّنْ مَنَعَ مساجدَ الله أن يُذْكَرَ فيها اسمُه} [البقرة: 114].

12 - وقال تعالى: {في بيوتٍ أَذِنَ الله أن تُرفعَ ويُذكر فيها اسمُهُ} [النور: 36].

13 - وقال أيضاً: {رِجال لا تُلهيهم تجارة ولا بيعٌ عن ذكرِ اللهِ} [النور: 37].

14 - وقال أيضاً: {يا أيها الذين آمنوا لا تُلهِكُم أموالُكم ولا أولادُكم عن ذكر الله} [المنافقون: 9].

15 - وقال أيضاً: {والذاكرين الله كثيراً والذاكراتِ أعدّ اللهُ لهُم مغفِرَةً وأجراً عظيماً} [الأحزاب: 35].

قال ابن عباس رضي الله عنهما:

(المراد: يذكرون الله في أدبار الصلوات، وغدواً وعشياً وكلما استيقظ من نومه، وكلما غدا أو راح من منزله، ذكر الله تعالى)

[“الفتوحات الربانية على الأذكار النووية” ج1/ص106 - 109].

وقال مجاهد:

(لايكون من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات حتى يذكر الله تعالى قائماً وقاعداً ومضجعاً)

[“الفتوحات الربانية على الأذكار النووية” ج1/ص106 - 109].

وجميع العبادات يشترط لصحتها شروط إلا ذكر الله تعالى، فإنه يصح بطهارة وغيرها وفي جميع الحالات: في القيام والقعود... وغيرها.

ولهذا قال النووي:

(أجمع العلماء على جواز الذكر بالقلب واللسان للمُحْدِث والجنب والحائض والنفساء، وذلك في التسبيح والتحميد والتكبير والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم والدعاء ونحو ذلك)

[“الفتوحات الربانية على الأذكار النووية” ج1/ص106 -109].



فالذكر صقال القلوب، ومفتاح باب النفحات، وسبيل توجه التجليات على القلوب، وبه يحصل التخلق، لا بغيره. لذلك فالمريد لا يصيبه غم أو هم أو حزن إلا بسبب غفلته عن ذكر الله، ولو اشتغل بذكر الله لدام فرحه وقرت عينه، إذ الذكر مفتاح السرور والفرح، كما أن الغفلة مفتاح الحزن والكدر.



2 - وأما من السنة:



1 - عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم:

“مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربَّهُ مثل الحي والميت”

[رواه البخاري في صحيحه في كتاب الدعوات].

2 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

“إن لله ملائكةً يطوفون في الطرق يلتمسون أهل الذكر، فإذا وجدوا قوماً يذكرون الله تنادوا: هلموا إلى حاجتكم. قال: فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا. قال: فيسألهم ربهم عز وجل - وهو أعلم بهم ـ: ما يقول عبادي؟ قال: يقولون: يسبحونك ويكبرونك ويحمدونك ويمجدونك. قال: فيقول: هل رأوني؟ قال: فيقولون: لا والله ما رأوْك؛ قال: فيقول: وكيف لو رأوْني؟ قال: يقولون: لو رأوْك كانوا أشد لك عبادةً وأشد لك تمجيداً، وأكثر لك تسبيحاً. قال: يقول: فما يسألونني؟ قال: يقولون: يسألونك الجنة. قال: يقول: هل رأوْها؟ قال: يقولون: لا والله يا رب ما رأوْها. قال: فيقول: فكيف لو أنهم رأوْها؟ قال: يقولون: لو أنهم رأوْها كانوا أشد عليها حرصاً، وأشد لها طلباً، وأعظم فيها رغبة. قال: يقول: فمِمَّ يتعوذون؟ قال: يقولون: من النار، قال: يقول: وهل رأوْها؟ قال: يقولون: لا والله ما رأوها. قال: يقول: فكيف لو رأوها؟ قال: يقولون: لو رأوْها كانوا أشد منها فراراً وأشد لها مخافة. قال: فيقول: أُشْهِدُكم أني قد غفرت لهم. قال: يقول ملك من الملائكة: فيهم فلان ليس منهم إنما جاء لحاجة. قال: يقول: هم الجلساء لا يشقى بهم جليسهم”

[أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الدعوات].

ففي هذا الحديث فضل مجالس الذكر والذاكرين وفضل الاجتماع على ذلك، وإن جليسهم يندرج معهم في جميع ما يتفضل عليهم ربهم إكراماً لهم؛ وإن لم يشاركهم في أصل الذكر، وبمجالسته لهم صار سعيداً لأن من جالس جانس؛ إن صحَّت النية.



3 - وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

“إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا. قالوا: يا رسول الله وما رياضُ الجنة؟ قال: حِلَق الذكر”

[أخرجه الترمذي في كتاب الدعوات وحسنه].

4 - وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

“لَيبعثنَّ الله أقواماً يوم القيامة في وجوههم النور، على منابر اللؤلؤ، يغبطهم الناس، ليسوا بأنبياء ولا شهداء، قال: فجثا أعرابي على ركبتيه فقال: يا رسول الله حِلْهُم [حلهم: صفهم لنا وعرفنا نزلهم] لنا نعرفْهم! قال: هم المتحابون في الله من قبائل شتى، وبلاد شتى يجتمعون على ذكر الله يذكرونه”

[رواه الطبراني بإسناد حسن كما في “الترغيب والترهيب” 2/406].



5 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسير في طريق مكة فمر على جبل يقال له: جُمْدان فقال: “سيروا هذا جُمْدان سبق المفَرِّدون. قيل: وما المُفَرِّدون يا رسول الله؟ قال: المستَهتَرون بذكر الله، يضع الذكر عنهم أثقالهم فيأتون الله يوم القيامة خفافاً”

[أخرجه مسلم في كتاب الذكر والترمذي في كتاب الدعوات].

