أنت غير مسجل في منتديات الإحسان . للتسجيل الرجاء إضغط هنـا

آخر 10 مشاركات
الأذكار           بسم الله توكلت على الله ولا حول ولا قوة إلا بالله           
العودة   منتديات الإحسان > الشريعة الغراء > الرد على شبهات المخالفين

إضافة رد
قديم منذ 3 أسابيع
  #51
عبدالقادر حمود
أبو نفيسه
 الصورة الرمزية عبدالقادر حمود
 
تاريخ التسجيل: Aug 2008
الدولة: سوريا
المشاركات: 12,135
معدل تقييم المستوى: 10
عبدالقادر حمود is on a distinguished road
افتراضي رد: حمل كتاب حقائق عن التصوف بصيغة PDF وورد وهتمل

5 - بين الصوفية وأدعياء التصوف



لقد شوَّهَ التصوفَ رجالٌ مغرِضونَ تَزَيَّوْا بزيه، وانتسبوا له، فأساؤوا إِليه بأقوالهم وأفعالهم وسيرتهم، والتصوف منهم براء.

فمن أجل خدمة الحق وإِظهاره علينا أن نفرق بين أدعياء التصوف المنحرفين، وبين السادة الصوفية الصادقين العارفين، وخصوصاً الأئمة منهم الذين كانت لهم درجات عليا في الإِيمان والتقوى والورع، وآثار كبرى في نشر الأخلاق والدين والدعوة إِلى الله تعالى في سائر العصور والبلدان، وعلينا أن نقف وقفة رجل متمسك بشرعه ودينه ونقول: هناك فرق كبير بين التصوف والصوفي، وليس المتصوف بانحرافه وشذوذه ممثلاً للتصوف، كما أن المسلم بأفعاله المنكَرة ليس ممثلاً لإِسلامه ودينه.

ومتى كان في شريعة الحق والدين أن يُؤَاخذ الجار بظلم الجار؟ وأن يتحمل الإِسلامُ في جوهره النقي أخطاءَ المسلمين المنحرفين؟ وأن تنسب إِلى هذه الفئة الطيبة النقية أخطاءُ المتصوفة الشاذين؟.

وإِنكار بعض العلماء على أفعال شاذة منسوبة إِلى الصوفية إِنما يستهدف هؤلاء الغلاة المنحرفين من أدعياء التصوف. ولطالما حذَّر مرشدو الصوفية الناسَ منهم. قال الشيخ أحمد زروق رحمه الله تعالى في كتابه قواعد التصوف: (فغلاةُ المتصوفة كأهل الأهواء من الأصوليين، وكالمطعون عليهم من المتفقهين، يُرَدُّ قولُهم، ويُجتنَبُ فعلُهم، ولا يُترَكُ المذهب الحق الثابت بنسبتهم له وظهورهم فيه) إِلخ [قواعد التصوف للشيخ أحمد زروق قاعدة 35، ص13].

إِن الخير والشر موجود في كل طائفة من الناس إِلى يوم القيامة، فليس كل الصوفية سواء، كما أنه ليس كل العلماء والفقهاء والمدرسين والقضاة والتجار والأمراء سواء؛ إِذ فيهم الصالح وفيهم الأصلح، وفيهم الفاسد وفيهم الأفسد، هذا أمر ظاهر لا شبهة فيه عند الجمهور اعرفِ الحقَّ تعرفْ أهلَه، ويعرف الرجال بالحق لا الحق بالرجال.

ونحن ننكر ما أنكره العلماء على هؤلاء الأدعياء من المتصوفة المنحرفين، الشاذين عن دين الله تعالى، وأما المتمسكون بالكتاب والسنة، المستقيمون على شرع الله تعالى فهم الذين نَعنيهم، ونقتفي أثرهم، وسنعرض لك في الفصل التالي شهادة علماء الأمة الإِسلامية من سلفها إِلى خلفها بهم.

6 - أعداء التصوف



إِن الذين طعنوا في التصوف الإِسلامي، وتهجموا عليه، واتهموه بشتى أنواع الأكاذيب والافتراءات، ورموه بالانحراف والزيغ؛ إِما أن يكون باعثهم على ذلك الحقد والعداوة المتأصلة للإِسلام، وإِما أن يكون سبب وقوعِهم في هذا الإِثم جهلهم المطبق بحقيقة التصوف.





1 - أما الصنف الأول:

فهم أعداء الإِسلام من الزنادقة المستشرقين وأذنابهم وعملائهم الذين صنعتْهم الصليبية الماكرة والاستعمار البغيض، لطعن الإِسلام ودك حصونه، وتشويه معالمه، وبث سموم الفرقة والخصام بين صفوف أبنائه.

وقد كشفهم السيدُ محمد أسد، في كتابه: الإِسلام على مفترق الطرق في بحث: شبح الحروب الصليبية [انظر كتاب الإِسلام على مفترق الطرق ص52. أما المؤلف فنمساوي الأصل وكان اسمه ليوبولدفايس، فاعتنق الإِسلام وتسمى باسم “محمد أسد” وينصرف في الوقت الحاضر إِلى ترجمة معاني القرآن الكريم وصحيح البخاري إِلى اللغة الإِنكليزية].

وقد عكف هؤلاء المغرضون على دراسة الإِسلام دراسة دقيقة مستفيضة كي يعرفوا سرَّ قوَّته، ولِيعلموا من أي باب يلجون، وفي أي طريق يسيرون للوصول إِلى أهدافهم الماكرة ومآربهم الخبيثة. ومن أشهر كتَّابهم: نكلسون الإِنكليزي، وجولدزيهر اليهودي، وماسينيون الفرنسي وغيرهم.



فتارة يدُسُّون السم في الدسم، ويمدحون الإِسلام في بعض كتبهم كي ينالوا ثقة القارىء، فإِذا اطمأنَّ إِليهم، وركن إِلى أقوالهم شككوه في عقائده، وحشوا قلبه بأباطيل ألصقوها بالإِسلام زوراً وبهتاناً.

وتارة ينْتحلون صفة الباحث العلمي المتجرد، أو يلبسون ثوب الغيور على الدين، المتباكي على تراثه، فيشنون حملةً شعْواء على التصوف، وقد عرفوا أنه روح الإِسلام وقلبه النابض، فيدّعون أنه مقتبس من اليهودية أو النصرانية أو البوذية، ويتهمون رجاله بعقائد مكفرة وأفكار منحرفة ضالة، كالقول بالحلول والاتحاد، ووحدة الوجود، ووحدة الأديان، وغير ذلك.

ونحن لا نعتِبُ عليهم لأنهم أعداء، وهذا شأن العدو الماكر، ولا ندخل في تفاصيل الردِّ عليهم، وتفنيد افتراءاتهم بعد أنْ علمنا أغراضهم ومآربهم الخبيثة. ولكننا نعتب على جماعة يدّعون الإِسلام ثم يتبنَّون آراءَ هؤلاء الخصوم الألداء وخصوصاً في طعن الإِسلام في روحه وجوهره، ألا وهو التصوف. فهل يصِح لمسلم عاقل أن يتخذ أقوال الأعداء المتحاملين المغرضين الكافرين حجة لطعن إِخوته المؤمنين؟! سبحانك هذا بهتان عظيم.

ولو كان هؤلاء المستشرقون صادقين في دفاعهم عن الإِسلام مخلصين في زعمهم بتنقيته من الشوائب وغيرتهم عليه وحبهم له، فلماذا لم يعتنقوه؟! ولِمَ لم يتخذوه منهجاً لهم في حياتهم؟!







2 - وأما الصنف الثاني:



فهم الذين جهلوا حقيقة التصوف الإِسلامي ولم يأخذوه عن رجاله الصادقين وعلمائه المخلصين؛ بل نظروا إِليه نظرة سطحية بعيدة عن التمحيص والتبين، وهؤلاء أقسام:



أـ قسم أخذوا فكرتهم عن التصوف من خلال أعمال وسلوك بعض الدخلاء والمنحرفين من أدعياء التصوف؛ دون أن يُفرِّقوا بين التصوف الحقيقي الناصع، وبين بعض الوقائع المشوهة التي تصدر عن الدخلاء على الصوفية والتي لا تَمُتُّ إِلى الإِسلام بصلة [انظر بحث بين الصوفية وأدعياء التصوف ص449 في هذا الكتاب].



ب - وقسم خُدعوا بما وجدوه في كتب السادة الصوفية من أمور مدسوسة أو مسائل دخيلة؛ فأخذوها على أنها حقائق ثابتة، دون تحقيق أو تثبت [انظر بحث الدس على العلوم الإِسلامية ص 398 في هذا الكتاب] أو إِنهم أخذوا الكلام الثابت في كتب الصوفية ففهموه على غير مراده، حسب فهمهم السطحي وعلمهم المحدود، وأهوائهم الخاصة، دون أن يرجعوا إِلى كلام الصوفية الواضح الذي لا يحيد عن لب الشريعة، والذي يعطي الضوء الناصع والنور الكاشف لتأويل هذا الكلام المتشابه [انظر بحث التأويل ص 415 في هذا الكتاب]. مثلهم في ذلك كمثل الذي في قلبه زيغ ومرض؛ فأخذ الآيات القرآنية المتشابهة في القرآن الكريم فأوَّلها حسب هواه وانحرافه، دون أن يلتفت إِلى سائر الآيات القرآنية المُحْكَمَة التي تُلْقي النور على معاني هذه الآيات المتشابهة وتوضح معانيها، وتبين أغراضها. قال الله تعالى في حقهم: {هُوَ الذي أنْزَلَ عليكَ الكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الكتابِ وأُخَرُ مُتشابهاتٌ فأمَّا الذينَ في قُلوبِهِم زيغٌ فيتَّبِعونَ ما تشابَهَ منهُ ابتغاءَ الفتنَةِ وابتغاءَ تأويلِهِ}[آل عمران: 7]. لهذا ولئلا يلتبس الأمر على جاهل أحمق أو مغرض متحامل، وضع علماء الصوفية عقائدهم صريحة واضحة لا تحيد عن مذهب أهل السنة والجماعة، ومنهم الشيخ محي الدين رحمه الله تعالى، فقد ذكر عقيدته واضحة مفصلة في مطلع كتابه الفتوحات المكية، وكذلك صاحب الرسالة القشيرية وغيرهما..



ج - وقسم هم المغشوشون المخدوعون الذين أخذوا ثقافتهم وعلومهم عن المستشرقين كما بيَّنَّا سابقاً، وتَبنَّوا مزاعمهم وأباطيلهم كأنها بَدَهياتٌ لا تقبل الجدل، أو تنزيل من حكيم حميد. ولم تسعفهم الفطانة والذكاء إِلى إِدراك حقيقة هؤلاء المستشرقين الذين نَصَبُوا أنفسهم وجنَّدوا ثقافتهم لهدم الإِسلام، بتشويه معالمه، وطعنه في جوهره وروحه.

إِلا أن هذه الأمة الإِسلامية لا تزال فيها طائفة ظاهرة على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله [أخرج البخاري في صحيحه في كتاب الاعتصام أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون” ومرَّ الحديث وعزوه ص42]، ولو اجتمع الثقلان على حربهم قبيلاً، يدعونَ مَنْ ضل إِلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى، ويبصرون بنور الله أهلَ الضلال والعمى، اهتدوا بهدي النبي الكريم صلوات الله وسلامه عليه، واستضاءوا بنوره على مر الأزمان والدهور..






__________________
إذا أنتَ أكثرتَ الصلاةَ على الذي
صلى عليه الله ُ في الايات ِ
وجـعلـتـَـها ِوردا ً عليكَ مُـحـتما ً
لاحتْ عليكَ دلائلُ الخيرات
عبدالقادر حمود غير متواجد حالياً  
رد مع اقتباس
قديم منذ 3 أسابيع
  #52
عبدالقادر حمود
أبو نفيسه
 الصورة الرمزية عبدالقادر حمود
 
تاريخ التسجيل: Aug 2008
الدولة: سوريا
المشاركات: 12,135
معدل تقييم المستوى: 10
عبدالقادر حمود is on a distinguished road
افتراضي رد: حمل كتاب حقائق عن التصوف بصيغة PDF وورد وهتمل

الباب السادس

شهادات علماء الأمة الإِسلامية من سلفها إِلى خلفها للتصوف ورجاله



ختاماً لهذه الرسالة أنقل لك طرفاً يسيراً من الأقوال والشهادات عن التصوف لبعض أكابر علماء الأمة، ورجال الفكر والدعوة منذ الصدر الأول إِلى يومنا هذا.

ولا أراك محتاجاً إِلى هذه الشهادات، بعد أن عرفت جوهر التصوف وتبين لك أنه روح الإِسلام، وأحد أركان الدين الثلاثة: الإِسلام والإِيمان والإِحسان.

ولكن هناك بعض النفوس قد عميت عن رؤية النور، وتجاهلت حقائق الإِسلام، وحكمت على الصوفية من خلال أعمال بعض المنحرفين والمبتدعين من أدعياء التصوف دون تبيُّنٍ ولا تمحيص، فإِلى هؤلاء وإِلى كل جاهل بحقيقة التصوف نسوق هذه الأقوال؛ كي يدركوا أثر التصوف وضرورته لإِحياء القلوب، وتهذيب النفوس، وكي يطلعوا على ثمرات التصوف ونتائجه في انتشار الإِسلام في مختلف الديار وشتى الأمصار.



1 - الإِمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى:

وقد مر بك في بحث بين الشريعة والحقيقة الكلام المفصل عن الإِمام الأكبر أبي حنيفة النعمان رحمه الله تعالى، وكيف أنه كان يعطي الشريعة والطريقة، وأنه كان فارس هذا الميدان، كما ذكر العلامة ابن عابدين في حاشيته المشهورة [أبو حنيفة أحد الأئمة الأربعة، أشهر من أن يعرف، توفي في بغداد سنة 150هـ. انظر (395 - 396) من هذا الكتاب].





2 - الإِمام مالك رحمه الله تعالى:

يقول الإِمام مالك رحمه الله تعالى: (مَنْ تفقَّهَ ولم يتصوف فقد تفسق، ومَنْ تصوَّف ولم يتفقه فقد تزندق، ومن جمعَ بينهما فقد تحقَّق) [حاشية العلامة علي العدوي على شرح الإِمام الزرقاني على متن العزية في الفقه المالكي ج3. ص195. وشرح عين العلم وزين الحلم للإِمام ملا علي القاري المتوفى 1014هـ. ج1. ص33. والإِمام مالك رحمه الله تعالى أحد الأئمة الأربعة المشهورين توفي سنة 179هـ في المدينة المنورة].





3 - الإِمام الشافعي رحمه الله تعالى:

قال الإِمام الشافعي رحمه الله تعالى [الإِمام الشافعي رحمه الله تعالى أحد الأئمة الأربعة المشهورين توفي في مصر سنة 204هـ]: (صحبت الصوفية فلم أستفد منهم سوى حرفين، وفي رواية سوى ثلاث كلمات:

قولهم: الوقت سيف إِن لم تقطعه قطعك.

وقولهم: نفسَك إِن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل.

وقولهم: العدم عصمة) [تأييد الحقيقة العلية للإِمام جلال الدين السيوطي ص15].

وقال أيضاً: (حُبِّبَ إِليَّ من دنياكم ثلاث: تركُ التكلف، وعِشرةُ الخلق بالتلطُّف، والاقتداء بطريق أهل التصوف) [“كشف الخفاء ومزيل الإِلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس” للإِمام العجلوني المتوفى سنة 1162هـ. ج1. ص341].