والمستَهْتَرون: هم المولعون بالذكر المداومون عليه، لا يبالون ما قيل فيهم ولا ما فُعِلَ بهم.



6 - وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

“ألا أُنبئكم بخير أعمالكم، وأزْكاها عند مليكِكم، وأرفعها في درجاتكم، وخيرٍ لكم من إنفاق الذهب والوَرِق [الورق: الفضة]، وخيرٍ لكم من أن تلْقَوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ قالوا: بلى. قال: ذكرُ الله تعالى”، فقال معاذ بن جبل رضي الله عنه: (ما شيءٌ أنجى من عذاب الله من ذكر الله)

[رواه الترمذي في كتاب الدعاء باب ما جاء في فضل الذكر. ورواه ابن ماجه في “الأدب” باب فضل الذكر].

7 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يقول الله تعالى :

“أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرتُه في نفسي، وإن ذكرني في ملأٍ ذكرتُه في ملأٍ خيرٍ منهم، وإن تقرَّب إليَّ شبراً تقربتُ إليه ذراعاً، وإن تقرَّبَ إليَّ ذراعاً تقربتُ إليه باعاً، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة”

[أخرجه مسلم في كتاب الذكر، والبخاري في كتاب التوحيد والترمذي في كتاب الدعوات، والنسائي، وابن ماجه].

8 - وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

“يقول الله عز وجل يوم القيامة: سَيعْلَمُ أهلُ الجمعِ مَنْ أهْلُ الكرَم، فقيل: ومَنْ أهلُ الكرم يا رسول الله؟ قال: أهل مجالس الذكر في المساجد”

[رواه أحمد وأبو يعلى وابن حبان في صحيحه والبيهقي وغيرهم. “الترغيب والترهيب” ج2/ص404].

9 - وعن أنس بن مالك رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

“ما من قومٍ اجتمعوا يذكرون الله عز وجل لا يريدون بذلك إلا وجهه؛ إلا ناداهم منادٍ من السماء أن قوموا مغفوراً لكم فقد بُدلت سيئاتكم حسنات”

[رواه الإمام أحمد، ورجاله رجال الصحيح كذا في “مجمع الزوائد” ج10/ص76].

10 - وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

“يقول الرب تبارك وتعالى: مَن شغلَهُ قراءةُ القرآن وذكري عن مسألتي أعطيتُهُ أفضلَ ما أُعطي السائلين.

”[أخرجه الترمذي في كتاب “فضائل القرآن” وقال: حديث حسن والدارمي والبيهقي].

هذا وكل ما ورد في فضائل الذكر والاجتماع عليه، والجهر والإسرار به، فهو من أدلة مشروعيته.



أقوال العلماء بالله في فضل الذكر:



عبد الله بن عباس (رضي الله عنهما):

قال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: (لم يفرض الله تعالى على عباده فريضة إلا جعل لها حداً معلوماً، ثم عذر أهلها في حال العذر، غير الذكر؛ فإنه لم يجعل له حداً ينتهي إليه، ولم يعذر أحداً في تركه إلا مغلوباً على عقله، وأمرهم بذكره في الأحوال كلها، فقال عز من قائل: {فاذكُروا اللهَ قياماً وقعوداً وعلى جُنُوبِكُم} [النساء: 103]. وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكراً كثيراً} [الأحزاب: 41] أي بالليل والنهار، وفي البر والبحر، والسفر والحضر، والغنى والفقر، وفي الصحة والسقم، والسر والعلانية، وعلى كل حال) [“نور التحقيق” ص147].



ابن عطاء الله السكندري:

قال سيدي ابن عطاء الله السكندري: (الذكر هو التخلص من الغفلة والنسيان بدوام حضور القلب مع الحق، وقيل: ترديد اسم الله بالقلب واللسان، أو ترديد صفة من صفاته، أو حكم من أحكامه، أو فعل من أفعاله، أو غير ذلك مما يُتقرَّبُ به إلى الله تعالى) [“مفتاح الفلاح” ص4 لابن عطاء الله السكندري المتوفى 709هـ].



الإمام أبو القاسم القشيري:

قال الإمام أبو القاسم القشيري رضي الله عنه: (الذكر منشور الولاية، ومنار الوصلة، وتحقيق الإرادة، وعلامة صحة البداية، ودلالة النهاية، فليس وراء الذكر شيء؛ وجميع الخصال المحمودة راجعة إلى الذكر ومنشؤها عن الذكر). وقال أيضاً: (الذكر ركن قوي في طريق الحق سبحانه وتعالى، بل هو العمدة في هذا الطريق، ولا يصل أحد إلى الله تعالى إلا بدوام الذكر) [“الرسالة القشيرية” ص110].



ابن قيم الجوزية:

قال ابن قيم الجوزية: (ولا ريب أن القلب يصدأ كما يصدأ النحاس والفضة وغيرهما، وجلاؤه بالذكر، فإنه يجلوه حتى يدعه كالمرآة البيضاء، فإذا تُرك صدىء، فإذا ذكر جلاه. وصدأ القلب بأمرين: بالغفلة، والذنب؛ وجلاؤه بشيئين: بالاستغفار والذكر. فمن كانت الغفلة أغلب أوقاته كان الصدأ متراكماً على قلبه، وصدؤه بحسب غفلته. وإذا صدىء القلب لم تنطبع فيه صور المعلومات على ما هي عليه؛ فيرى الباطل في صورة الحق، والحق في صورة الباطل، لأنه لمَّا تراكم عليه الصدأ أظلم فلم تظهر فيه صور الحقائق كما هي عليه. فإذا تراكم عليه الصدأ، واسودَّ، وركبه الرانُ فَسَدَ تصورُه وإدراكه فلا يقبل حقاً، ولا ينكر باطلاً، وهذا أعظم عقوباتِ القلب. وأصل ذلك من الغفلة واتباع الهوى، فإنهما يطمسان نور القلب ويعميان بصره. قال تعالى: {ولا تطعْ مَنْ أغفلْنا قلبَه عن ذكرِنا واتَّبَعَ هواه وكان أمرُهُ فُرُطاً} [الكهف: 28]) [“الوابل الصيب من الكلم الطيب” لابن قيم الجوزية المتوفى سنة 751هـ ص52].



فخر الدين الرازي:

قال العلامة فخر الدين الرازي في تفسيره عند قوله تعالى: {ولله الأسماء الحسنى....} [الأعراف: 180]: (إن الموجب لدخول جهنم هو الغفلة عن ذكر الله تعالى، والمخلِّص من عذاب جهنم هو ذكر الله تعالى، وأصحاب الذوق والمشاهدة يجدون من أرواحهم أن الأمر كذلك، فإن القلب إذا غفل عن ذكر الله، وأقبل على الدنيا وشهواتها، وقع في باب الحرص وزمهرير الحرمان، ولا يزال ينتقل من رغبة إلى رغبة، ومن طلب إلى طلب، ومن ظلمة إلى ظلمة، فإذا انفتح على قلبه باب ذكر الله ومعرفة الله تخلِّص من نيران الآفات، ومن حسرات الخسارات، واستشعر بمعرفة رب الأرض والسموات) [تفسير الفخر الرازي ج4/ص472].



أحمد زروق:

يقول أحمد زروق رحمه الله في قواعده: (الخواص ثابتة في الأقوال والأفعال والأعيان، وأعظمها خواص الأذكار، إذ ما عمل آدمي عملاً أنجى له من عذاب الله من ذكر الله، وقد جعلها الله للأشياء كالأشربة والمعاجين في منافعها؛ لكلٌّ ما يخصه. فلزم مراعاة العام في العموم، وفي الخاص مما يوافق حال الشخص) [“قواعد التصوف” لأحمد زروق ص37].



أحمد بن عجيبة:

قال أحمد بن عجيبة: (لا يكون الفتح على تحقيق العبد بمقام الرضا إلا بعد تحققه بثلاثة أمور في بدايته:

1 - الاستغراق في الاسم المفرد [الله] و(هذا خاص بالمأذونين بذكر الاسم من مرشد كامل).

2 - صحبته للذاكرين.

3 - تمسكه بالعمل الصالح الذي لم يتصل به شيء من العلل، وهو التمسك بالشريعة المحمدية) [“تجريد شرح الأجرومية” لابن عجيبة ص29].



والخلاصة:

إن جميع المربين والمرشدين الكاملين قد نصحوا السالكين في سيرهم إلى الله وأبانوا لهم أن الطريق العملي الموصل إلى الله تعالى وإلى رضوانه هو الإكثار من ذكر الله في جميع الحالات، وصحبةُ الذاكرين، لأن أنفاس الذاكرين تقطع شهوات النفس الأمَّارة بالسوء.

أقسام الذكر:



أ - ذكر السر والجهر:



إن ذكر الله تعالى مشروع سراً وجهراً، وقد رغَّب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الذكر بنوعيه: السري والجهري، إلاَّ أن علماء الشريعة الإسلامية قرروا أفضلية الجهر بالذكر إذا خلا من الرياء، أو إيذاء مُصَلٌّ أو قارىء أو نائم، مستدلين ببعض الأحاديث النبوية الشريفة، منها:

1 - عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

“يقول الله: أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرتُه في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرتُه في ملأ خير منهم”

[أخرجه البخاري في صحيحه والترمذي والنسائي وابن ماجه]. والذكر في الملأ لا يكون إلا عن جهر



2 - عن زيد بن أسلم رضي الله عنه قال: قال ابن الأدرع رضي الله عنه: (انطلقت مع النبي صلى الله عليه وسلم ليلة؛ فمر برجل في المسجد يرفع صوته، قلت: يا رسول الله عسى أن يكون هذا مرائياً؟ قال: “لا، ولكنه أوَّاه”)

[رواه البيهقي. كما في “الحاوي للفتاوي” للسيوطي ج1/ص391].



3 - عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (إن رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة كان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم. قال ابن عباس: كنت أعلم إذا انصرفوا بذلك إذا سمعته)

[أخرجه البخاري في صحيحه، والمعنى كنت أعلم انصرافهم بسماع الذكر، كما قال صاحب “الفتح” الحافظ ابن حجر العسقلاني في ج2/ص259].



4 - عن السائب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

“جاءني جبريل قال: مُرْ أصحابك يرفعوا أصواتهم بالتكبير”

[رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وصححه السيوطي في كتابه “الحاوي للفتاوي” ج1/ص389].



5 - عن شداد بن أوس رضي الله عنه قال: إنَّا لَعندَ النبي صلى الله عليه وسلم إذ قال:

“ارفعوا أيديكم فقولوا: لا إله إلا الله، ففعلنا، فقال صلى الله عليه وسلم: اللهم إنَّك بعثتني بهذه الكلمة وأمرتني بها ووعدتني عليها الجنة، إنك لا تخلف الميعاد، ثم قال: أبشروا فإن الله قد غفر لكم”

[أخرجه الحاكم. كما في المصدر السابق ج1/ص391].



وهناك أحاديث بلغت حدَّ الكثرة، جمع منها العلامة الكبير جلال الدين السيوطي خمسة وعشرين حديثاً في رسالة سماها “نتيجة الفكر في الجهر بالذكر” فقال: (الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، سألتَ أكرمك الله عما اعتاده السادة الصوفية من عقد حِلَق الذكر، والجهر به في المساجد، ورفع الصوت بالتهليل وهل ذلك مكروه، أو؛ لا؟ .

الجواب: إنه لا كراهة في شيء من ذلك، وقد وردت أحاديث تقتضي استحباب الجهر بالذكر، وأحاديث تقتضي استحباب الإسرار به، والجمع بينهما أن ذلك يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص، وها أنا أُبين ذلك فصلاً فصلاً.