4 - الإِمام أحمد رحمه الله تعالى:

كان الإِمام أحمد رحمه الله تعالى [الإِمام أحمد رحمه الله تعالى أحد الأئمة الأربعة المشهورين توفي سنة 241هـ] قبل مصاحبته للصوفية يقول لولده عبد الله رحمه الله تعالى: (يا ولدي عليك بالحديث، وإِياك ومجالسة هؤلاء الذين سموا أنفسهم صوفية، فإِنهم ربما كان أحدهم جاهلاً بأحكام دينه. فلمَّا صحب أبا حمزة البغدادي الصوفي، وعرف أحوال القوم، أصبح يقول لولده: يا ولدي عليك بمجالسة هؤلاء القوم، فِإِنهم زادوا علينا بكثرة العلم والمراقبة والخشية والزهد وعلو الهمة) [“تنوير القلوب” ص405 للعلامة الشيخ أمين الكردي المتوفى سنة 1332هـ].

ونقل العلامة محمد السفاريني الحنبلي رحمه الله تعالى عن إِبراهيم بن عبد الله القلانسي رحمه الله تعالى أن الإِمام أحمد رحمه الله تعالى قال عن الصوفية: (لا أعلم أقواماً أفضل منهم. قيل: إِنهم يستمعون ويتواجدون، قال: دعوهم يفرحوا مع الله ساعة..) [“غذاء الألباب شرح منظومة الآداب” ج1. ص120].







5 - الإِمام المحاسبي رحمه الله تعالى:

ويقول الإِمام المحاسبي رحمه الله تعالى، متحدثاً عن جهاده المرير للوصول إِلى الحق حتى اهتدى إِلى التصوف ورجاله، وهو من أروع ما كتب في وصف الحياة الصوفية والخلقية والإِيمانية: (أما بعد، فقد انتهى البيان إِلى أن هذه الأمة تفترق على بضع وسبعين فرقة، منها فرقة ناجية، والله أعلم بسائرها؛ فلم أزل برهة من عمري، أنظر اختلاف الأمة، وألتمس المنهاج الواضح والسبيل القاصد، وأطلب من العلم والعمل، وأستدل على طريق الآخرة بإِرشاد العلماء، وعقلت كثيراً من كلام الله عز وجل بتأويل الفقهاء، وتدبرت أحوال الأمة، ونظرت في مذاهبها وأقاويلها، فعقلت من ذلك ما قدّر لي، ورأيت اختلافهم بحراً عميقاً، غرق فيه ناس كثير، وسلم منه عصابة قليلة، ورأيت كل صنف منهم، يزعم أن النجاة لمن تبعهم، وأن المهالك لمن خالفهم، ثم رأيت الناس أصنافاً:

فمنهم العالم بأمر الآخرة، لقاؤه عسير، ووجوده عزيز.

ومنهم الجاهل، فالبعد عنه غنيمة.

ومنهم المتشبه بالعلماء، مشغوف بدنياه، مؤثر لها.

ومنهم حامل علم، منسوب إِلى الدين، ملتمس بعلمه التعظيم والعلو، ينال بالدين من عرض الدنيا.

ومنهم حامل علم، لا يعلم تأويل ما حمل.

ومنهم متشبه بالنُّسَّاك، متحرٌّ للخير، لا غناء عنده، ولا نفاذ لعلمه [إِلى قلوب السامعين]، ولا معتمَد على رأيه.

ومنهم منسوب إِلى العقل والدهاء، مفقود الورع والتقى.

ومنهم متوادُّون، على الهوى وافِقون، وللدنيا يذِلون، ورياستَها يطلبون.

ومنهم شياطين الإِنس، عن الآخرة يصدون، وعلى الدنيا يتكالبون، وإِلى جمعها يُهرعون، وفي الاستكثار منها يرغبون، فهم في الدنيا أحياء، وفي العُرف موتى، بل العُرف عندهم منكر، والاستواء [بين الحي والميت] معروف.

فتفقدْت في الأصناف نفسي، وضِقتُ بذلك ذرعاً، فقصدت إِلى هدى المهتدين، بطلب السداد والهدى، واسترشدت العلم، وأَعملْت الفكر، وأطلت النظر، فتبيَّن لي من كتاب الله تعالى وسنة نبيه وإِجماع الأمة، أن اتباع الهوى يعمي عن الرشد، ويضل عن الحق، ويطيل المكث في العمى.

فبدأتُ بإِسقاط الهوى عن قلبي، ووقفت عند اختلاف الأمة مرتاداً لطلب الفرقة الناجية، حذِراً من الأهواء المُرْدية والفرقة الهالكة، متحرزاً من الاقتحام قبل البيان، وألتمس سبيل النجاة لِمُهْجةِ نفسي.

ثم وجدْتُ باجتماع الأمة في كتاب الله المنزل أن سبيل النجاة في التمسك بتقوى الله وأداء فرائضه، والورع في حلاله وحرامه وجميع حدوده، والإِخلاص لله تعالى بطاعته، والتأسِّي برسوله صلى الله عليه وسلم. فطلبت معرفة الفرائض والسنن عند العلماء في الآثار، فرأيت اجتماعاً واختلافاً، ووجدتُ جميعهم مجتمعين على أن علم الفرائض والسنن عند العلماء بالله وأمره، الفقهاء عن الله العاملين برضوانه الورعين عن محارمه المتأسين برسوله صلى الله عليه وسلم والمؤثرين الآخرة على الدنيا؛ أُولئك المتمسكون بأمر الله وسنن المرسلين.

فالتمست من بين الأمة هذا الصنف المجتمَعَ عليهم والموصوفين بآثارهم، واقتبست من علمهم، فرأيتهم أقل من القليل، ورأيت علمهم مندرساً كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : “بدأ الإِسلام غريباً، وسيعود غريباً كما بدأ فطوبى للغرباء” [أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الإِيمان عن أبي هريرة رضي الله عنه]، وهم المتفرِّدون بدينهم، فعظمتْ مصيبتي لفقد الأولياء الأتقياء، وخشيتُ بغتة الموت أن يفاجئني على اضطرابٍ من عمري لاختلاف الأمة، فانكمشت في طلب عالم لم أجد لي من معرفته بُدّاً، ولم أقصّر في الاحتياط ولا في النصح. فقيَّضَ لي الرؤوف بعباده قوماً وجدت فيهم دلائل التقوى وأعلام الورع وإِيثار الآخرة على الدنيا، ووجدت إِرشادهم ووصاياهم موافقة لأفاعيل أئمة الهدى، [ووجدتهم] مجتمعين على نصح الأمة، لا يُرَجُّون أبداً في معصيته، ولا يُقَنِّطون أبداً من رحمته، يرضون أبداً بالصبر على البأساء والضراء والرضا بالقضاء والشكر على النعماء، يُحبِّبون الله تعالى إِلى العباد بذكرهمْ أياديه وإِحسانه، ويحثُّون العباد على الإِنابة إِلى الله تعالى، علماء بعظمة الله تعالى، علماء بعظيم قدرته، وعلماء بكتابه وسنته، فقهاء في دينه، علماء بما يحب ويكره، وَرِعين عن البدع والأهواء، تاركين التعمق والإِغلاء، مبغضين للجدال والمراء، متورِّعين عن الاغتياب والظلم مخالفين لأهوائهم، محاسبين لأنفسهم، مالكين لجوارحهم، ورعين في مطاعمهم وملابسهم وجميع أحوالهم، مُجانبين للشبهات، تاركين للشهوات، مجتزئين بالبُلْغة من الأقوات، متقللين من المباح، زاهدين في الحلال، مشفِقين من الحساب، وَجِلين من المعاد، مشغولين بينهم، مُزْرِين على أنفسهم من دون غيرهم، لكل امرىء منهم شأن يغنيه، علماء بأمر الآخرة وأقاويل القيامة وجزيل الثواب وأليم العقاب. ذلك أورثهم الحزن الدائم والهَمَّ المقيم، فشغلوا عن سرور الدنيا ونعيمها. ولقد وصفوا من آداب الدين صفات، وحدُّوا للورع حدوداً ضاق لها صدري، وعلمت أن آداب الدين وصدق الورع بحر لا ينجو من الغرق فيه شبهي، ولا يقوم بحدوده مثلي، فتبين لي فضلهم، واتضح لي نصحهم، وأيقنتُ أنهم العاملون بطريق الآخرة والمتأسون بالمرسلين، والمصابيح لمن استضاء بهم، والهادون لمن استرشد.

فأصبحت راغباً في مذهبهم مقتبساً من فوائدهم قابلاً لآدابهم محباً لطاعتهم، لا أعدل بهم شيئاً، ولا أوثر عليهم أحداً، ففتح الله لي علماً اتضح لي برهانه، وأنار لي فضله، ورجوت النجاة لمن أقرَّ به أو انتحله، وأيقنت بالغوث لمن عمل به، ورأيت الاعوجاج فيمن خالفه، ورأيت الرَّيْن متراكماً على قلب من جهله وجحده، ورأيت الحجة العظمى لمن فهمه، ورأيت انتحاله والعمل بحدوده واجباً عليَّ، فاعتقدته في سريرتي، وانطويت عليه بضميري، وجعلته أساس ديني، وبنيت عليه أعمالي، وتقلَّبْت فيه بأحوالي. وسألت الله عز وجل أن يوزِعَني شكرَ ما أنعم به عليَّ، وأن يقويني على القيام بحدود ما عرَّفني به، مع معرفتي بتقصيري في ذلك، وأني لا أدرك شكره أبداً) [كتاب الوصايا ص27 -32. للإِمام أبي عبد الله الحارث المحاسبي المتوفى 243هـ. وهو من أمهات الكتب الصوفية المعتمدة].







6 - عبد القاهر البغدادي رحمه الله تعالى:

قال الإِمام الكبير حجة المتكلمين عبد القاهر البغدادي رحمه الله تعالى في كتابه الفَرْقُ بين الفِرَقِ: (الفصل الأول من فصول هذا الباب في بيان أصناف أهل السنة والجماعة. اعلموا أسعدكم الله أن أهل السنة والجماعة ثمانية أصناف من الناس:

1 - صنف منهم أحاطوا علماً بأبواب التوحيد والنبوة وأحكام الوعد والوعيد والثواب والعقاب وشروط الاجتهاد والإِمامة والزعامة..

2 - والصنف الثاني منهم: أئمة الفقه من فريقي الرأي والحديث من الذين اعتقدوا في أُصول الدين مذاهب الصفاتية في الله وفي صفاته الأزلية وتبرَّؤُا من القدر والاعتزال، وقالوا بدوام نعيم الجنة على أهلها، ودوام عذاب النار على الكفرة، وقالوا بإِمامة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وأحسنوا الثناء على السلف الصالح من الأمة، ورأوا وجوب الجمعة خلف الأئمة الذين تبرؤا من أهل الأهواء الضالة، ورأَوْا وجوب استنباط أحكام الشريعة من القرآن والسنة ومن إِجماع الصحابة، ويدخل في هذه الجماعة أصحاب مالك والشافعي وأبي حنيفة وأحمد بن حنبل رضي الله عنهم.

3 - والصنف الثالث منهم: هم الذين أحاطوا علماً بطرق الأخبار والسنن المأثورة عن النبي عليه الصلاة والسلام، وميزوا بين الصحيح والسقيم منها، وعرفوا أسباب الجرح والتعديل، ولم يخلطوا علمهم بذلك بشيء من بدع أهل الأهواء الضالة.

4 - والصنف الرابع منهم: قوم أحاطوا علماً بأكثر أبواب الأدب والنحو والتصريف، وَجَروْا على سَمْتِ أئمة اللغة كالخليل وأبي عمرو بن العلاء وسيبويه.

5 - والصنف الخامس منهم: هم الذين أحاطوا علماً بوجوه قراءات القرآن وبوجوه تفسير آيات القرآن وتأويلها على وفق مذاهب أهل السنة دون تأويلات أهل الأهواء الضالة.

6 - والصنف السادس منهم: الزهاد الصوفية الذين أبصروا فأقصروا، واختَبروا فاعتبروا، ورضوا بالمقدور وقنعوا بالميسور، وعلموا أن السمع والبصر والفؤاد كل أُولئك مسؤول عن الخير والشر، ومحاسب على مثاقيل الذر، فأعدُّوا خير الإِعداد ليوم المعاد، وجرى كلامهم في طريقَيْ العبارة والإِشارة على سَمْتِ أهل الحديث دون من يشتري لهو الحديث، لا يعملون الخير رياء، ولا يتركونه حياء، دينُهم التوحيد ونفي التشبيه، ومذهبهم التفويضُ إِلى الله تعالى، والتوكلُ عليه والتسليمُ لأمره، والقناعةُ بما رزقوا، والإِعراضُ عن الاعتراض عليه. {ذلكَ فضلُ اللهِ يؤتِيهِ مَنْ يشاءُ واللهُ ذو الفضلِ العظيمِ} [الجمعة: 4].

7 - والصنف السابع منهم: قوم مرابطون في ثغور المسلمين في وجوه الكفرة، يجاهدون أعداء المسلمين ويحمون حمى المسلمين.

8 - والصنف الثامن منهم: عامة البلدان التي غلب فيها شعائر أهل السنة، دون عامة البقاع التي ظهر فيها شعار أهل الأهواء الضالة..) [الفَرْقُ بين الفِرَقِ للإِمام عبد القاهر البغدادي المتوفى سنة 429هـ. ص189].







7 - الإمام القشيري رحمه الله تعالى:

وقال الإِمام أبو القاسم القشيري رحمه الله تعالى في مقدمة رسالته المشهورة متحدثاً عن الصوفية: (جعل الله هذه الطائفة صفوة أوليائه، وفَضَّلهم على الكافة من عباده بعد رسله وأنبيائه صلوات الله وسلامه عليهم، وجعل قلوبهم معادن أسراره، واختصَّهم من بين الأمة بطوالع أنواره، فهم الغياث للخلق، والدائرون في عموم أحوالهم مع الحق بالحق. صفَّاهم من كدورات البشرية، ورقَّاهم إِلى محل المشاهدات بما تجلى لهم من حقائق الأحدية، ووفقهم للقيام بآداب العبودية، وأشهدهم مجاري أحكام الربوبية، فقاموا بأداء ما عليهم من واجبات التكليف، وتحققوا بما مَنَّه سبحانه لهم من التقليب والتصريف، ثم رجعوا إِلى الله سبحانه وتعالى بصدق الافتقار ونعت الانكسار، ولم يتَّكِلوا على ما حصل منهم من الأعمال أو صفا لهم من الأحوال، علماً منهم بأنه جلَّ وعلا يفعل ما يريد، ويختار من يشاء من العبيد، لا يحكم عليه خلق، ولا يتوجه عليه لمخلوق حق، ثوابه ابتداء فضل، وعذابه حكم بعدل، وأمره قضاء فصل) [الرسالة القشيرية للإِمام أبي القاسم القشيري المتوفى سنة 465هـ. ص2].





8 - الإمام الغزالي رحمه الله تعالى:

وها هو ذا حجة الإِسلام الإِمام أبو حامد الغزالي رحمه الله تعالى يتحدث في كتابه المنقذ من الضلال عن الصوفية وعن سلوكهم وطريقتهم الحقة الموصلة إِلى الله تعالى فيقول:

(ولقد علمت يقيناً أن الصوفية هم السالكون لطريق الله تعالى خاصة وأن سيرتهم أحسن السيرة، وطريقتهم أصوب الطرق، وأخلاقهم أزكى الأخلاق.. ثم يقول رداً على من أنكر على الصوفية وتهجَّم عليهم: وبالجملة فماذا يقول القائلون في طريقةٍ طهارتُها - وهي أول شروطها - تطهيرُ القلب بالكلية عما سوى الله تعالى، ومفتاحها الجاري منها مجرى التحريم من الصلاة استغراقُ القلب بالكلية بذكر الله، وآخرها الفناء بالكلية في الله) [المنقذ من الضلال لحجة الإِسلام الغزالي المتوفى سنة 505هـ. ص131].





9 - الإِمام فخر الدين الرازي رحمه الله تعالى:

قال العلامة الكبير والمفسر الشهير الإِمام فخر الدين الرازي رحمه الله تعالى في كتابه اعتقادات فرق المسلمين والمشركين: (الباب الثامن في أحوال الصوفية: اعلم أن أكثر مَنْ حَصَرَ فرق الأمة، لم يذكر الصوفية وذلك خطأ، لأن حاصل قول الصوفية أن الطريق إِلى معرفة الله تعالى هو التصفية والتجرد من العلائق البدنية، وهذا طريق حسن.. وقال أيضاً: والمتصوفة قوم يشتغلون بالفكر وتجرد النفس عن العلائق الجسمانية، ويجتهدون ألاَّ يخلو سرَّهم وبالَهم عن ذكر الله تعالى في سائر تصرفاتهم وأعمالهم، منطبعون على كمال الأدب مع الله عز وجل، وهؤلاء هم خير فرق الآدميين) [اعتقادات فرق المسلمين والمشركين للإِمام فخر الدين الرازي ص72 -73 توفي سنة 606هـ بمدينة هراة. يقول محرر كتاب اعتقادات فرق المسلمين علي سامي النشار: (وفي أواخر أيامه [فخر الدين الرازي] وقد بلغ أوج كماله العلمي حدث له ما حدث لأبي حامد الغزالي من قبل، فقلَّتْ ثقته بالعقل الإِنساني، وأحسَّ عجزه، وأدرك تماماً أنه لا يستطيع الإِحاطة بالوجود في ذاته، فأدركتْه حالة صوفية كانت تنتابه منها في بعض مجالس وعظه نوباتٌ فيصرخ مستغيثاً.

وعظ يوماً بحضرة السلطان شهاب الدين الغوري، وحصلت له حال فاستغاث: (يا سلطان العالم لا سلطانك يبقى، ولا تلبيس الرازي يبقى).

ونظم أشعاراً تغلب عليها النزعة الصوفية كقوله:

نهايةُ إِقدام العقول عقالُ وأكثرُ سعي العالمينَ ضلالُ

وأرواحُنا في وَحشةٍ من جِسومنا وحاصلُ دنيانا أذى ووبالُ

ولم نستفد من بحثنا طولَ عمرنا سوى أنْ جمعنا فيه قيلَ وقالوا



وكان للإِمام فخر الدين الرازي صلة قوية بالشيخ الأكبر محي الدين بن عربي على أثر إِرسال رسالة جاءته من الشيخ محي الدين بن عربي، بين له فيها قيمة العلوم العرفانية الوهبية وشوَّقَه لها، وهذه الرسالة مطبوعة بالمطبعة السلفية بمصر وتسمى “رسالة شيخ الطريقة محي الدين بن عربي إِلى الإِمام ابن الخطيب الري المعروف بفخر الرازي” نسخها وأبرزها وصححها عبد العزيز الميمني الراجقوتي الأثري المقرىء بالجامعة الإِسلامية في عليكرة بالهند عام 1334 في مجموعة ثلاث رسائل].







10 - العز بن عبد السلام رحمه الله تعالى:

قال سلطان العلماء عز الدين بن عبد السلام رحمه الله تعالى [عز الدين بن عبد السلام يلقب بشيخ العلماء وبسلطان العلماء ولد سنة 577هـ، وتوفي سنة 660هـ. انتهت إِليه الإِمامة، وبلغ منزلة الاجتهاد مع الزهد والورع. ولد بالشام، ووفد مصر فأقام بها أكثر من عشرين عاماً، ناشراً للعلم آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر. وألَّفَ كتباً كثيرة، وأخذ التصوف عن شهاب الدين السهروردي، وسلك على يد الشيخ أبي الحسن الشاذلي رحمه الله تعالى، وكان يقول إِذا حضر مجلسه وسمع كلامه: هذا كلام قريب العهد بالله]:

(قعد القوم من الصوفية على قواعد الشريعة التي لا تنهدم دنيا وأخرى ، وقعد غيرهم على الرسوم، ومما يدلك على ذلك، ما يقع على يد القوم من الكرامات وخوارق العادات، فإِنه فرع عن قربات الحق لهم، ورضاه عنهم، ولو كان العلم من غير عمل، يرضي الحق تعالى كل الرضى، لأجرى الكرامات على أيدي أصحابهم، ولو لم يعملوا بعلمهم، هيهات هيهات) [نور التحقيق للشيخ حامد صقر ص96].







11 - الإمام النووي رحمه الله تعالى:

قال الإِمام النووي رحمه الله تعالى في رسالته المقاصد: أصول طريق التصوف خمسة:

1 - تقوى الله في السر والعلانية.

2 - اتباع السنة في الأقوال والأفعال.

3 - الإِعراض عن الخلق في الإِقبال والإِدبار.

4 - الرضى عن الله في القليل والكثير.

5 - الرجوع إِلى الله في السراء والضراء) [مقاصد الإِمام النووي في التوحيد والعبادة وأصول التصوف ص20 توفي الإِمام النووي سنة 676هـ في قرية من قرى الشام تسمى: نوى].





12 - ابن تيمية رحمه الله تعالى:

تحدث أحمد بن تيمية رحمه الله تعالى عن تمسك الصوفية بالكتاب والسنة في الجزء العاشر من مجموع فتاويه فقال: (فأما المستقيمون من السالكين كجمهور مشايخ السلف مثل الفضيل بن عياض، وإبراهيم بن أدهم، وأبي سليمان الداراني، ومعروف الكرخي، والسري السقطي، والجنيد بن محمد، وغيرهم من المتقدمين، ومثل الشيخ عبد القادر [الجيلاني] والشيخ حماد، والشيخ أبي البيان، وغيرهم من المتأخرين، فهم لا يسوغون للسالك ولو طار في الهواء، أو مشى على الماء، أن يخرج عن الأمر والنهي الشرعيين، بل عليه أن يعمل المأمور ويدع المحظور إِلى أن يموت. وهذا هو الحق الذي دل عليه الكتاب والسنة وإِجماع السلف، وهذا كثير في كلامهم) [مجموع فتاوى أحمد بن تيمية ج10. ص516 -517].







13 - الإِمام الشاطبي رحمه الله تعالى:

ذَكَرتْ “المسلم مجلة العشيرة المحمدية” تحت عنوان: الإِمام الشاطبي [الشاطبي هو إِبراهيم بن موسى اللخمي الغرناطي المالكي المتوفى سنة 790هـ]. صوفي سلفي للسيد أبي النقى أحمد خليل: (كتاب الاعتصام من الكتب التي يعتبرها المُتسلِّفة مرجعاً أساسياً لبعض آرائهم، ويرون في الشيخ أبي إِسحاق الشاطبي إِماماً لهم، وقد عقد الإِمام الشاطبي في كتابه هذا فصولاً كريمة عن التصوف الإِسلامي، وأثبت أنه من صميم الدين، وليس هو مبتدَعاً، ووفَّى المقام هناك بما تخرس له الألسن، وتسلم له العقول والقلوب، فاستمعْ إِلى الإِمام الشاطبي يقول:



إِن كثيراً من الجهال، يعتقدون في الصوفية أنهم متساهلون في الاتباع والتزام ما لم يأت في الشرع التزامه، مما يقولون به ويعملون عليه، وحاشاهم من ذلك أن يعتقدوه أو يقولوا به. فأول شيء بَنَوْا عليه طريقهم اتباع السنة واجتناب ما خالفها، حتى زعم مُذكِّرُهُم وحافظ مأخذهم، وعمود نحلتهم أبو القاسم القشيري: إِنهم إِنما اختصوا باسم التصوف انفراداً به عن أهل البدع. فذكر أن المسلمين بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يتسَمَّ أفاضلهم في عصرهم باسم عَلَمٍ سوى الصحبة، إِذ لا فضيلةَ فوقها، ثم سمي من يليهم التابعون، ثم اختلف الناس، وتباينت المراتب، فقيل لخواص الناس ممن لهم شدة عناية في الدين: الزهاد والعبَّاد. قال: ثم ظهرت البدع وادَّعى كل فريق أن فيهم زهاداً وعُبَّاداً، فانفرد خواص أهل السنة، المراعون أنفسهم مع الله، والحافظون قلوبهم عن الغفلة باسم التصوف، فتأمل تغنم، والله أعلم) [المسلم مجلة العشيرة المحمدية، عدد ذي القعدة سنة 1373هـ].





14 - ابن خلدون رحمه الله تعالى:

وقال ابن خلدون رحمه الله تعالى في كلامه عن علم التصوف: (هذا العلم من العلوم الشرعية الحادثة في الملة، وأصله أن طريقة هؤلاء القوم لم تزل عند سلف الأمة وكبارها من الصحابة والتابعين ومَن بعدَهم طريقةَ الحق والهداية، وأصلُها العكوفُ على العبادة والانقطاع إِلى الله تعالى، والإِعراضُ عن زخرف الدنيا وزينتها، والزهدُ فيما يُقبِل عليه الجمهور من لذة ومال وجاه، والانفرادُ عن الخلق في الخلوة للعبادة. وكان ذلك عامّاً في الصحابة والسلف، فلمَّا فشا الإِقبال على الدنيا في القرن الثاني وما بعده، وجنح الناس إِلى مخالطة الدنيا، اختص المقبلون على العبادة باسم الصوفية) [مقدمة ابن خلدون ص328. وهو عبد الرحمن بن الشيخ أبي بكر محمد بن خلدون الحضرمي ولد عام 732هـ وتوفي سنة 808هـ].





15 - تاج الدين السبكي رحمه الله تعالى:

وقال الشيخ تاج الدين السبكي رحمه الله تعالى في كتابه معيد النعم ومبيد النقم، تحت عنوان الصوفية: (حَيَّاهمُ الله وبيَّاهم وجمعنا في الجنة نحن وإِياهم. وقد تشعبت الأقوال فيهم تشعباً ناشئاً عن الجهل بحقيقتهم لكثرة المُتلبِّسين بها، بحيث قال الشيخ أبو محمد الجويني: لا يصح الوقف عليهم لأنه لا حدَّ لهم. والصحيح صحته، وأنهم المعرضون عن الدنيا المشتغلون في أغلب الأوقات بالعبادة.. ثم تحدث عن تعاريف التصوف إِلى أن قال: والحاصل أنهم أهل الله وخاصته الذين ترتجى الرحمة بذكرهم، ويُستنزل الغيث بدعائهم، فرضي الله عنهم وعنَّا بهم) [كتاب معيد النعم ومبيد النقم ص119 للإِمام تاج الدين عبد الوهاب السبكي المتوفى سنة 771هـ].





16 - جلال الدين السيوطي رحمه الله تعالى:

وقال العلامة المشهور جلال الدين السيوطي رحمه الله تعالى في كتابه تأييد الحقيقة العليَّة: (إِن التصوف في نفسه علم شريف، وإِن مداره على اتباع السنة وترك البدع ، والتبرِّي من النفس وعوائدها وحظوظها وأغراضها ومراداتها واختياراتها، والتسليمِ لله، والرضى به وبقضائه، وطلبِ محبته، واحتقارِ ما سواه.. وعلمتُ أيضاً أنه قد كثر فيه الدخيل من قوم تشبهوا بأهله وليسوا منهم، فأدخلوا فيه ما ليس منه، فأدى ذلك إِلى إِساءة الظن بالجميع، فوجَّه أهلُ العلم للتمييز بين الصنفين ليُعلمَ أهل الحق من أهل الباطل، وقد تأملتُ الأمور التي أنكرها أئمة الشرع على الصوفية فلم أرَ صوفياً محقِّقَاً يقول بشيء منها، وإِنما يقول بها أهل البدع والغلاةُ الذين ادَّعَوْا أنهم صوفية وليسوا منهم) [تأييد الحقيقة العلية ص57. للعلامة جلال الدين السيوطي المتوفى سنة 911هـ].







17 - ابن عابدين رحمه الله تعالى:

وتحدَّثَ خاتمة المحققين العلامة الكبير والفقيه الشهير الشيخ محمد أمين المشهور بابن عابدين رحمه الله تعالى في كتابه المسمى مجموعة رسائل ابن عابدين الرسالة السابعة [شفاء العليل وبَلُّ الغليل في حُكْمِ الوصية بالختمات والتهاليل] عن البدع الدخيلة على الدين مما يجري في المآتم والختمات، من قِبل أشخاص تزيَّوْا بزِي العلم، وانتحلوا اسم الصوفية، ثم استدرك الكلام عن الصوفية الصادقين حتى لا يُظن أنه يتكلم عنهم عامة فقال: (ولا كلام لنا مع الصُدَّقِ من ساداتنا الصوفية المبرئين عن كل خصلة رديَّة، فقد سُئل إِمامُ الطائفتين سيدنا الجنيد: إِن أقواماً يتواجدون ويتمايلون؟ فقال: دعوهم مع الله تعالى يفرحون، فإِنهم قوم قطَّعت الطريقُ أكبادَهم، ومزَّق النصبُ فؤادَهم، وضاقوا ذرعاً فلا حرج عليهم إِذا تنفسوا مداواةً لحالهم، ولو ذُقْتَ مذاقهم عذرتهم في صياحهم.. وبمثل ما ذكره الإِمام الجنيد، أجاب العلامة النحرير ابن كمال باشا لما استفتي عن ذلك حيث قال:

ما في التَّواجُدِ إِن حقَّقْتَ من حرجٍ ولا التمايلِ إِن أخلْصَتَ من بَاسِ

فقمتَ تسعى على رِجْلٍ وحُقَّ لِمَنْ دعاه مولاه أن يسعى على الرِّاسِ



الرخصة فيما ذكر من الأوضاع عند الذكر والسماع للعارفين الصارفين أوقاتهم إِلى أحسن الأعمال، السالكين المالكين لضبط أنفسهم عن قبائح الأحوال، فهم لا يستمعون إِلا من الإِله، ولا يشتاقون إِلاَّ له؛ إِنْ ذكروه ناحوا، وإِن شكروه باحوا، وإِن وجدوه صاحوا، وإِن شهدوه استراحوا، وإِن سرحوا في حضرات قربه ساحوا. إِذا غلب عليهم الوجد بغلباته، وشربوا من موارد إِراداته، فمنهم مَنْ طرقتْه طوارق الهيبة فخرَّ وذاب، ومنهم من برِقتْ له بوارق اللطف فتحرَّك وطاب، ومنهم من طلع عليهم الحِبُّ من مطلع القرب فسكر وغاب. هذا ما عَنَّ لي في الجواب، والله أعلم بالصواب.

وأيضاً فإِن سماعهم ينتج المعارف الإِلهية، والحقائق الربانية، ولا يكون إِلا بوصف الذات العلية والمواعظ الحِكَمِيَّة، والمدايح النبوية.

ولا كلام لنا أيضاً مع من اقتدى بهم، وذاق من مشربهم، ووجد من نفسه الشوق والهيام في ذات الملك العلاَّم، بل كلامنا مع هؤلاء العوام، الفسقة اللئام.. إِلخ) [الرسالة السابعة، شفاء العليل وبل الغليل في حكم الوصية بالختمات والتهاليل ص172 -173 للفقيه الكبير ابن عابدين ولد سنة 1198 وتوفي 1252هـ وقد ذكرنا سابقاً شيئاً من ترجمته].







18 - الشيخ محمد عبده رحمه الله تعالى:

ذكرت مجلة المسلم مقالة تحت عنوان رأي الشيخ محمد عبده في التصوف، نقلها عنه المرحوم الشيخ علي محفوظ في رسالة الإِبداع فقال: (قال الشيخ محمد عبده رحمه الله تعالى: قد اشتبه على بعض الباحثين في تاريخ الإِسلام وما حدث فيه من البدع والعادات التي شوهتْ جماله، السببُ في سقوط المسلمين في الجهل، فظنوا أن التصوف من أقوى الأسباب لوقوع المسلمين في الجهل بدينهم وبُعدهم عن التوحيد الخالص الذي هو أُسُّ النجاة، ومدار صحة الأعمال، وليس الأمر كما ظنوا، فنذكر لك الغرض منه على وجه الإِجمال، وما آل إِليه أمره بعد ذلك.