ثم ذكر الأحاديث الدالة على ذلك بكاملها ثم قال: إذا تأملتَ ما أوردنا من الأحاديث، عرفت من مجموعها أنه لا كراهة البتة في الجهر بالذكر، بل فيه ما يدل على استحبابه؛ إما صريحاً أو التزاماً - كما أشرنا إليه ـ، وأما معارضته بحديث “خيرُ الذكر الخفي” فهو نظير معارضة أحاديث الجهر بالقرآن بحديث: “المسر بالقرآن كالمسر بالصدقة”، وقد جمع النووي بينهما: بأن الإخفاء أفضل حيث خاف الرياء، أو تأذَّى به مصلون أو نيام، والجهر أفضل في غير ذلك؛ لأن العمل فيه أكثر، ولأن فائدته تتعدى إلى السامعين، ولأنه يوقظُ القارىء، ويجمع همه إلى الفكر، ويصرف سمعه إليه، ويطرد النوم، ويزيد في النشاط. وقال بعضهم: يستحب الجهر ببعض القراءة والإسرار ببعضها، لأن المُسِرَّ قد يملُّ فيأنس بالجهر، والجاهر قد يكلُّ فيستريح بالإسرار. وكذلك نقول في الذكر على هذا التفصيل، وبه يحصل الجمع بين الأحاديث. فإنْ قلتَ: قال الله تعالى: {واذكُرْ ربَّكَ في نفسك تضرُّعاً وخيفةً ودون الجهرِ من القولِ} [الأعراف: 205]. قلت: الجواب على هذه الآية من ثلاثة أوجه:



الأول: إنها مكية كآية الإسراء: {ولا تجهر بصلاتِكَ ولا تخافِتْ بها} [الإسراء: 110]. وقد نزلت حين كان النبي صلى الله عليه وسلم يجهر بالقرآن، فيسمعه المشركون فيسبون القرآن ومَنْ أنزله، فأُمِر بترك الجهر سداً للذريعة، كما نُهي عن سب الأصنام لذلك في قوله تعالى : {ولا تسُبُّوا الذين يدعونَ مِنْ دون الله فيسُبُّوا اللهَ عَدْواً بغيرِ علمٍ} [الأنعام: 108]. وقد زال هذا المعنى، وأشار إلى ذلك ابن كثير في تفسيره.



الثاني: إن جماعة من المفسرين - منهم عبد الرحمن بن زيد بن أسلم شيخ مالك، وابن جرير - حملوا الآية على الذاكر حال قراءة القرآن، وأنه أمرٌ له بالذكر على هذه الصفة تعظيماً للقرآن أن ترفع عنه الأصوات، ويقويه اتصالها بقوله تعالى: {وإذا قُرِئ القرآنُ فاستمعوا له وأنصتُوا} [الأعراف: 204]. قلت وكأنه لما أمر بالإنصات خشي من ذلك الإخلاد إلى البطالة، فنبه على أنه وإن كان مأموراً بالسكوت باللسان إلا أن تكليف الذكر بالقلب باقٍ حتى لا يغفل عن ذكر الله، ولذا ختم الآية بقوله: {ولا تَكُنْ مِنَ الغافلين} [الأعراف: 205].



الثالث: ما ذكره الصوفية أن الأمر في الآية خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم الكامل المكمل، وأما غيره - ممن هو محل الوساوس والخواطر الرديئة - فمأمور بالجهر، لأنه أشد تأثيراً في دفعها.

قلتُ: ويؤيده من الحديث ما أخرجه البزار عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من صلَّى منكم بالليل فليجهر بقراءته فإن الملائكة تصلي بصلاته، وتسمع لقراءته، وإنَّ مؤمني الجن الذين يكونون في الهواء، وجيرانه معه في مسكنه يصلون بصلاته، ويستمعون قراءته، وإنه ينطرد بجهره بقراءته عن داره وعن الدور التي حوله فُسَّاق الجن ومردة الشياطين”.

فإن قلتَ: فقد قال تعالى: {ادعُوا ربَّكم تضرعاً وخُفيةً إنَّه لا يحبُّ المعتدينَ} [الأعراف: 55]. وقد فسر الاعتداء بالجهر في الدعاء.



قلتُ: الجواب عنه من وجهين:



أحدهما: أن الراجح في تفسيره أنه تجاوزُ المأمور به، أو اختراعُ دعوة لا أصل لها في الشرع، ويؤيده ما أخرجه ابن ماجه، والحاكم في مستدركه وصححه عن أبي نعامة رضي الله عنه: (أن عبد الله بن مغفل سمع ابنه يقول: اللهم إني أسألك القصر الأبيض عن يمين الجنة. فقال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “سيكون في هذه الأمة قوم يعتدون بالدعاء”) فهذا تفسير صحابي، وهو أعلم بالمراد.



الثاني: على تقدير التسليم فالآية في الدعاء لا في الذكر، والدعاء بخصوصه؛ الأفضل فيه الإسرار، لأنه أقرب إلى الإجابة، ولذا قال تعالى: {إذْ نادى ربَّهُ نداءً خفياً} [مريم: 3]. ومن ثَمَّ استحب الإسرار بالاستعاذة في الصلاة اتفاقاً لأنها دعاء.