ظهر التصوف في القرون الأولى للإِسلام، فكان له شأن عظيم، وكان المقصود منه في أول الأمر تقويم الأخلاق وتهذيب النفوس، وترويضها بأعمال الدين وجذبها إِليه، وجعله وجداناً لها، وتعريفها بحِكَمه وأسراره بالتدريج. وكان الفقهاء الذين وقفوا عند ظواهر الأحكام المتعلقة بأعمال الجوارح والمعاملات ينكرون عليهم معرفة أسرار الدين، ويرمونهم بالزيغ والإِلحاد، وكانت السلطة للفقهاء لحاجة الأمراء والسلاطين إِليهم، فاضطر الصوفية إِلى إِخفاء أمرهم، ووضْع الرموز والاصطلاحات الخاصة بهم، وعدم قبول أحد معهم إِلا بشروط واختبار طويل، فقالوا: لابد فيمن يحب أن يكون معنا أن يكون أولاً طالباً فمريداً فسالكاً، وبعد السلوك إِما أن يصل وإِما أن ينقطع، فكانوا يختبرون أخلاق الطالب وأطواره زمناً طويلاً، ليعلموا أنه صحيح الإِرادة صادق العزيمة، لا يقصد مجرد الوقوف على أسرارهم، وبعد الثقة يأخذونه بالتدريج شيئاً فشيئاً) [مجلة المسلم - العدد السادس - غرة المحرم 1378هـ. ص24. ولد الشيخ محمد عبده 1266هـ. وتوفي 1323هـ في مصر].





19 - الأمير شكيب أرسلان رحمه الله تعالى:

جاء في كتاب حاضر العالم الإِسلامي للأمير شكيب أرسلان رحمه الله تعالى تحت عنوان: نهضة الإِسلام في أفريقيا وأسبابها: (وفي القرن الثامن عشر والتاسع عشر حصلت نهضة جديدة عند أتباع الطريقتين: القادرية والشاذلية، ووُجدت طريقتان، هما: التيجانية والسنوسية.

فالقادرية هم أحمسُ مبشري الدين الإِسلامي في غربي أفريقيا من السنيغال إِلى بنين التي بقرب مصب النيجر. وهم ينشرون الإِسلام بطريقة سلمية بالتجارة والتعليم، وتجد التجار الذين من السونينكة والماندجولة المنتشرين على مدن النيجر وفي بلاد كارتا وماسينة، كلهم من مريدي الطريقة القادرية. ومِنْ مريديهم من يخدمون في مهنة الكتابة والتعليم، ويفتحون كتاتيب ليس في زوايا الطريقة فقط، بل في كل القرى، فيلقِّنون صغار الزنج الدين الإِسلامي أثناء التعليم، ويرسلون النجباء من تلاميذهم على نفقة الزوايا إِلى مدارس طرابلس والقيروان وجامع القرويين بفاس والجامع الأزهر بمصر. فيُخرَّجون من هناك طلبة مجازين، أي أساتذة، ويعودون إِلى تلك البلاد لأجل مقاومة التبشير المسيحي في السودان) [“حاضر العالم الإِسلامي” ج2. ص396].

وتحدث عن شيخ الطريقة القادرية فقال: (وكان عبد القادر الجيلاني الموجود في جيلان من فارس متصوفاً عظيماً زكي النشأة، وله أتباع لا يُحصى عددهم، ووصلت طريقته إِلى أسبانيا، فلما زالت دولة العرب من غرناطة انتقل مركز الطريقة القادرية إِلى فاس، وبواسطة أنوار هذه الطريقة زالت البدع من بين البربر، وتمسكوا بالسنة والجماعة، كما أن هذه الطريقة هي التي في القرن الخامس عشر، اهتدى على يدها زنوج غربي أفريقيا.

وتحدث عن السنوسية فقال: فالسنوسية نشروا طريقتهم في وادي والبافيرمي وبوركو، وتبعوا نهر بينوى إِلى أن بلغوا النيجر الأدنى حيث نجدهم يَهدون تلك القبائل إِلى الإِسلام. وبواسطة السنوسية صارت نواحي بحيرة تشاد هي مركز الإِسلام العام في أواسط أفريقيا، ويُقوَّم عدد مريدي الطريقة السنوسية بأربعة ملايين، وطريقة هؤلاء الجماعة في التبشير هي أن يشتروا الأرقاء صغاراً من السودان، ويربُّوهم في جغبوب وغذامس وغيرها، ثم متى بلغوا أشدَّهم وأكملوا تحصيل العلم أعتقوهم، وسرحوهم إِلى أطراف السودان، يَهدون أبناء جلدتهم الباقين على الفتيشية.

وهكذا يرحل كل سنة مئات من مبشري السنوسية لِبَثِّ دعاية الإِسلام في جميع أفريقيا الداخلية، من سواحل الصومال شرقاً، إِلى سواحل السينغامبية غرباً، ولقد حَذَا سيدي محمد المهدي وأخوه سيدي محمد الشريف حذو والدهما في السعي إِلى الغرض الذي توخاه، ألا وهو تخليص الإِسلام من النفوذ الأجنبي، وإِعادة الإِمامة العامة كما كانت في عصر الخلفاء. وبالإِجمال: فإِن مريدي هذه الطرق هم الذين سعوا في نشر الإِسلام، وَوُفِّقُوا إِليه في أفريقيا) [“حاضر العالم الإِسلامي” ج2. ص400].

وتحدث عن السنوسية أيضاً بقوله: (وأيُّ دليل أقطع من المبشرين السنوسين الحُمَّس الغُيَّر الذين خرَّجتهم زوايا الصحراء، وهم يُعدُّون بالألوف المؤلَّفةِ، وما انفكوا يجوبون كل بلاد وثنية مبشرين بالوحدانية داعين إِلى الإِسلام. وهذه الأعمال التي قام بها المبشرون المسلمون في غربي أفريقيا وأوسطها خلال القرن التاسع عشر إِلى اليوم لَعجيبةٌ من العجائب الكبرى، وقد اعترف عدد كبير من الغربيين بهذا الأمر، فقد قال أحد الإِنكليز في هذا الصدد منذ عشرين سنة: إِن الإِسلام ليفوز في أواسط أفريقيا فوزاً عظيماً، حيث الوثنية تختفي مِن أمامه اختفاء الظلام من فلق الصباح، وحيث الدعوة النصرانية كأنها خرافة من الخرافات..) [“حاضر العالم الإِسلامي” ج1. ص301].

وتحدَّثَ عن الطريقة الشاذلية فقال: (وأما الشاذلية فنسبتها إِلى أبي الحسن الشاذلي، أخذ عن عبد السلام بن مشيش، الذي أخذ عن أبي مدين وكانت ولادة أبي مدين في إِشبيلية سنة 1127 ميلادية، وقرأ في فاس، وحجَّ البيت الحرام، ثم استقر يعلم التصوف في بجاية، وتبعه خلقٌ كثير.. وهي من أوليات الطرق التي أدخلت التصوف في المغرب، ومركزها بوبريت في مراكش. وكان من أشياخها سيدي العربي الدرقاوي المتوفى سنة 1823م الذي أوجد عند مريديه حماسة دينية شديدة امتدت إِلى المغرب الأوسط، وكان للدرقاوية دور فعال في مقاومة الفتح الفرنسي) [“حاضر العالم الإِسلامي” ج1. ص301].

وختم الأمير شكيب أرسلان موضوعه عن نهضة الإِسلام في أفريقيا فقال: (وأكثر أسباب هذه النهضة الأخيرة راجعة إِلى التصوف والاعتقاد بالأولياء) [“حاضر العالم الإِسلامي” ج1. ص301].





20ـ الشيخ رشيد رضا رحمه الله تعالى:

قال الشيخ رشيد رضا رحمه الله تعالى: (لقد انفرد الصوفية بركن عظيم من أركان الدين، لا يطاولهم فيه مطاول، وهو التهذيب علماً وتخلقاً وتحققاً، ثم لما دونت العلوم في الملة، كتب شيوخ هذه الطائفة في الأخلاق ومحاسبة النفس..) [مجلة المنار السنة الأولى ص726].





21 - الشيخ محمد راغب الطباخ رحمه الله تعالى:

قال الأستاذ والمؤرخ محمد راغب الطباخ رحمه الله تعالى في كتابه الثقافة الإِسلامية: (فإِذا كان التصوف عبارة عن تزكية النفوس وتصفية الأخلاق، فنعمَ المذهبُ ونعمَ المقصدُ، وذلك هو الغاية من بعثة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ففي الحديث عنه عليه الصلاة والسلام: “إِنما بُعثتُ لأتمم مكارم الأخلاق” [رواه البخاري في الأدب المفرد في باب حسن الخلق عن أبي هريرة رضي الله عنه، وأخرجه الإِمام أحمد والبيهقي والحاكم في الترجمة النبوية وقال: صحيح على شرط مسلم]. وقد تأملنا سيرة الصوفية في القرون الأولى من الإِسلام، فوجدناها سيرة حسنة جميلة مبنية على مكارم الأخلاق والزهد والورع والعبادة، منطبقة على الكتاب والسنة. وقد صرَّح بذلك سيد هذه الطائفة أبو القاسم الجنيد رحمه الله تعالى كما في ترجمته في تاريخ ابن خَلِّكَانْ حيث قال: مذهبنا هذا مقيد بأصول الكتاب والسنة.

وفي شرح الإِحياء للعلامة الزبيدي ج1 ص174: وقال الجنيد: الطرق كلها مسدودة على الخلق، إِلا على من اقتفى أثر الرسول صلى الله عليه وسلم. وهي في ترجمته في الرسالة [القشيرية] ص19. وفيها: قال الجنيد: من لم يحفظ القرآن، ولم يكتب الحديث، لا يقتدى به في هذا الأمر، لأن علمنا مقيد بالكتاب والسنة. ثم قال بعد السند عن الجنيد: مذهبنا هذا مقيد بأصول الكتاب والسنة. وقال الجنيد: عِلْمُنا هذا مشيَّد بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وقال سري السقطي: التصوف اسم لثلاثة معان: وهو الذي لا يطفئ نورُ معرفته نورَ ورعه، ولا يتكلم بباطنِ علمٍ ينقضه عليه ظاهرُ الكتاب، ولا تحمله الكرامات على هتك محارم الله تعالى.

وفي شذرات الذهب ج5. ص279 في ترجمة أبي الحسن الشاذلي، ومن كلامه: كل علم تسبق إِليك فيه الخواطر، وتميل النفس وتلتذ به فارم به، وخذ بالكتاب والسنة.

ولغيرهم في هذا الباب عبارات كثيرة، تجدها منثورة في كتاب التعرف لمذهب أهل التصوف للإِمام الكلاباذي، وفي الرسالة القشيرية وغيرهما..

وهؤلاء فوق ما اتصفوا به من تهذيب النفس والورع والزهد والعبادة، قد قاموا في عصورهم بالواجب عليهم؛ من إِرشاد الخلق إِلى الحق، والدعوة إِليه، وصدّهم الناسَ عن التكالب على الدنيا وجمع حطامها من أي وجه كان، والاسترسال في الشهوات والملذات مما يؤدي إِلى الانهماك في المحرمات والغفلة عن الواجبات وما خُلِق الإِنسان له، وتكون نتيجة ذلك انتشار الفوضى، وظهور الفساد، وكثرة البغي والهرج.

فكان هؤلاء بوعظهم وإِرشادهم، والحِكَمِ والحقائق التي تفجرت من ينابيع قلوبهم، هم حراس الأخلاق، والآخذين بيد الأمة إِلى مناهج الحق وسبل الرشاد، والدعاة إِلى السعادة الحقيقية، وهي قيام الإِنسان بجميع ما أُمر به مع عدم نسيانه نصيبَه من الدنيا، فكانوا في جملة السامعين في هذه الأمة والمجيبين لقوله تعالى: {وَلْتَكُنْ منكُمْ أُمَّةٌ يَدعونَ إلى الخيرِ ويأمُرونَ بالمعروفِ وينْهَونَ عنِ المنكرِ وأولئكَ هم المُفْلِحُونَ} [آل عمران: 104].

فسلفُ الصوفية هم أعلام الملة وسادة الأمة وسراجها الوهاج ونورها الوضاح، وبهم وبأمثالهم من المحدِّثين والفقهاء اهتدت الأمة إِلى الصراط المستقيم، وسلكت المنهاج القويم، وانتظمت أحوال معاشهم، وصلحت أُمور معادهم، وفازوا فوزاً عظيماً.

وإِذا تتبعنا آثار الصوفية وتراجمهم، نجد أن الكثير منهم قد كان للواحد منهم أتباع يعدون بالألوف، كلما انتسب إِليه شخص آخى بينه وبين سابقيه؛ فتمكنتْ بين أتباعه والمنتسبين إِليه أواصر الأُلفة وروابط المحبة، وتواسوا فيما بينهم، وتواصوا بالحق، وعطف غنيُّهم على فقيرهم، ورحم كبيرُهم صغيرَهم، فأصبحوا بنعمة الله إِخواناً، وصاروا كالجسد الواحد، وكانوا في منتهى الطاعة والانقياد لشيخهم، يقومون لقيامه، ويقعدون لقعوده، ويمتثلون أوامره، ويتبادرون لأدنى إِشاراته.

ومن جليل أعمال الصوفية وآثارهم الحسنة في الأمة الإِسلامية أن الملوك والأمراء متى قصدوا الجهاد، كان الكثير من هؤلاء بإِيعاز، وبغير إِيعاز يُحرِّضون أتباعهم على الخروج إِلى الجهاد. ولعظيم اعتقادهم فيهم، وانقيادهم لهم كانوا يبتدرون إِلى الانتظام في سلك المجاهدين، فيجتمع بذلك عدد عظيم من أطراف ممالكهم، وكثيراً ما كان أولئك يرافقون الجيوش بأنفسهم،ويدافعون ويحرِّضون؛ فيكون ذلك سبباً للظفر والنصر.

وإِذا تَتبَّعْتَ بطون التاريخ وجدْتَ من ذلك شيئاً كثيراً، على أننا لا ننسى أن مثل هذا العمل قد كان في كثير من المحدِّثين والعلماء العاملين.

ومن آثار الصوفية أنه إِذا حصل اختلاف بين الناس في أمور دنياهم وخصوصاً بين إِخوانهم المنسوبين إِليهم، فإِنهم يرجعون إِلى شيخهم، فيفصل بينهم بما أنزل الله، ويعودون وهم راضون، ويستغنون عن الترافع إِلى الحكام لفصل ما بينهم من الخصومات.

وهذا مما شاهدناه بأعيننا، وسمعناه بآذاننا في أوائل هذا القرن من بعض بقاياهم، بل كان بعض الناس يُنذر أخاه بالشكوى إِلى الشيخ إِن لم ينصفه، فيعود هذا إِلى حظيرة الحق خشية أن يبلغ الشيخ عنه شيئاً، وهو يحرص أن تبقى سمعته لديه طيبة وسيرته حسنة) [الثقافة الإِسلامية للمؤرخ الكبير الأستاذ محمد راغب الطباخ ص302 -304 ولد 1293هـ وتوفي 1370هـ في حلب].





22 - أحمد الشرباصي:

قال الأستاذ الشيخ أحمد الشرباصي الكاتب الإِسلامي المعروف والمدرِّس في الأزهر الشريف في مجلة الإِصلاح الاجتماعي تحت عنوان: الأخلاق عند الصوفية، بعد أن تحدث عن التصوف وتعريفه واشتقاقه: (وأنا أعتقد أن حقيقة التصوف الكاملة،هي مرتبة الإِحسان الذي حدده رسول الإِسلام محمد عليه الصلاة والسلام في حديث جبريل حين قال: “الإِحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإِن لم تكن تراه فإِنه يراك” [رواه مسلم في صحيحه في كتاب الإِيمان عن عمر رضي الله عنه]. ومن هذا تفهم أن كثيراً من أدعياء التصوف لا ينطبق عليهم ذلك القانون الدقيق العميق، فهم عن حقيقته خارجون.

وأساس التصوف في الواقع هو تربية الذوق. والخُلُق الكريم ليس إِلا ذوقاً سليماً، تتغلب به شخصية الإِنسان على شخصية الحيوان في حياة الناس.

وقد اهتم الصوفية أكبر الاهتمام بالأخلاق، بل لقد جعلوا الأخلاق في مناهجهم،هي العماد والسناد،وهي عمود أمرهم كله، بحيث لو رفعتَ كلمة التصوف، ووضعتَ بدلها كلمة الأخلاق لما فارقتَ الحقيقة، ولما جانبتَ الواقع في قليل أو كثير، لأن العمدة في التصوف على مجاهدة النفس وتطهيرها، وتحليتها بكل جمال وكمال، وهذا جماع مكارم الأخلاق.

ولقد كان من مظاهر اهتمام الصوفية بالجوانب الأخلاقية أنهم تبنَّوْا حركة الفتوة ومبادىء الفروسية، ومزجوا بين مبادئهم ومبادىء الفتيان، حتى تكوَّن من ذلك في تاريخ الفتوة فصل مستقل،اتخذ عنوان فتوة الصوفية. ومن هذا أخذ الصوفية مبدأ الإِيثار،وتقديم الغير على النفس، حتى قال القشيري: أصْلُ الفتوة أن يكون العبد أبداً في أمر غيره. وقال ابن أبي بكر الأهوازي: أصل الفتوة ألا ترى لنفسك فضلاً أبداً.

وأخذوا بمبادىء كفِّ الأذى، وبذلِ الندى، وكفِّ الشكوى، وسترِ البلوى، والعفوِ عن العِدا، والسمِّو إِلى العُلا.

وهم يأخذون بالمبدأ الأخلاقي المحمدي: “طُوبى لِمَنْ شغله عيبُه عن عيوب الناس” [رواه الديلمي في الفردوس عن أنس رضي الله عنه]. ولذلك يقول ابن عطاء الله السكندري، وهو ممن جمع بين عمق التفكير وروعة التعبير: تشوُّفُك إِلى ما بطَنَ فيك من العيوب خيرٌ من تشوفك إِلى ما حُجِبَ عنك من الغيوب.

ومن منهاج الصوفية الأخلاقي عملهم بمختلف الوسائل والأسباب على إِماتة المطامع،لتقوى الشخصية الروحية في نفس الإِنسان. ولذا قال أبو بكر الوراق وهو من أعلام القوم: لو قيل للطمع من أبوك؟ لأجاب: الشك في المقدور. فلو قيل له: فما هي حرفتك؟ لأجاب: اكتساب الذل، فلو قيل له: فما هي غايتك؟ لأجاب: الحرمان. وفي هذا المجال يقول ابن عطاء الله السكندري: ما بَسَقَتْ أغصانُ ذلِّ إِلا على بذر طمع.

وقد قَدِمَ الإِمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه البصرة، فدخل جامعها، فوجد القُصَّاص يقصون على الناس، فأقامهم، حتى إِذا جاء إِلى الحسن البصري، وهو سيد الفتيان عند الصوفية، فقال له علي: يا فتى! إِني سائلك عن أمر؛ فإِن أجبتني أبقيْتُك، وإِلا أقمتك كما أقمت أصحابك - وكان قد رأى عليه سَمْتاً وهدياً - فقال الحسن: سل ما شئت. فقال علي: ما مِلاكُ الدين؟ فقال الحسن: الورع. قال: فما فساد الدين؟ قال: الطمع. قال: اجلس، فمثلك من يتكلم على الناس.

وهمَّ ابن عطاء الله السكندري يوماً بشيء من الطمع، فسمع هاتفاً يقول له: السلامةُ في الدين بترك الطمع في المخلوقين.

وصاحب الطمع لا يشبع أبداً، ألا ترى أن حروفه كلها مجوفة، الطاء والميم والعين؟!. ولما علَّم الصوفيةُ أتباعَهم القناعة والاستغناء فتحوا أمامهم الباب إِلى الأَنفةِ والعزَّةِ، ومن هنا نراهم يتحدثون كثيراً عن استخفافهم بالبغي والبغاة، وعدم اكتراثهم بالطغيان أو الطغاة، وعدم اغترارهم بالجاه أو أصحاب الجاه.

ومن منهاج الصوفية الأخلاقي الدعوة إِلى التضحية والجهاد، والتحريض على استجابة داعي الكفاح والاستشهاد.

ومن منهاجهم الأخلاقي تعليمُ الصبر والمبالغة فيه، وكِدْتُ أقول والإِسراف فيه، فلقد دخل ذو النون على أخ له صوفي مريض، واشتد الداء به فأنَّ أنَّةً، فقال له ذو النون: ليس بصادق في حبه من لم يصبر على ضربه. فقال المريض كالمستدركِ: بل ليس بصادق في حبه من لم يتلذذ بضربه..

ومن منهاجهم الأخلاقي التنشئةُ على المراقبة لله، حتى يرث العبد من وراء هذه المراقبة صلة بالله وقرباً منه. ومن لطائفهم في التربية الأخلاقية، أنهم يطالبون إِخوانهم باليسر والسهولة والمطاوعة في الصداقة، حتى لا تكون هناك كُلفةٌ، وما دام الصوفي قد وثق بأخيه ديناً وخُلُقاً وتصرفاً؛ فلا محل لاعتراضه عليه في شيء. ويتصل بهذا تنفيرُهم من الاغترار بالطاعة، وإِبعادُهم عن اليأس من المغفرة

ومن منهاجهم الأخلاقي تعليمُ الثبات والرزانة وعدم الاستجابة لدواعي الاستخفاف) [مجلة الإِصلاح الاجتماعي ص4].

وقال الأستاذ أحمد الشرباصي أيضاً في تقدمته لكتاب نور التحقيق: (هذا هو التصوف الجليل النبيل، أضاعه أهلهُ، وحافَ عليه أعداؤه الصرحاء، وشوَّه جماله أدعياؤه الخبثاء، وتطاول عليه الزمن، وهو مجهول منكور، أو مذموم محذور، على الرغم من جماله وعظم رجاله الماضين وأبطاله، واتساع اختصاصه ومجاله، وخطورة أقواله وأعماله، فغدا كالدرة الثمينة حجبتها اللفائف السود؛ فظنها الجاهلون سوداء بسواد لفائفها، وهم لو وصلوا إِليها، وجلَوْا عنها ما حاق بها أو حاطها من أستار لانبهرتْ أعينهم من ساطع الضياء وفريد البهاء.

لهفي على التصوف الحق الناطق بنقائه وصفائه، أين الذين يُطلِعون الحيارى من أبناء الكون على ما فيه من أخبار وأسرار؟! أين الذين يصرخون بين القطعان الضالة من البشر، ليقولوا لها: إِن التصوف جزء من الإِسلام وجانب من هدي الرسول عليه الصلاة والسلام، وأن التصوف مظلوم، فقد أضيف إِليه كثير مما ليس منه عن حسن نية أو سوء قصد، وقد كتم أدعياؤه كثيراً من أموره، وقد تطاول عليه بالتحريف قوٌم نَكِلُ حسابهم إِلى الله، وقد تسرع بالسخرية منه مَنْ لم يطرقوا بابه، ولم يذوقوا شرابه، ولم يطالعوا كتابه.. ولم يجد التصوف الكريم الذي أضاعه الناس مع هذه العوامل الهدامة كلها من يأخذ بناصره، أو يجلو الغياهبَ عن مآثره، أو يعرض على الشانئين أو الخاطئين سلاسل مفاخره. وقد علمتْنَا الدراسات والتجارب أن الحق إِذا لم يجد أهلاً، ولم يفز بمؤيد أو مستجيب انطوى وتوارى، حتى يهيء الله له بعد قليل أو طويل من يُذكِّر به أو يدعو إِليه، أو يحمل الناس رغبة أو رهبة عليه، فإِذا هو بعد انطوائه السيد المطاع.

أرأيت إِلى كنز وسيع عجيب، فيه المال الغزير الذي لا يحصى، وفيه أدوية الجسم الشافية التي لاتخون، وفيه علاج النفس الذي يهدي، وفيه نور القلب الذي لا يخبو.. ماذا يكون من شأنك لو أن إِنساناً أخبرك بوجود هذا الكنز في مكان ما، ورسم لك الطريق إِليه، وذكر لك ما تحتاجه الرحلةُ نحوه من مجهود وتكاليف؟.. ألا تحاول أن تبذل جهدك وتستنفذ طاقتك، وتعمل وسعك حتى تصل إِلى هذا الكنز الذي ستجد عنده جاه الدنيا وعز الآخرة؟..

كذلك شأن التصوف يا صاح، إِنه الدواء المخفي والكنز المطوي والسر العلمي، إِنه الدواء الذي يحتاج إِليه جسمك وفهمك وخلقك، ولكنك لن تصل إِليه ولن تنتفع به حتى تتجه بمشاعرك نحوه، وحتى تُقبل ببصرك وبصيرتك عليه، وحتى تبذل من ذات يدك، وذات نفسك ومن وقتك وبحثك ما يهيء لك البلوغ إِليه والوقوف عليه، فهل فعلت من ذلك شيئاً وقد عرفت الطريق إِلى النعيم؟.

إِنه لا يعنيني أبداً أن تكون صوفياً أوْ لا تكون، ولا يهمني كثيراً أن تكون من أعداء الصوفية أو من أوليائهم، ولكن يهمني أولاً وقبل كل شيء أن تكون على بصيرة من أمرك، وأن لا تجهل شيئاً جليلاً يطالبك دينُك وعقْلُك بأن تعرفه، ومن هنا يتحتم عليك أن تدرس التصوف لتتصوره وتفهمه وتفقهه، وبعد ذلك تحكم له أو عليه، وأزيدك بياناً فأقول لك: إِنه قد يكون في التصوف وتاريخه وسير رجاله ما أضيف إِليه أو افتراه المفترون عليه، ومن هنا يستتر حق وراء باطل، ومن هنا أيضاً يطالبك دينك بأن تقوم لتهتك حجاب الباطل، وتستضيء بنور الحق.. فهلاَّ يكفي ذلك لتحريضك على دراسة التصوف؟.

وكم أودُّ في النهاية أن تقوم حركةٌ علمية واسعة بيننا، تدور حول دراسة التصوف ونشر أسفاره، وتمحيص أُموره وموضوعاته، بل وبسط ما يُلحق به من شطحات نابية وخرافات منكرة ودسائس خبيثة، حتى نعرف الباطل ونتبين جذوره، ثم نَكُرَّ عليه بالحجة الدامغة، فإِذا الباطل زاهق، وإِذا الحق سيد مطاع.

يا أبناءَ الإِسلام! إِنَّ التصوف يحتل من أخلاقكم وتاريخكم جانباً كبيراً، وقد ضيعتموه أزماناً طوالاً، فحسْبُكم ما كان، وأقبلوا على التصوف ففيه غذاء ودواء، والله الهادي إِلى سبيل السواء) [تصدير كتاب نور التحقيق للشيخ حامد إِبراهيم محمد صقر ص1 -3].





23 - أبو الحسن الندوي:

يقول أبو الحسن علي الحسني الندوي عضو المجمع العلمي العربي بدمشق ومعتمد ندوة العلماء بالهند في بحث الصوفية في الهند وتأثيرهم في المجتمع، من كتابه المسلمون في الهند: (إِن هؤلاء الصوفية كانوا يبايعون الناس على التوحيد والإِخلاص واتباع السنة، والتوبة عن المعاصي وطاعة الله ورسوله، ويحذِّرون من الفحشاء والمنكر والأخلاق السيئة والظلم والقسوة ويرغِّبونهم في التحلي بالأخلاق الحسنة، والتخلي عن الرذائل مثل الكبر والحسد والبغضاء والظلم وحب الجاه، وتزكية النفس وإِصلاحها، ويعلمونهم ذكر الله والنصح لعباده والقناعة والإِيثار، وعلاوة على هذه البيعة التي كانت رمز الصلة العميقة الخاصة بين الشيخ ومريديه إِنهم كانوا يعِظون الناس دائماً، ويحاولون أن يُلْهِبوا فيهم عاطفة الحب لله سبحانه، والحنين إِلى رضاه، ورغبة شديدة لإِصلاح النفس وتغيير الحال..

ثم تحدث عن مدى تأثير أخلاقهم وإِخلاصهم وتعليمهم وتربيتهم، ومجالسهم في المجتمع والحياة، وضرب بعض الأمثلة التي تُلقي الضوء على هذا الواقع التاريخي فتحدث عن الشيخ أحمد الشهيد رحمه الله تعالى فقال: إِن الناس أقبلوا عليه إِقبالاً منقطع النظير، وإِنه لم يمر ببلدة إِلا وتاب عليه، وبايعه عدد كبير من الناس، وإِنه أقام في كَلْكُتَّا شهرين، ويقدر أن الذين كانوا يدخلون في البيعة لا يقل عددهم عن ألف نسمة يومياً، وتستمر البيعة إِلى نصف الليل، وكان من شدة الزحام لا يتمكن من مبايعتهم واحداً واحداً فكان يمد سبعة أو ثمانية من العمائم، والناس يمسكونها ويتوبون ويعاهدون الله، وكان هذا دأبه كل يوم سبع عشرة أو ثماني عشرة مرة..

وتحدَّث عن شيخ الإِسلام علاء الدين رحمه الله تعالى فقال: إِن السنوات الأخيرة من عهده، تمتاز بأن كسدَتْ فيها سوقُ المنكرات من الخمر والغرام، والفسق والفجور، والميسر والفحشاء بجميع أنواعها، ولم تنطق الألسن بهذه الكلمات إِلا قليلاً، وأصبحت الكبائر تشبه الكفر في أعين الناس، وظلَّ الناس يستحيون من التعامل بالربا والادخار والاكتناز علناً، وندرتْ في السوق حوادثُ الكذب والتطفيف والغش.. ثم قال: إِن تربية هؤلاء الصوفية والمشايخ ومجالسهم كانت تنشىء في الإِنسان رغبة في إِفادة الناس وحرصاً على خدمتهم ومساعدتهم..

ثم بيَّن الأستاذ الندوي أنَّ تأثير هذه المواعظ، ودخول الناس في الدين، وانقيادهم للشرع أدى إِلى أن تعطلت تجارة الخمر في كَلْكُتَّا وهي كبرى مدن الهند ومركز الإِنجليز، وكسدت سوقُها، وأقْفرت الحانات، واعتذر الخمارون عن دفع الضرائب للحكومة، متعلِّلين بكساد السوق، وتعطلِ تجارة الخمر.. ثم قال: إِن هذه الحالة كانت نتيجة أخلاق هؤلاء المصلحين والدعاة والصوفية والمشايخ وروحانيتهم، أن اهتدى بهم في هذه البلاد الواسعة عدد هائل من الناس، وتابوا عن المعاصي والمنكرات واتباع الهوى. لم يكن بوسع حكومة أو مؤسسة أو قانون أن يؤثر في هذه المجموعة البشرية الضخمة ويحيطها بسياج من الأخلاق والمبادىء الشريفة لزمنٍ طويل..

وفي ختام البحث قال الأستاذ الندوي حفظه الله تعالى: لقد كانت هناك بجهود هؤلاء الصوفية أشجار كثيرة وارفة الظلال في مئات من بلاد الهند، استراحت في ظلها القوافل التائهة والمسافرون المُتْعَبون، ورجعوا بنشاط جديد وحياة جديدة) [المسلمون في الهند ص140ـ146 للعلامة الكبير أبي الحسن الندوي].