فإن قلتَ: فقد نُقل عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه رأى قوماً يهللون برفع الصوت في المسجد فقال: ما أراكم إلا مبتدعين حتى أخرجهم من المسجد. قلت: هذا الأثر عن ابن مسعود يحتاج إلى بيان سنده، ومن أخرجه من الأئمة الحفاظ في كتبهم، وعلى تقدير ثبوته فهو مُعارَض بالأحاديث الكثيرة الثابتة المتقدمة، وهي مقدمة عليه عند التعارض، ثم رأيت ما يقتضي إنكار ذلك عن ابن مسعود، قال الإمام أحمد بن حنبل في كتاب الزهد: حدثنا حسين بن محمد حدثنا المسعودي عن عامر بن شقيق عن أبي وائل قال: هؤلاء الذين يزعمون أن عبد الله كان يَنْهى عن الذكر، ما جالستُ عبدَ الله مجلساً إلا ذَكَرَ الله فيه. وأخرج أحمد في الزهد عن ثابت البناني قال: إن أهلَ ذكر الله ليجلسون إلى ذكر الله وإن عليهم من الآثام أمثال الجبال، وإنهم ليقومون من ذكر الله تعالى ما عليهم منها شيء)

[“الحاوي للفتاوي” في الفقه وعلوم التفسير والحديث والأصول والنحو والإعراب وسائر الفنون للعلامة الكبير جلال الدين السيوطي المتوفى سنة 911هـ. ج1/ص394].



وقال العلامة الكبير الشيخ محمود الألوسي في تفسيره عند قوله تعالى: {وإنْ تجْهَرْ بالقول فإنَّه يعلم السِّرَ وأخفى} [طه: 7]. وقيل: نُهِيَ عن الجهر بالذكر والدعاء، لقوله تعالى: {واذكرْ ربَّك في نفسِكَ تضرعاً وخفيةً ودون الجهر من القولِ} [الأعراف: 205]. وأنت تعلم أن القول: بأن الجهر بالذكر والدعاء منهي، لا ينبغي أن يكون على إطلاقه. والذي نصَّ عليه الإمام النووي رضي الله عنه في فتاويه: أن الجهر بالذكر حيث لا محذور شرعاً؛ مشروع مندوب إليه، بل هو أفضل من الإخفاء في مذهب الإمام الشافعي، وهو ظاهر مذهب الإمام أحمد، وإحدى الروايتين عن الإمام مالك بنقل الحافظ ابن حجر في فتح الباري. وهو قول القاضيخان في فتاويه في ترجمة مسائل كيفية القراءة، وقوله في باب غسل الميت: (ويكره رفع الصوت بالذكر) فالظاهر أنه لمن يمشي مع الجنازة كما هو مذهب الشافعية، لا مطلقاً، وقال الألوسي أيضاً: واختار بعض المحققين أن المراد دون الجهر البالغ أو الزائد على قدر الحاجة فيكون الجهر المعتدل، والجهر بقدر الحاجة داخلاً في المأمور به؛ فقد صح ما يزيد على عشرين حديثاً في أنه صلى الله عليه وسلم كثيراً ما كان يجهر بالذكر، وصح عن أبي الزبير رضي الله عنه أنه سمع عبد الله بن الزبير يقول: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سلَّم من صلاته يقول بصوته الأعلى: “لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، ولا حول ولا قوة إلا بالله ولا نعبد إلا إياه، له النعمة وله الفضل” إلى أن قال: وقد ألَّف الشيخ إبراهيم الكوراني عليه الرحمة في تحقيق هذه المسألة رسالتين جليلتين سمَّى أولاهما: “نثر الزهر في الذكر بالجهر”. وثانيتهما: “اتحاف المنيب الأوّاه بفضل الجهر بذكر الله”) [“روح المعاني” للعلامة الكبير الشيخ محمود الألوسي المتوفى سنة 1270هـ ج16/ص147 - 148].



أفضلية ذكر الجهر:



قال العلامة الطحطاوي في حاشيته على مراقي الفلاح: (اختُلِفَ؛ هل الإسرار بالذكر أفضل؟ فقيل: نعم، لأحاديث كثيرة تدل عليه منها:

“خير الذكر الخفي، وخير الرزق ما يكفي”. ولأن الإسرار أبلغ في الإخلاص، وأقرب إلى الإجابة. وقيل: الجهر أفضل لأحاديث كثيرة:

منها ما رواه ابن الزبير رضي الله عنهما: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سلَّم من صلاته قال بصوته الأعلى: “لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، ولا حول ولا قوة إلا بالله...” الحديث [رواه مسلم في صحيحه في كتاب المساجد ومواقع الصلاة، والترمذي في كتاب الصلاة].

وقد كان صلى الله عليه وسلم يأمر من يقرأ القرآن في المسجد أن يُسمِع قراءته. وكان ابن عمر يأمر من يقرأ عليه وعلى أصحابه وهم يستمعون، لأنه أكثر عملاً، وأبلغ في التدَبُّر، ونفعه متعدٍ لإيقاظ قلوب الغافلين.

وجُمع بين الأحاديث الواردة بأن ذلك يختلف بحسب الأشخاص والأحوال؛ فمن خاف الرياء، أو تأذَّى به أحد كان الإسرار أفضل، ومتى فُقد ما ذكر كان الجهر أفضل. قال في “الفتاوي”: لا يُمنع من الجهر بالذكر في المساجد، احترازاً عن الدخول تحت قوله تعالى: {ومَنْ أظلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مساجدَ اللهِ أنْ يُذكَرَ فيها اسمُه} [البقرة: 114]. كذا في البزازية.

ونص الشعراني في ذكر الذاكر للمذكور والشاكر للمشكور ما لفظه: وأجمع العلماء سلفاً وخلفاً على استحباب ذكر الله تعالى جماعة في المساجد وغيرها من غير نكير، إلا أن يشوش جهرهم بالذكر على نائم أو مصلٌّ أو قارىء قرآن، كما هو مقرر في كتب الفقه [“حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح” ص208].

وقال ابن عابدين في حاشيته الشهيرة:

(وفي الفتاوي الخيرية من الكراهية والاستحسان جاء في الحديث ما اقتضى طلب الجهر به نحو: “وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم”. رواه الشيخان.