وتحدث الأستاذ أبو الحسن الندوي في كتابه رجال الفكر والدعوة في الإِسلام عن الصوفية وأثرها في نشر الإِسلام بصدد حديثه عن الصوفي الشهير والمرشد الكبير سيدي عبد القادر الجيلاني قدس الله روحه، فقال: (وكان يحضر مجلسه نحو من سبعين ألفاً، وأسلم على يديه أكثر من خمسة آلاف من اليهود والنصارى، وتاب على يديه من العيارين والمسالحة [المسالح: الجماعة أو القوم ذووا السلاح] أكثر من مائة ألف، وفتح باب البيعة والتوبة على مصراعيه، فدخل فيه خلق لا يحصيهم إِلا الله، وصلحت أحوالهم، وحسن إِسلامهم، وظلَّ الشيخ يربيهم ويحاسبهم، ويشرف عليهم وعلى تقدمهم. وأصبح هؤلاء التلاميذ الروحانيون يشعرون بالمسؤولية بعد البيعة والتوبة وتجديد الإِيمان، ثم يجيز الشيخ كثيراً منهم ممن يرى فيه النبوغ والاستقامة والمقدرة على التربية، فينتشرون في الآفاق يدعون الخلق إِلى الله، ويربون النفوس، ويحاربون الشرك والبدع والجاهلية والنفاق، فتنتشر الدعوة الدينية وتقوم ثكنات الإِيمان ومدارس الإِحسان، ومرابط الجهاد ومجامع الأخوة في أنحاء العالم الإِسلامي.

وقد كان لخلفائه وتلاميذه، ولمَنْ سار سيرتهم في الدعوة وتهذيب النفوس من أعلام الدعوة وأئمة التربية في القرون التي تلَتْه فضل كبير في المحافظة على روح الإِسلام وشعلة الإِيمان، وحماسة الدعوة والجهاد وقوة التمرد على الشهوات والسلطات. ولولاهم لابتلعت الماديةُ التي كانت تسير في رحاب الحكومات والمدنيات هذه الأمة، وانطفأتْ شرارة الحياة والحب في صدور أفرادها. وقد كان لهؤلاء فضل كبير لنشر الإِسلام في الأمصار البعيدة التي لم تغزها جيوش المسلمين، أو لم تستطع إِخضاعها للحكم الإِسلامي وانتشر بهم الإِسلام في أفريقيا السوداء وفي أندونيسيا وجزر المحيط الهندي وفي الصين وفي الهند) [رجال الفكر والدعوة في الإِسلام لأبي الحسن الندوي ص248 -250].

وتحدث الأستاذ أبو الحسن الندوي في كتابه روائع إِقبال عن زيارته للشاعر بعد أن ذكر إِقبالٌ التصوفَ ورجاله والتجديد الإِسلامي في الهند بواسطتهم، وبعد أن أثنى على الشيخ أحمد السرهندي والشيخ ولي الله الدهلوي والسلطان محي الدين أورنك زيب رحمهم الله تعالى، قال: إِنني أقول دائماً: لولا وجودُهم وجهادهم لابتلعت الهندُ وحضارتُها وفلسفتُها الإِسلامَ) [روائع إِقبال للأستاذ أبي الحسن الندوي ص7].





24 - أبو الأعلى المودودي:

قال العلامة الكبير الأستاذ أبو الأعلى المَوْدودي في كتابه مبادىء الإِسلام تحت عنوان التصوف: (إِن علاقة الفقه إِنما هي بظاهر عمل الإِنسان فقط، ولا ينظر إِلا هل قمتَ بما أُمرِتَ به على الوجه المطلوب، أم لا؟ فإِن قمتَ فلا تهمه حالُ قلبك وكيفيته. أما الشيء الذي يتعلق بالقلب ويبحث عن كيفيته فهو التصوف، إِن الفقه لا ينظر في صلاتك مثلاً إِلا هل قد أتممْتَ وضوءك على الوجه الصحيح أم لا؟ وهل صلَّيْتَ مولياً وجهك شطر المسجد الحرام أم لا؟ وهل أدَّيْتَ أركان الصلاة كلها، أم لا؟ وهل قرأتَ في صلاتك بكل ما يجب أن تقرأ فيها أمْ لا؟ فإِن قمتَ بكل ذلك فقد صحت صلاتك بحكم الفقه.

إِلاَّ أن الذي يهم التصوف هو ما يكون عليه قلبك حين أدائك هذه الصلاة من الحالة. هل أَنبْتَ فيها إِلى ربك أم لا؟ وهل تجرَّد قَلبُك فيها عن هموم الدنيا وشؤونها أم لا؟ وهل أنشأتْ فيك هذه الصلاة خشيةَ الله واليقين بكونه خبيراً بصيراً، وعاطفة، ابتغاء وجهه الأعلى وحده أمْ لا؟ وإِلى أيِّ حدٌّ نزهت هذه الصلاة روحه؟ وإِلى أي حد أصلحتْ أخلاقه؟ وإِلى أي حد جعلته مؤمناً صادقاً عاملاً بمقتضيات إِيمانه؟. فعلى قدر ما تحصل له هذه الأمور، وهي من غايات الصلاة وأغراضها الحقيقية، في صلاته تكون صلاته كاملة في نظر التصوف، وعلى قدر ما ينقصها الكمال من هذه الوجهة، تكون ناقصة في نظر التصوف.

فهكذا لا يهم الفقه في سائر الأحكام الشرعية إِلا هل أدى المرء الأعمال على الوجه الذي أمره به لأدائها أم لا؟ أما التصوف فيبحث عما كان في قلبه من الإِخلاص وصفاء النية وصدق الطاعة عند قيامه بهذه الأعمال.

ويمكنك أن تُدرك هذا الفرق بين الفقه والتصوف بمثلٍ أضْربه لك: إِنك إِذا أتاك رجل، نظرت فيه من وجهتين: إِحداهما: هل هو صحيح البدن كامل الأعضاء؟ أم في بدنه شيء من العرج أو العمى؟ وهل هو جميل الوجه أو دميمه؟ وهل هو لابس زياً فاخراً أو ثياباً بالية؟

والوجهة الأخرى: إِنك تريد أن تعرف أخلاقه وعاداته وخصاله ومبلغه من العلم والعقل والصلاح. فالوجهة الأولى وجهة الفقه، والوجهة الثانية وجهة التصوف.

وكذلك إِذا أردْتَ أن تتخذ أحداً صديقاً لك، فإِنك تتأمل في شخصه من كلا الوجهتين، وتحب أن يكون جميل المنظر وجميل الباطن معاً.

كذلك لا تَجْمُلُ في عين الإِسلام إِلا الحياة التي فيها اتباعٌ كامل صحيح لأحكام الشريعة من الوجهتين الظاهرة والباطنة.

ومثل الذي طاعته صحيحة في الظاهر، ولكن يعوزه روح الطاعة الحقيقية في الباطن، كمثل جسد جميل قد فارقه روحُه.

ومثل الذي في عمله الكمالات الباطنة كلها، وليست طاعته صحيحة على حسب الوجه المراد في الظاهر، كمثل رجل صالح دميم الوجه مطموس العينين أعرج القدمين. وسهل عليك بهذا المثال أن تعرف العلاقة بين الفقه والتصوف.

ثم تحدث الأستاذ المودودي عن الدخلاء الذين تشبهوا بالصوفية بلباسهم وكلامهم، وباينوهم بأفعالهم وأخلاقهم وقلوبهم، والتصوف منهم براء. وهكذا شأن كل منصفٍ غيور على دينه. ثم حذر الأستاذ المودودي من هؤلاء المدَّعين فقال: (ولا يستحق من لا يتبع الرسول صلى الله عليه وسلم اتباعاً صحيحاً، ولا يتقيد بما أرشد إِليه من صراط الحق، أن يُسميَ نفسه صوفياً إِسلامياً، فإِن مثل هذا التصوف ليس من الإِسلام في شيء أبداً.. ثم بين حقيقة الصوفي الصادق وحالته المثالية التي تطابق تعاليم التصوف السامية فقال: إِنما التصوف عبارة - في حقيقة الأمر - عن حب الله ورسوله الصادق بل الولوع بهما والتفاني في سبيلهما، والذي يقتضيه هذا الولوع والتفاني ألاّ ينحرف المسلم قيد شعرة عن اتباع أحكام الله ورسوله صلى الله عليه وسلم. فليس التصوف الإِسلامي الخالص بشيء مستقل عن الشريعة، وإِنما هو القيام بأحكامها بغاية من الإِخلاص، وصفاء النية وطهارة القلب) [مبادىء الإِسلام لأبي الأعلى المودودي، موضوع التصوف. ص114 -117].





25 - صبري عابدين:

قال الأستاذ صبري عابدين في حديثه في ندوةِ لواء الإِسلام في موضوع الصوفية وعلاقتها بالدين: (شهدْتُ بنفسي كيف حال الصوفية في السودان وأريتريا والحبشة والصومال. إِن السلطة الصوفية للسيد الميرغني لها اعتبارها، وبصورة خاصة ولاية القاضي في أريتريا لا توليها الحكومة، إِنما هو يولي القاضي والخطيب والمؤذن، وله حق الولاية الدينية بصفته رئيس الطريقة الصوفية.

والواقع أن الصوفية ينشرون الإِسلام في العالم، وأذكر لكم أنه منذ خمسين عاماً، كتب الشيخ البكري كتاباً ذكر فيه نقلاً عن المبشرين يقول: إِن هؤلاء يقولون: ما ذهبنا إِلى أقاصي المناطق البعيدة عن الحضارة والمدنية في أفريقيا وأقاصي آسيا إِلا وجدنا الصوفيَّ يسبقنا إِليها، وينتصر علينا.

ليتَ المسلمين يفهمون مافي الصوفية من قوة روحية ومادية، فجنودهم مجندون للإِسلام. رأيتُ على حدود الحبشة والسودان وأريتريا بعثة سويدية للتبشير، ووجدْتُ إِلى جانبهم أكواخاً أقامها الصوفيون، وأفسدوا على المبشرين السويديّين إِقامتهم أربعين سنة. ولذلك أرجو أن نتعاون لإِخماد هذه الحركات التي تؤذينا، دينياً وسياسياً، وإِن الذين يحملون على الصوفية ليسوا فوق مستوى الشبهات، بل هم غارقون في الشبهات.. إِلى أن قال: أكبرُ المصائب التي أصابت المسلمين أنهم لم يأخذوا بالإِسلام كله، أما الصوفية فقد ألزموا أنفسهم أن يأخذوا بالإِسلام كله، بل زادوا عليه. إِنهم ألزموا أنفسهم ألاَّ يأخذوا بالرخص بل بالعزائم، مع أن الله يحب أن تؤتى رخصه كما تؤتى عزائمه. لماذا؟ لأن مذهبهم يقوم على الزهد بالمعنى الذي يفهمه العلم، وأزيد على ذلك أن أساس الزهد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم، فقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم زاهداً في هذه الحياة ولذائذها. عاش الرسول صلى الله عليه وسلم وانتقل إِلى الرفيق الأعلى ولم يأكل رغيفاً مرقَّقَاً، ولا أكل على خوان.

فرسول الله صلى الله عليه وسلم هو المثل الأعلى للخلفاء الراشدين ولِمَنْ تبعه وللمسلمين كافة. والصوفية قد ألزموا أنفسهم، كما نصوا على ذلك في كتبهم، على أنْ لا يكون بينهم صوفياً إِلا من استمسك بالكتاب والسنة، ووضعوا لذلك أُصولاً في كتبهم: الرسالة القشيرية لأبي القاسم القشيري وإِحياء علوم الدين للغزالي، وكتاب حلية الأولياء لأبي نعيم الأصفهاني، وكتاب قواعد التصوف لأحمد زروق.

وإِنا نقول: إِن الذين يبحثون في بعض العلوم وينتقدونها، وينكرونها وهم لم يطلعوا عليها، مثلهم مثل رجل لا يفهم في الطب شيئاً فينكر الطب، وكالإِسكافي الذي ينكر الهندسة.

وفي مصر هنا، في الوقت الذي جاءت جيوش الصليبية إِلى دمياط، كان للصوفية أمثال أبي الحسن الشاذلي وعز الدين بن عبد السلام، وأبي الفتح ابن دقيق العيد، وآخرين من العلماء خدمة جليلة في مقاومة الصليبيين) [مجلة لواء الإِسلام - العدد العاشر - السنة التاسعة 1375هـ - 1956م ندوة لواء الإِسلام: الصوفية وعلاقتها بالدين ص645 -647].





26 - محمد أبو زهرة:

قال الأستاذ العلامة محمد أبو زهرة في حديثه عن التصوف في ندوة لواء الإِسلام: (إِن التصوف في ظاهره يتضمن ثلاث حقائق:

الحقيقة الأولى: محاربة الهوى والشهوة، والسيطرةُ على النفس. وكان المتصوفة يأخذون بقول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه إِذ يقول: أيها الناس اقْدَعوا [اقدعوا: من قدع بمعنى: منع وكف، وقدع فرسه كبحه، كذا في القاموس] هذه النفوس عن شهواتها، فإِنها مريئة وبيئة. أي إِن الإِنسان يستمرؤها، ولكن عاقبتها وخيمة.

والحقيقة الثانية التي تتضمنها ظاهرة التصوف هي: الاتصال الروحي ومخاطبة الوجدان والنفس.

والحقيقة الثالثة: أن التصوف يقتضي في وقائعه التي نراها تابعاً ومتبوعاً، شيخاً ومريداً، يقتضي موجهاً وشخصاً يوجَّه، يقتضي استهواءً نفسياً وتوجيهاً نفسياً.

وهذه الظواهر، بصرف النظر عن أن الإِسلام قررها نظاماً، أولم يقررها. هذه الوقائع الثابتة، هل يمكن أن تتخذ سبيلاً للإِصلاح، أو أنها ضرر محض؟

أما أنها ضرر محض، فما أظن أحداً يوافق على ذلك، لأن التصوف حقيقة واقعة ككل الأشياء، يقبل أن يكون ضاراً ويقبل أن يكون نافعاً، يقبل أن يكون ممدوحاً، ويقبل أن يكون مذموماً. وحسبنا أن نقول: إِن الصلاة ذاتها مُدحتْ وذُمتْ، فقال الله تعالى: {فويلٌ للمُصلِّينَ . الذينَ هُمْ عَنْ صلاتِهم ساهونَ} [الماعون: 4 -5]. وقال سبحانه في وصف المؤمنين: {الذين يقيمون الصلاةَ ويؤتُونَ الزكاةَ وهُمْ بالآخِرَةِ هُمْ يوقنونَ} [لقمان: 4]. وكذلك التصوف التصوف - كما قال الأُستاذ فودة - في عصورنا المتأخرة كان له مزايا، وكانت له آثار واضحة، فالمسلمون في غرب أفريقيا وفي وسطها وفي جنوبها كان إِيمانهم ثمرةً من ثمرات التصوف.

والإِمام السنوسي الكبير عندما أراد أن يصلح بين المسلمين، اتجه أول ما اتجه إِلى أن نهج منهاجاً صوفياً، وكان منهاجه في ذاته عجيباً غريباً، فإِنه اتخذ المريدين، ثم أراد أن يجعل من هؤلاء المريدين رجال أعمال كأحسن ما يكون رجال الأعمال، ولذلك أنشأ الزوايا. وأولُ زاوية أنشأها في جبل حول مكة، ثم انتقل بزواياه في الصحراء، وهذه الزوايا كانت واحات عامرة في وسط الصحراء، وبعمل رجالهم وقواتهم وتوجيههم، استنبط الماء وجعل فيها زرعاً وغراساً وثماراً، ووجَّههم وعلَّمهم الحرب والرماية حتى أقضُّوا مضاجع الإِيطاليين أكثر من عشرين سنة، عندما عجزت الدولة العثمانية عن أن تعين أهل ليبيا. واستمرت المقاومة السنوسية بهذه الزوايا، إِلى أن أذلَّ الله الدولة الإِيطالية، وإِذا السنوسية تحيا من جديد، وكنا نودُّ أن تحيا كما ابتدأت طريقة صوفية عاملة قوية

لا أودُّ أن أتعرض لنشأة التصوف في الإِسلام وقبل الإِسلام، ولكني لا أستطيع أن أقول إِن عمر بن الخطاب لم يكن متصوفاً، وهو الذي قال فيه محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم: “لو كان في هذه الأُمة محدَّثون لكان عمر بن الخطاب” [“إِن من أمتي محدثين ومكلمين وإِن عمر منهم” أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب المناقب عن أبي هريرة رضي الله عنه، وأخرج مسلم في صحيحه: “لقد كان فيما قبلكم من الأمم محدثون فإِن يك في أمتي أحد فإِنه عمر” من حديث عائشة رضي الله عنها في كتاب فضائل الصحابة]. والذي كان يعتقد فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان من أقرب أصحابه إِلى الله، حتى إِنه عندما كان ذهب إِلى العمرة وجَّهَ إِليه القول، وقال له: “لا تنسنا من دُعائك يا أخي” [رواه أبو داود في باب الدعاء عن عمر رضي الله عنه، والترمذي في كتاب الدعوات وقال: حديث حسن صحيح، ولفظه: “أي أُخيَّ أشرِكنا في دعائك ولا تنسنا”].

ولا أستطيع أن أقول: إِن أبا بكر الصديق الذي كان يركب الصعب من الأمور ضابطاً نفسه، والذي أُثر عنه أنه قال كلاماً نسب إِلى النبي صلى الله عليه وسلم، واختلفت الرواية في قائله: “رجعنا من الجهاد الأصغر [وهو القتال] إِلى الجهاد الأكبر [وهو مجاهدة النفس] [بل هو من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ورواه الديلمي عن جابر رضي الله عنه. راجع كشف الخفاء للعجلوني ج1. ص424]”. وأبو بكر الذي يقول: فِرَّ من الشرف يتبعْك الشرف.

وقد كان وما زال هناك موجهون وشيوخ لهم مريدون ولهم أتباع وهؤلاء هم الذين نرجو أن يعود التصوف على أيديهم كما ابتدأ.



هل نحن الآن في حاجة إِلى التصوف المصلح المثمر؟



أقول: إِذا كان الماضون لم يكونوا في حاجة إِليه، بل كان المتصوف يعمل لله ولنفسه ولمريديه، فنحن في عصرنا هذا أشد الناس حاجة إِلى متصوف يعمل بنظام التصوف الحقيقي، وذلك لأن شبابَنا قد استهوته الأهواء، وسيطرت على قلبه؛ فأصبحت دور السينما أشد المغريات وأشد الوسائل جلباً لها، والمجلات الفارغة، والإِذاعة اللاهية اللاعبة، أصبح كلُّ هذا يستهويه، وإِذا سيطرت الأهواء والشهوات على جيل من الأجيال أصبحت خُطبُ الخطباء لا تُجدي، وكتابة الكتَّاب لا تُجدي، ومواعظُ الوعاظ لا تجدي، وحِكم العلماء لا تجدي، وأصبحت كل وسائل الهداية لا تجدي شيئاً. وحسبك أن ترى المجلات الدينية توزع بأقل من نصف العشر أو ربع العشر مما توزعه المجلات اللاهية العابثة.

إِذن لا بد لنا من طريق آخر للإِصلاح، هذا الطريق أنْ نتجه إِلى الاستيلاء على نفوس الشباب، وهذا الاستيلاء يكون بطريق الشيخ ومريديه، بحيث يكون في كل قرية، وفي كل حيٌّ من أحياء المدن، وفي كل بيئة علمية أو اجتماعية أو سياسية، رجال يقفون موقف الشيخ الصوفي من مريديه.

إِن العلاقة بين المريد والشيخ، وبين مراتب هذا المريد هي التي يمكن أن تهذب وأن توجه. يقول الشاطبي في كتابه الموافقات: إِنَّ بين المعلم والمتعلم روحانية تجعله ينطبع بفكره، وينطبع بكل ما يلقنه من معلومات. نحن في حاجة إِلى هؤلاء الذين يستهوون الشباب ليصرفوهم عن هذا الهوى الماجن، وليوجهوهم.



كان هنا منذ بضع سنين أو عشر سنين رجلٌ اتجه إِلى الشباب، وحاول أن يتخذ معهم في إِصلاحهم ما يتخذه الصوفي مع المريدين، وقد نجح إِلى حد كبير، ولولا اشتغاله بالسياسة ما فسد أمره قط.

ولذلك أُوجبُ أن نتجه إِلى الصوفية كعلاج أخير لوقاية الشباب من الفساد، ولا أعتقد أن هناك علاجاً أجدى منها).

وخلاصة الحديث عن التصوف في ندوة لواء الإِسلام: أن التصوف كأمر واقع، كان فيه خير، وخالطه بعض الشر، وإِذا خلص من شره، واتجه إِلى المعاني الروحية، كان سبيل إِصلاح للمجتمع الإِسلامي. وإِن الشباب المسلم وقع تحت استهواءات مختلفة تؤدي إِلى الانحراف، ولا سبيل إِلى رده إِلى الاستقامة الإِسلامية إِلا باستهواء يكون كاستهواء الشيخ الصوفي لمريديه، وحينئذٍ تعمل الصوفية أفضل الأعمال لإِصلاح الشباب [مجلة لواء الإِسلام، العدد الثاني عشر، شعبان 1379هـ الموافق 1960م ندوة لواء الإِسلام، التصوف في الإِسلام. ص758 و766].

__________________
إذا أنتَ أكثرتَ الصلاةَ على الذي
صلى عليه الله ُ في الايات ِ
وجـعلـتـَـها ِوردا ً عليكَ مُـحـتما ً
لاحتْ عليكَ دلائلُ الخيرات
عبدالقادر حمود غير متواجد حالياً  
رد مع اقتباس
قديم منذ 3 أسابيع
  #53
عبدالقادر حمود
أبو نفيسه
 الصورة الرمزية عبدالقادر حمود
 
تاريخ التسجيل: Aug 2008
الدولة: سوريا
المشاركات: 12,135
معدل تقييم المستوى: 10
عبدالقادر حمود is on a distinguished road
افتراضي رد: حمل كتاب حقائق عن التصوف بصيغة PDF وورد وهتمل

الباب السابع



شيخنا محمَّد الهاشمي رحمه الله تعالى





هذا ويسعدني في نهاية هذا البحث أن أنوه بفضل شيخنا المربي الكبير، والعارف بالله، المرشد سيدي محمد الهاشمي رحمه الله تعالى في نقله هذه المعاني الروحية، والحقائق الربانية التي تكلمنا عنها إِلى هذا البلد الكريم، وتجسيدها في صورة واقعية، تُحدِّثُنا عنها أرواح مريديه وتلامذته، وتُشهِدنا إِياها حياتُهم الذاخرة بذكر الله وحق عبادته، كما شهد له بذلك معاصروه من أكابر السادة العلماء. لذا أختم كتابي بطيِّبِ ذكراه، وسرد نبذٍ عن حياته الطيبة.



ولادته:

ولد سماحة الأستاذ المرشد الكبير سيدي محمد بن الهاشمي قدس الله روحه من أبوين صالحين، كلاهما من آل بيت النبوة، يرجع نسبهما إِلى الحسن بن علي رضي الله عنهما، يوم السبت 22 شوال 1298هـ في مدينة سبدة التابعة لمدينة تلمسان، وهي من أشهر المدن الجزائرية. وكان والده من علمائها وقاضياً فيها، فلما توفي ترك أولاداً صغاراً، والشيخ أكبرهم سناً.

بقي الشيخ مدة من الزمن ملازماً للعلماء، قد انتظم في سلكهم جاداً في الازدياد من العلم، ثم هاجر مع شيخه محمد بن يَلِّس إِلى بلاد الشام فاراً من ظلم الاستعمار الإِفرنسي، الذي منع الشعب الجزائري من حضور حلقات العلماء وتوجيههم. وكانت هجرتهما في 20 رمضان سنة 1329هـ عن طريق طنجة ومرسيليا، متوجهين إِلى بلاد الشام. فمكثا في دمشق أياماً قلائل، وعمِلَتْ الحكومة التركية آنذاك على تفريق جميع المغاربة الجزائريين، وكان نصيبه رحمه الله تعالى أن ذهب إِلى تركيا وأقام في أضنة، وبقي شيخه ابن يَلِّس في دمشق. وعاد بعد سنتين إِلى دمشق؛ فالتقى بشيخه ابن يَلِّس وَصَحبه ولازَمه.

وفي بلاد الشام تابع أخذ العلم عن أكابر علمائها. ومن أشهرهم المحدِّث الكبير بدر الدين الحَسَني، والشيخ أمين سويد، والشيخ جعفر الكتاني، والشيخ نجيب كيوان، والشيخ توفيق الأيوبي، والشيخ محمود العطار وأخذ عنه علم أُصول الفقه، والشيخ محمد بن يوسف المعروف بالكافي وأخذ عنه الفقه المالكي، وقد أجازه أشياخه بالعلوم العقلية والنقلية.

أما من ناحية التصوف فقد أذن له شيخه محمدبن يَلِّس بالورد العام لما رأى من تفوقه على تلامذته، من حيث العلمُ والمعرفةُ والنصحُ لهم وخدمتُهم. ولما قدم المرشد الكبير أحمد بن مصطفى العلوي من الجزائر لأداء فريضة الحج؛ نزل في دمشق بعد وفاة سيدي محمد بن يَلِّس سنة 1350هـ، وأذن له بالورد الخاص [تلقين الاسم الأعظم] والإِرشاد العام.



أخلاقه وسيرته:

كان رحمه الله تعالى متخلقاً بأخلاق النبي صلى الله عليه وسلم، متابعاً له في جميع أقواله وأحواله وأخلاقه وأفعاله، فقد نال الوراثة الكاملة عن الرسول صلى الله عليه وسلم.

وكان متواضعاً حتى اشتهر بذلك ولم يسبقه أحد من رجال عصره في تواضعه.

وكان يعامل الناس كما يحب أن يعاملوه. دخل عليه رجل فقبَّل يد الشيخ رحمه الله تعالى؛ وأراد الشيخ أن يقبل يده، فامتنع الرجل عن ذلك وقال: أستغفرُ الله يا سيدي أنا لست أهلاً لذلك، أنا أَقبل رجلكم. فقال الشيخ رحمه الله تعالى: إِذا قَبَّلت رِجْلَنَا فنحن نقبل رجلَكم.

وكان يحب أن يخدم إِخوانه بنفسه، فيأتي الزائر، ويأتي التلميذ فيبيت عنده فيقدِّم له الطعام، ويحمل له الفراش مع ضعف جسمه. وكم جئناه في منتصف الليل، وطرقنا بابه، فيفتح الباب وهو بثيابه التي يقابل بها الناس، كأنه جندي مستعد. فما رأيناه في ثوب نوم أبداً.

وكان حليماً لا يغضب إِلا لله. حَدَث أن جاءه رجل من دمشق إِلى بيته وأخذ يتهجم عليه، ويتهكم به، ويتكلم بكلمات يقشعر لها جلد المسلم؛ ولكن الشيخ رضي الله عنه لم يزد على قوله له: الله يجزيك الخير، إِنك تُبين عيوبنا، وسوف نترك ذلك ونتحلى بالأخلاق الفاضلة. وما أن طال المقام بالرجل إِلا وأقبل على الشيخ، يقبل قدميه ويديه، ويطلب منه المعذرة.

وكان كريماً لا يرد سائلاً. وكم رأينا أشخاصاً يأتون إِليه فيعطيهم ويكرمهم، ولاسيما في مواسم الخير؛ حيث يأتي الناس لبيته، وترى موائد الطعام يأتيها الناس أفواجاً أفواجاً يأكلون منها، ولا تزال ابتسامته في وجهه، وقد بلغ من كرمه أنه بنى داره التي في حي المهاجرين بدمشق قسمين: قسم لأهله، وقسم لتلاميذه ومريديه.

وكان من صفاته رضي الله عنه واسع الصدر وتحمل المشقة والتوجيه، وشدة الصبر مع بشاشة الوجه؛ حتى إِني استغربت مرة صبره فقال لي: يا سيدي! مشربُنَا هذا جمالي. وكان يأتي إِليه الرجل العاصي فلا يرى إِلا البشاشة من وجهه وسعة الصدر، وكم تاب على يديه عصاة منحرفون، فانقلبوا بفضل صحبته مؤمنين عارفين بالله تعالى.

حَدَث أنه كان سائراً في الطريق بعد انتهاء الدرس، فمر به سكران؛ فما كان من الشيخ رحمه الله تعالى إِلا أن أزال الغبار عن وجهه، ودعا له ونصحه، وفي اليوم الثاني كان ذلك السكران أول رجل يحضر درس الشيخ، وتاب بعد ذلك وحسنتْ توبته.

وكان رحمه الله تعالى يهتم بأحوال المسلمين ويتألم لما يصيبهم، وكان يحضر جمعية العلماء التي تقام في الجامع الأموي، يبحث في أمور المسلمين ويحذِّر من تفرقتهم، وقد طبع رسالة تبين سبب التفرقة وضررها، وفائدة الاجتماع على الله والاعتصام بحبل الله سماها: القول الفصل القويم في بيان المراد من وصية الحكيم.

وكان رحمه الله تعالى يكره الاستعمار بكل أساليبه، ويبحث في توجيهه عن مدى صلة الحوادث مع الاستعمار وكيفية الخلاص من ذلك. ولما نَدبتْ الحكومة الشعب إِلى التدرُّب على الرماية، ونظَّمت المقاومة الشعبية، سارع الشيخ لتسجيل اسمه بالمقاومة الشعبية، فكان يتدرب على أنواع الأسلحة مع ضعف جسمه ونحوله وكبر سنه. وبهذا ضرب للشعب المثل الأعلى لقوة الإِيمان والعقيدة والجهاد في سبيل الله، وذكَّرنا بِمَنْ قبله من المرشدين الكُمَّل الذين جاهدوا الاستعمار وحاربوه؛ أمثال عمر المختار والسنوسي وعبد القادر الجزائري. وما المجاهدون الذين قاموا في المغرب، لإِخراج الاستعمار وأذنابهم إِلا الصوفية.

وكان رحمه الله تعالى حسن السيرة والمعاملة، مما جعل الناس، يُقبلون عليه ويأخذون عنه التصوف الحقيقي، حتى قيل: لم يشتهر الهاشمي بعلمه مع كونه عالماً، ولم يشتهر بكراماته مع أن له كرامات كثيرة، ولكنه اشتهر بأخلاقه، وتواضعه، ومعرفته بالله تعالى.

وكان رحمه الله تعالى إِذا حضرْتَ مجلسه، شعرت كأنك في روضة من رياض الجنة؛ لأن مجلسه ليس فيه ما يشوبه من المكدرات والمنكرات. فكان رحمه الله تعالى يتحاشى أن يُذكر في حضرته رجل من المسلمين وينقص. ولا يحب أن يذكر في مجلسه الفساق وغيرهم، ويقول: عند ذكر الصالحين تنزل الرحمة.

وبقي رحمه الله تعالى دائباً في جهاده مستقيماً في توجيهه للمسلمين وإِخراجهم مما وقعوا فيه من الضلال والزيغ. فقد كانت حلقاته العلمية متوالية من الصباح حتى المساء؛ ولاسيما علم التوحيد الذي هو من أُصول الدين، فيبيِّنَ العقائد الفاسدة والإِلحادية، مع بيان عقيدة أهل السنة والجماعة، والرجوع إِلى الله تعالى؛ والتعلق به دون سواه.



نشاطه في الدعوة والإِرشاد:

كان بيته قبلة للعلماء والمتعلمين والزوار، لا يضجر من مقابلتهم، ويقيم - مع ضعف جسمه - حلقات منظمة دورية للعلم والذكر في المساجد والبيوت، ويطوف في مساجد دمشق، يجمع الناس على العلم وذكر الله والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولم يزل مثابراً على همته ونشاطه ودعوته حتى أيامه الأخيرة.

تتلْمذَ عليه نخبةٌ طيبةٌ صالحة من العلماء وطلاب العلم، ومن مختلف طبقات الأمة يهتدون بإِرشاداته، ويغترفون من علومه، ويقتبسون من إِيمانه ومعارفه الذوقية، ويرجعون إِليه في أُمورهم.