وهناك أحاديث اقتضت طلب الإسرار. والجمع بينهما: أن ذلك يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال، كما جُمع بذلك بين أحاديث الجهر والإخفاء بالقراءة، ولا يعارض ذلك حديث “خير الذكر الخفي” لأنه حيث خيف الرياء، أو تأذي المصلين أو النيام، فإن خلا مما ذكر فقال بعض أهل العلم: إن الجهر أفضل، لأنه أكثر عملاً، ولتعدي فائدته إلى السامعين ويوقظ قلب الذاكر، فيجمع همه إلى الفكر، ويصرف سمعه إليه، ويطرد النوم، ويزيد النشاط. ا.هـ ملخصاً وتمام الكلام هناك فراجعه،. وفي حاشية الحموي عن الإمام الشعراني : (أجمع العلماء سلفاً وخلفاً على استحباب ذكر الجماعة في المساجد وغيرها إلا أن يشوش جهرهم على نائم أو مصلٌّ أو قارىء) [“حاشية ابن عابدين” ج5/ص263].



ب - ذكر اللسان وذكر القلب:



قال الشيخ عبد الوهاب الشعراني: سمعت أخي أفضل الدين رحمه الله يقول: (الذكر باللسان مشروع للأكابر والأصاغر، لأن حجاب العظمة لا يرتفع لأحد ولا للأنبياء، فلا بد من حجاب لكنه يدق فقط) [“الميزان” للشيخ عبد الوهاب الشعراني ج1/ص160].

وقال الإمام النووي رحمه الله: (أجمع العلماء على جواز الذكر بالقلب واللسان للمحْدِث والجنب والحائض والنفساء وذلك في التسبيح والتحميد والتكبير والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم والدعاء ونحو ذلك) [“الفتوحات الربانية على الأذكار النواوية” ج1/ص106 - 109].

وقال الإمام النووي رحمه الله: (الذكر يكون بالقلب ويكون باللسان، والأفضل منه ما كان بالقلب واللسان جميعاً، فإن اقتصر على أحدهما فالقلب أفضل. ثم لا ينبغي أن يُترك الذكر باللسان مع القلب خوفاً من أن يُظن به الرياء، بل يذكر بهما جميعاً، ويقصد به وجه الله تعالى).

قال الفضيل بن عياض رحمه الله: (إن ترك العمل لأجل الناس رياء، ولو فتح الإنسان عليه باب ملاحظة الناس والاحتراز من تطرق ظنونهم الباطلة لانْسَدَّ عليه أكثر أبواب الخير، وضيَّع على نفسه شيئاً عظيماً من مهمات الدين، وليس هذا طريق العارفين) [“الفتوحات الربانية على الأذكار النواوية” ج1/ص127].

وقلب الغافل عليه غشاوة، فلا يجد صاحبها لطعم الذكر حلاوة، ولا لغيره من العبادات ولذلك قيل: (لا خير في ذكر مع قلب غافلٍ ساهٍ) ولا نعني بذلك أن يترك الذكر مع الغفلة، إلا أن صاحب الهمة العالية يجاهد نفسه، ويراقب قلبه مرة بعد مرة، حتى ينتقل إلى ذكر مع الحضور، وذلك كالرامي؛ ففي المرة الأولى لا يصيب الهدف، ثم يحاول في الثانية والثالثة إلى أن يتقن ذلك، فيصيب الهدف. وكذلك الإنسان مع قلبه؛ يحاول المرة تلو المرة بين ذكر ومذاكرة حتى يعتاد القلب الحضور مع الله تعالى.

قال حجة الإسلام الغزالي رحمه الله: (واعلم أنه قد انكشف لأرباب البصائر أن الذكر أفضل الأعمال، ولكن له أيضاً قشور ثلاثة بعضها أقرب للُّب من بعض وله لب وراء القشور الثلاثة، وإنما فضل القشور لكونها طريقاً إليه.

فالقشر الأعلى منه: ذكر اللسان فقط.

والثاني: ذكر القلب إذا كان القلب يحتاج إلى موافقته حتى يحضر مع الذكر، ولو تُرك وطبعه لاسترسل في أودية الأفكار.

والثالث: أن يستمكن الذكر من القلب، ويستولي عليه بحيث يحتاج إلى تكلف في صرفه عنه إلى غيره، كما احتيج في الثاني إلى تكلف في قراره معه ودوامه عليه.

والرابع: وهو اللباب، أن يستمكن المذكور من القلب، وينمحي الذكر ويخفى، وهو اللباب المطلوب، وذلك بأن لا يلتفت إلى الذكر ولا إلى القلب بل يستغرق المذكورُ جملتَه، ومهما ظهر له في أثناء ذلك التفات إلى الذكر فذلك حجاب شاغل. وهذه الحالة التي يعبر عنها العارفون بالفناء... ثم قال رحمه الله: فهذه ثمرة لباب الذكر وإنما مبدؤها ذكر اللسان، ثم ذكر القلب تكلفاً، ثم ذكر القلب طبعاً، ثم استيلاء المذكور وانمحاء الذكر) [كتاب “الأربعين في أصول الدين” للإمام الغزالي ص52 - 55].



ج - الذكر المنفرد والذكر مع الجماعة:



العبادات مع الجماعة - وفيها ذكر الله تعالى - تزيد في الفضل على العبادة في حالة الانفراد؛ ففي الجماعة تلتقي القلوب، ويكون التعاون والتجاوب، ويستقي الضعيف من القوي، والمُظْلِم من المُنَوَّر، والكثيف من اللطيف، والجاهل من العالم وهكذا...



- عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

“إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا. قالوا: وما رياض الجنة؟ قال: حِلَقُ الذكر”

[أخرجه الترمذي في كتاب الدعوات].



- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

“إن لله تبارك وتعالى ملائكةً سيارةً وفضلاء يلتمسون مجالس الذكر في الأرض فإذا أتَوا على مجلس ذكرٍ حفَّ بعضهم بعضاً بأجنحتهم إلى السماء، فيقول الله من أين جئتُم؟ فيقولون: جئنا من عند عبادك يسبحونك، ويحمدونك ويهللونك، ويسألونك، ويستجيرونك. فيقول: ما يسألون؟ - وهو أعلم بهم - فيقولون: يسألونك الجنة. فيقول: وهل رأوْها؟ فيقولون: لا يا رب. فيقول: فكيف لو رأوْها؟ ثم يقول: ومِمَّ يستجيرون؟ - وهو أعلم بهم - فيقولون: من النار. فيقول: وهل رأوْها؟ فيقولون: لا. فيقول: كيف لو رأوْها؟ ثم يقول: اشهدوا أني قد غفرتُ لهم، وأعطيتُهم ما سألوني، وأجرتُهم مما استجاروني. فيقولون: ربَّنا إن فيهم عبداً خطَّاءً جلس إليهم وليس منهم؛ فيقول: وهو أيضاً قد غفرتُ له، هم القوم لا يشقى بهم جليسُهم”

[أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الذكر ، والترمذي في كتاب الدعوات، والحاكم].



- وعن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

“ما من قوم يذكرون الله إلا حفَّتهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، ونزلت عليهم السكينة، وذكرهم الله فيمن عنده”

[أخرجه مسلم في كتاب الذكر، والترمذي في كتاب الدعوات].



- عن معاوية رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج على حَلْقةٍ من أصحابه فقال:

“ما يُجْلِسُكُمْ؟ قالوا: جلسنا نذكر الله ونحمده فقال: إنه أتاني جبريل فأخبرني أن الله يُباهي بكم الملائكة”

[أخرجه مسلم في كتاب الذكر، والترمذي في كتاب الدعوات].



- عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

“إن لله تعالى سيارة من الملائكة يطلبون حِلَقَ الذكر، فإذا أتَوا عليهم حفُّوا بهم”

[رواه البزار وقال الهيثمي: إسناده حسن].



- وعن أنس أيضاً رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

“إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا. قالوا: وما رياض الجنة يا رسول الله؟ قال: حِلَقُ الذكر”

[رواه الترمذي في كتاب الدعوات].

قال العلامة ابن علان شارح الأذكار في معنى هذا الحديث: (والمعنى: إذا مررتم بجماعة يذكرون الله فاذكروا موافقة لهم، أو اسمعوا أذكارهم، فإنهم في رياض من الجنة حالاً أو مآلاً. قال تعالى: {ولمَنْ خافَ مقامَ ربِّهِ جنَّتانِ} [الرحمن: 46]) [“الفتوحات الربانية على الأذكار النواوية” ج 1/94].



وقال العلامة ابن عابدين في حاشيته في معرِضِ ذكر الله تعالى مع الجماعة: (وقد شبه الإمام الغزالي ذكر الإنسان وحده وذكر الجماعة بأذان المنفرد وأذان الجماعة، قال: فكما أن أصوات المؤذنين جماعة تقطع جِرم الهواء أكثر من صوت المؤذن الواحد، كذلك ذكر الجماعة على قلب واحد أكثر تأثيراً في رفع الحجب الكثيفة من ذكر شخص واحد) [“حاشية ابن عابدين” ج5/ص263].

وقال الطحطاوي في حاشيته:

(ونص الشعراني: أجمع العلماء سلفاً وخلفاً على استحباب ذكر الله تعالى جماعة في المساجد وغيرها من غير نكير، إلا أن يشوشَ جهرُهم بالذكر على نائم أو مصلٌّ أو قارىء قرآن، كما هو مقرر في كتب الفقه) [“حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح” ص208].

وأما الذكر منفرداً: فله أثر فعال في صفاء القلب وإيقاظه، وتعويد المؤمن على الأنس بربه والتنعم بمناجاته، والشعور بقربه. فلا بد للمؤمن من جلسة يذكر الله خالياً منفرداً بربه بعد أن يحاسب نفسه ويطلع على عيوبه وأخطائه، فإذا ما رأى سيئة؛ استغفر وتاب وإذا ما رأى عيباً؛ جاهد نفسه للتخلص منه.

عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “سبعة يظلهم الله تحت ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله... وذكر منهم: ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه” [أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب أبواب صلاة الجماعة، وأخرجه مسلم في كتاب الزكاة].
__________________
إذا أنتَ أكثرتَ الصلاةَ على الذي
صلى عليه الله ُ في الايات ِ
وجـعلـتـَـها ِوردا ً عليكَ مُـحـتما ً
لاحتْ عليكَ دلائلُ الخيرات
عبدالقادر حمود غير متواجد حالياً  
رد مع اقتباس
قديم 11-18-2019
  #20
عبدالقادر حمود
أبو نفيسه
 الصورة الرمزية عبدالقادر حمود
 
تاريخ التسجيل: Aug 2008
الدولة: سوريا
المشاركات: 12,150
معدل تقييم المستوى: 10
عبدالقادر حمود is on a distinguished road
افتراضي رد: حمل كتاب حقائق عن التصوف بصيغة PDF وورد وهتمل

آداب الذكر



آداب الذكر المنفرد:



وينبغي أن يكون الذاكر على أكمل الصفات، فإن كان جالساً في موضع استقبل القِبلة متذللاً متخشعاً بسكينة ووقار، مطرقاً برأسه، ولو ذكر على غير هذه الأحوال جاز ولا كراهة في حقه، ولكن إن كان بغير عذر كان تاركاً للأفضل. وينبغي أن يكون الموضع الذي يذكر فيه خالياً نظيفاً، فإنه أعظم في احترام الذكر والمذكور، ولهذا مُدح الذكر في المساجد والمواضع الشريفة. وينبغي أن يكون فمُه نظيفاً، وإن كان به تغيُّرٌ أزاله بالسواك.

إذا كانت هذه النظافة الحسية قد نُدبنا إليها فإن نظافة القلب الذي هو محل نظر الرب تبارك وتعالى أولى بالاعتبار، فلا بد من تنقيته من أدرانه؛ كالحقد والكبر، والبخل والرياء، والعلائق الدنيوية والأغيار والشواغل، حتى يتأهل لمجالسة الحق فلا يزال في الفيض الأقدس مقيماً.

والذكر محبوب في جميع الأحوال، والمراد من الذكر حضور القلب، فينبغي أن يلاحظ الذاكر ذلك ويتدبر معاني ما يذكر.

فإن كان يستغفر فعليه أن يلاحظ بقلبه طلب المغفرة والعفو من الله تعالى، وإن كان يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم فعليه أن يستحضر عظمة رسول الله صلى الله عليه وسلم بقلبه، وإن كان يذكر بالنفي والإثبات وهو “لا إله إلا الله” فعليه أن ينفي كل شاغل يشغله عن الله تعالى. وعلى كلٌّ لا يَترك الذكر باللسان لعدم حضور القلب، بل يذكر الله بلسانه ولو كان غافلاً بقلبه؛ لأن غفلة الإنسان عن الذكر إعراض عن الله بالكلية، وفي وجود الذكر إقبال بوجهٍ ما، وفي شغل اللسان بذكر الله تزيين له بطاعة الله، وفي فقده تعرضٌ لاشتغاله بأنواع المعاصي القولية كالغيبة والنميمة وغيرها

يقول ابن عطاء الله السكندري: (لا تترك الذكر لعدم حضور قلبك مع الله تعالى فيه، لأن غفلتك عن وجود ذكره، أشد من غفلتك في وجود ذكره، فعسى أن يرفعك [الله] من ذكر مع وجود غفلة إلى ذكر مع وجود يقظة، ومن ذكر مع وجود يقظة إلى ذكر مع وجود حضور، ومن ذكر مع وجود حضور إلى ذكر مع وجود غَيْبَةٍ عما سوى المذكور، وما ذلك على الله بعزيز) [“إيقاظ الهمم في شرح الحكم” لابن عجيبة ج1/ص79].

فعلى الإنسان ملازمة الذكر باللسان حتى يفتح القلب، وينتقل الذكر إليه، فيكون من أهل الحضور مع الله تعالى.









آداب الذكر الجهري مع الجماعة:

الذكر الجهري له آداب ثلاثة: آداب سابقة، وآداب مقارنة، وآداب لاحقة، وكل قسم من هذه الثلاثة له ظاهر وباطن.

1 - فظاهر الآداب السابقة:

أن يكون الذاكر طاهر الثوب، طيب الرائحة متوضئاً، نقياً من الحرام كسباً وغذاء.

وباطنها: أن يطهِّر قلبه بالتوبة الصادقة، ويتخلى عن جميع الأمراض القلبية، ويتبرأ من حوله وقوته، ويدخل الحضرة متحققاً بذله وفقره واحتياجه إلى نفحات الله وفضله.

2 - وظاهر الآداب المقارنة:

أن يجلس حيث انتهى به المجلس إذا كان الإخوان جلوساً، وإذا كانوا وقوفاً ذكر خلفهم بذكرهم حتى ينتبه له أقربهم ويفسح له ليدخل بينهم، وينتظم في حلقتهم، فإذا أراد أن يخرج لعذر طارىء وصل بين مَنْ على جانبيه بلطف، وخرج حتى لا يقطع عليهما اشتغالهما بالذكر، وأن يكون موافقاً لهم في وضعهم؛ فلا يشذ عنهم بمخالفة، وأن يجتهد في إخفاء صوته في أصواتهم حتى لا يكون مميَّزاً بينهم، وأن يغمض عينيه حتى لا يشغله أحد عن حضور قلبه مع الله تعالى.

وباطنها: أن يجاهد في طرد وساوس الشيطان وهواجس النفس، وأن لا يشغل قلبَه أُمورُ الدنيا، وأن يجتهد في الحضور بقلبه وهمته فيما هو فيه من الذكر وما يَرِدُ عليه من واردات وأحوال، متهيئاً لما يَمنُّ الله به عليه من تجليات إفضاله.

3 - وظاهر الآداب اللاحقة:

أن يستمع بعد ذلك لعشر من القرآن الكريم وللمذاكرة العلمية من الشيخ؛ فيسمع بعض النصائح والتوجيهات منه، ويصمت عن الكلام في مختلف الأمور الدنيوية وغيرها ما دام في مكان الذكر، ويمتنع عن الأعمال المنافية للآداب. وبعد الانتهاء من المذاكرة والدعاء يسلم على شيخه وإخوانه إما بالمصافحة أو بتقبيل اليد.
__________________
إذا أنتَ أكثرتَ الصلاةَ على الذي
صلى عليه الله ُ في الايات ِ
وجـعلـتـَـها ِوردا ً عليكَ مُـحـتما ً
لاحتْ عليكَ دلائلُ الخيرات
عبدالقادر حمود غير متواجد حالياً  
رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 زائر)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

كود [IMG]متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
الموسوعة الفقهية الكويتية وورد عبدالقادر حمود المكتبة الاسلامية 0 06-04-2017 11:11 PM
كتاب حقائق عن التصوف باللغة الانكليزية admin المكتبة الاسلامية 0 03-08-2014 04:48 AM
معراج التشوف إلى حقائق التصوف" و كتاب "كشف النقاب عن سر لب الألباب عبدالقادر حمود المكتبة الاسلامية 5 11-30-2011 01:01 AM
نوري اطفأ نارك أبو أنور رسائل ووصايا في التزكية 6 05-17-2009 07:19 PM
القرآن بصيغة الفلاش علاء الدين قسم الحاسوب 2 09-02-2008 06:41 PM


الساعة الآن 05:15 AM




جميع المواضيع و الردود المطروحة لا تعبر عن رأي المنتدى بل تعبر عن رأي كاتبها

Powered by vBulletin™ Version 3.8.7
Copyright © 2020 vBulletin Solutions, Inc. All rights reserved. منتديات