وقد أذن للمستفيدين منهم بالدعوة والإِرشاد، وبذا انتشرت هذه الطاقة الروحية الكبرى في دمشق وحلب، وفي مختلف المدن السورية والبلدان الإِسلامية.



مؤلفاته:

1 - مفتاح الجنة شرح عقيدة أهل السنة.

2 - الرسالة الموسومة بعقيدة أهل السنة مع نظْمها.

3 - البحث الجامع والبرق اللامع والغيث الهامع فيما يتعلق بالصنعة والصانع.

4 - الرسالة الموسومة بسبيل السعادة في معنى كلمتي الشهادة مع نظمها.

5 - الدرة البهية.

6 - الحل السديد لما استشكله المريد من جواز الأخذ عن مرشدين.

7 - القول الفصل القويم في بيان المراد من وصية الحكيم.

8 - شرح شطرنج العارفين للشيخ محي الدين بن عربي.

9 - الأجوبة العشرة.

10 - شرح نظم عقيدة أهل السنة.

وغير ذلك من الرسائل.

وقد أخذ التصوف عن سيدي الهاشمي رحمه الله تعالى كثيرٌ من العلماء وغيرهم لا يعلم عددهم إِلا الله.

وهكذا قضى الشيخ الهاشمي حياته في جهاد وتعليم، يربي النفوس، ويزكي القلوب الراغبة في التعرف على مولاها، لا يعتريه ملل ولا كسل. واستقامته على شريعة رسول الله صلى الله عليه وسلم قولاً وعملاً وحالاً، ووصيتُه في آخر حياته: عليكم بالكتاب والسنة، تشهد له بكمال وراثته.

وهكذا رحل الشيخ الكبير إِلى رضوان الله تعالى وقربه يوم الثلاثاء 12 من رجب 1381هـ الموافق 19 كانون الأول 1961م، وصُلي عليه بالجامع الأموي، ثم شيعتْه دمشق تحمله على الأكف إِلى مقبرة الدحداح، حيث وُورِي مثواه، وهو معروف ومُزَار. ولئن وارى القبرُ جسدَه الطاهر الكريم، فما وارى علمه وفضله ومعارفه وما أسدى للناس من معروف وإِحسان، فلِمثْل هذا فليعملِ العاملون. وهذا من بعض سيرته الكريمة، وما قدمناه غيضٌ من فيضٍ ونقطة من بحر، وإِلا فسيرة العارفين منطوية في تلامذتهم، ومن أين للإِنسان أن يحيط بما تكنه صدورُهم وأسرارهم؟

وفي مثله قال القائل:

إِنْ تسلْ أين قبورُ العظما فعلى الأفواه أو في الأنفس

وبمثل هذه الشخصيات الحية نقتدي وبمثلهم نتشبَّه.

فتشبَّهُوا إِن لم تكونوا مثلَهم إِنَّ التشبُّهَ بالكرامِ فلاحُ

وقد قيل:

موتُ التقي حياةٌ لا انقطاعَ لها قدْ مات قومٌ وهمْ في الناس أحياءُ

وقد أذن لنا رحمه الله تعالى، قبل رحيله عن دار الدنيا، بالورد العام والخاص، والتربية والإِرشاد، كما هو مبيَّن في نص الإِجازة التي نقدمها لك على الصفحات التالية.


__________________
إذا أنتَ أكثرتَ الصلاةَ على الذي
صلى عليه الله ُ في الايات ِ
وجـعلـتـَـها ِوردا ً عليكَ مُـحـتما ً
لاحتْ عليكَ دلائلُ الخيرات
عبدالقادر حمود غير متواجد حالياً  
رد مع اقتباس
قديم منذ 3 أسابيع
  #54
عبدالقادر حمود
أبو نفيسه
 الصورة الرمزية عبدالقادر حمود
 
تاريخ التسجيل: Aug 2008
الدولة: سوريا
المشاركات: 12,135
معدل تقييم المستوى: 10
عبدالقادر حمود is on a distinguished road
افتراضي رد: حمل كتاب حقائق عن التصوف بصيغة PDF وورد وهتمل

الإِجازة




أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله المنعم المجيد، المنزه عن التقيد بالإِطلاق والتقييد، الذي نور بصائر العارفين بنور معرفته، وقذف في قلوبهم أنواراً وصلوا بها إِلى ميادين مكاشفته، وجعل الاقتداء بهم سبباً لنيل الآمال، والرضا منه عنهم سُلَّماً موصلاً إِلى الإِخلاص في الأعمال، والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله، المنزل عليه: {إنَّ الذينَ يُبايعُونَكَ إنَّما يبايعونَ اللهَ} [الفتح: 10]، وعلى آله وأصحابه الذين أَذن لهم بِبثِّ العلم ونشره في الأمة المحمدية، حتى صار الإِذن سنة نبوية، تداولها أهل الهمم العلية، وعلى التابعين لهم بإِحسان، الداعين إِلى الله بإِذنه، الذين لا تزال شمسهم على الآفاق طالعة، وأنوارهم في السرائر والقلوب لامعة، الذين يحافظون على أمانة الله حتى يُبلِّغونها إِلى نظرائهم في التقوى والعلم بالله.

أما بعد: فإِني لهذه المناسبة أذنْتُ وأجزتُ أفراداً من إِخواننا في طريقتنا الشاذلية الدرقاوية العلية لِمَا تفرسْتُه في أخلاقهم، واعتمدته من أحوالهم، إِذناً عاماً مطلقاً في سائر الأوراد والأحزاب الشاذلية، وفي الورد الخاص، الذي هو ذكر الاسم المفرد [الله] الذي هو الاسم الأعظم عند أهل الله، بشروطه المعروفة عندهم، فيتأكد على كل واحد منهم أن يُربّي كل من اتخذه شيخاً له في طريق الله، وأرجو الله أن ينفعهم وينفع بهم، ومن جملتهم: أخونافي الله الأبر الأود، الفقيه العارف بالله، التقي الأمجد ولي الله، الصادق في المحبة والعهد، سيدي الشيخ عبد القادر بن عبد الله عيسى عزيزي الحلبي، كما أذن لي أُستاذي سيدي أحمد بن مصطفى العلوي المستغانمي رضي الله عنه، وأرجو الله أن أكون مأذوناً من الله تعالى، ومن رسوله صلى الله عليه وسلم، وأرجو له مثل ذلك، ثم أقول:

فاعرفْ يا أخي فضل الإِذن وسره، ولا تجهله، إِذ المأذونُ مأمونٌ، إِذ هو في ضمان الله تعالى، ثم في ضمان رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم في ضمان شيوخ الطريقة رضي الله عنهم.

فاعرف هذا، واعتقده ولا تجهله، واعلم أن الإِذن الحقيقي والإِجازة الحقيقية هي ما حصل لكم من الإِذن الشفهي الباطني والإِجازة القلبية الحقيقية، فهي التي يُعمل بها، وهي التي تنْفعل لها القلوب، وتنقاد لها النفوس، ولولا الضرورة لما اعتاد عليه الناس من الإِجازة بالكتابة، لَمَا كتب أهل الله إِجازة لمأذون من الله ومن الرسول ثم منهم إِجازة شفوية قلبية حقيقية. وكن ذا حزمٍ وعزمٍ في تربية كل من اتخذك شيخاً له من عباد الله، ولا تستحِ من أحد في حق الله، وأوصيك بالنصيحة للإِخوان بقدر الإِمكان، وبالمحافظة على حدود الله في السر والإِعلان، وكن بالمؤمنين رؤوفاً رحيماً، محبةً في الله واقتداءً برسول الله صلى الله عليه وسلم، وأرجو الله للجميع التوفيق، وأن يقينا وإِياهم من سوء الطوارق، ويسلك بنا وبهم أحسن الطرائق، ويحمينا وإِياهم من كل عائق، ونسأل الله بكل مَنْ رَامَ الانتظام في سلك أهل الله نفحة خير من نفحات الله، نسلك بها سبيل النجاة، ونصل بها إِلى حقيقة تقوى الله بجاه صاحب الجاه، سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، يوم يتجلى الحق تعالى لعباده برضاه، والظن في الله جميل، وهو حسبنا ونعم الوكيل، والحمد لله رب العالمين.

قاله وكتبه العبد الفقير إِلى الله تعالى: محمد بن أحمد بن الهاشمي بن عبد الرحمن التلمساني أصلاً، الدمشقي سكناً، الشاذلي الدرقاوي طريقة. عامله الله والمسلمين باللطف والإِحسان. آمين.

حررت هذه الإِجازة المباركة في 16 ربيع الأول 1377.



خادم الطريقة القادرية الشاذلية الدرقاوية العلوية

عبد الله محمد بن الهاشمي التلمساني

دمشق

__________________
إذا أنتَ أكثرتَ الصلاةَ على الذي
صلى عليه الله ُ في الايات ِ
وجـعلـتـَـها ِوردا ً عليكَ مُـحـتما ً
لاحتْ عليكَ دلائلُ الخيرات
عبدالقادر حمود غير متواجد حالياً  
رد مع اقتباس
قديم منذ 3 أسابيع
  #55
عبدالقادر حمود
أبو نفيسه
 الصورة الرمزية عبدالقادر حمود
 
تاريخ التسجيل: Aug 2008
الدولة: سوريا
المشاركات: 12,135
معدل تقييم المستوى: 10
عبدالقادر حمود is on a distinguished road
افتراضي رد: حمل كتاب حقائق عن التصوف بصيغة PDF وورد وهتمل

الإِجازة




أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله المنعم المجيد، المنزه عن التقيد بالإِطلاق والتقييد، الذي نور بصائر العارفين بنور معرفته، وقذف في قلوبهم أنواراً وصلوا بها إِلى ميادين مكاشفته، وجعل الاقتداء بهم سبباً لنيل الآمال، والرضا منه عنهم سُلَّماً موصلاً إِلى الإِخلاص في الأعمال، والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله، المنزل عليه: {إنَّ الذينَ يُبايعُونَكَ إنَّما يبايعونَ اللهَ} [الفتح: 10]، وعلى آله وأصحابه الذين أَذن لهم بِبثِّ العلم ونشره في الأمة المحمدية، حتى صار الإِذن سنة نبوية، تداولها أهل الهمم العلية، وعلى التابعين لهم بإِحسان، الداعين إِلى الله بإِذنه، الذين لا تزال شمسهم على الآفاق طالعة، وأنوارهم في السرائر والقلوب لامعة، الذين يحافظون على أمانة الله حتى يُبلِّغونها إِلى نظرائهم في التقوى والعلم بالله.

أما بعد: فإِني لهذه المناسبة أذنْتُ وأجزتُ أفراداً من إِخواننا في طريقتنا الشاذلية الدرقاوية العلية لِمَا تفرسْتُه في أخلاقهم، واعتمدته من أحوالهم، إِذناً عاماً مطلقاً في سائر الأوراد والأحزاب الشاذلية، وفي الورد الخاص، الذي هو ذكر الاسم المفرد [الله] الذي هو الاسم الأعظم عند أهل الله، بشروطه المعروفة عندهم، فيتأكد على كل واحد منهم أن يُربّي كل من اتخذه شيخاً له في طريق الله، وأرجو الله أن ينفعهم وينفع بهم، ومن جملتهم: أخونافي الله الأبر الأود، الفقيه العارف بالله، التقي الأمجد ولي الله، الصادق في المحبة والعهد، سيدي الشيخ عبد القادر بن عبد الله عيسى عزيزي الحلبي، كما أذن لي أُستاذي سيدي أحمد بن مصطفى العلوي المستغانمي رضي الله عنه، وأرجو الله أن أكون مأذوناً من الله تعالى، ومن رسوله صلى الله عليه وسلم، وأرجو له مثل ذلك، ثم أقول:

فاعرفْ يا أخي فضل الإِذن وسره، ولا تجهله، إِذ المأذونُ مأمونٌ، إِذ هو في ضمان الله تعالى، ثم في ضمان رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم في ضمان شيوخ الطريقة رضي الله عنهم.

فاعرف هذا، واعتقده ولا تجهله، واعلم أن الإِذن الحقيقي والإِجازة الحقيقية هي ما حصل لكم من الإِذن الشفهي الباطني والإِجازة القلبية الحقيقية، فهي التي يُعمل بها، وهي التي تنْفعل لها القلوب، وتنقاد لها النفوس، ولولا الضرورة لما اعتاد عليه الناس من الإِجازة بالكتابة، لَمَا كتب أهل الله إِجازة لمأذون من الله ومن الرسول ثم منهم إِجازة شفوية قلبية حقيقية. وكن ذا حزمٍ وعزمٍ في تربية كل من اتخذك شيخاً له من عباد الله، ولا تستحِ من أحد في حق الله، وأوصيك بالنصيحة للإِخوان بقدر الإِمكان، وبالمحافظة على حدود الله في السر والإِعلان، وكن بالمؤمنين رؤوفاً رحيماً، محبةً في الله واقتداءً برسول الله صلى الله عليه وسلم، وأرجو الله للجميع التوفيق، وأن يقينا وإِياهم من سوء الطوارق، ويسلك بنا وبهم أحسن الطرائق، ويحمينا وإِياهم من كل عائق، ونسأل الله بكل مَنْ رَامَ الانتظام في سلك أهل الله نفحة خير من نفحات الله، نسلك بها سبيل النجاة، ونصل بها إِلى حقيقة تقوى الله بجاه صاحب الجاه، سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، يوم يتجلى الحق تعالى لعباده برضاه، والظن في الله جميل، وهو حسبنا ونعم الوكيل، والحمد لله رب العالمين.

قاله وكتبه العبد الفقير إِلى الله تعالى: محمد بن أحمد بن الهاشمي بن عبد الرحمن التلمساني أصلاً، الدمشقي سكناً، الشاذلي الدرقاوي طريقة. عامله الله والمسلمين باللطف والإِحسان. آمين.

حررت هذه الإِجازة المباركة في 16 ربيع الأول 1377.



خادم الطريقة القادرية الشاذلية الدرقاوية العلوية

عبد الله محمد بن الهاشمي التلمساني

دمشق
__________________
إذا أنتَ أكثرتَ الصلاةَ على الذي
صلى عليه الله ُ في الايات ِ
وجـعلـتـَـها ِوردا ً عليكَ مُـحـتما ً
لاحتْ عليكَ دلائلُ الخيرات
عبدالقادر حمود غير متواجد حالياً  
رد مع اقتباس
قديم منذ 3 أسابيع
  #56
عبدالقادر حمود
أبو نفيسه
 الصورة الرمزية عبدالقادر حمود
 
تاريخ التسجيل: Aug 2008
الدولة: سوريا
المشاركات: 12,135
معدل تقييم المستوى: 10
عبدالقادر حمود is on a distinguished road
افتراضي رد: حمل كتاب حقائق عن التصوف بصيغة PDF وورد وهتمل


الختام




وبعد،

فلعلك أيها القارىء - وقد عرفتَ التصوف الحق، واطلعت على كلام الأئمة الأعلام، وما ذكروه عنه، وعرفت صحة نسبته وتسلسله إِلى رسول الله صلى الله عليه وسلم - أن تتخذ التصوف لك منهجاً، وتُحلِّق في أجوائه الصافية، وتتعبد في محاريبه، وتسبح في أنواره وتعرج في معارجه، فتكون صورة مثالية عن هؤلاء الصوفية، الذين ورثوا الوراثة الكاملة من رسول الله صلى الله عليه وسلم. إِذ هم العلماء بالله تعالى، الداعون إِلى الله على هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو إِمامهم في جميع حالاتهم، والعلم بالله تعالى صفتهم، والعبادة حليتهم، والتقوى شعارهم، وحقائق الحقيقة أسرارهم. لهم من الساعات من إِمداد فضل الله مزيد، ولهيب شوقهم يتأجج ويقول: هل من مزيد؟!

لقد تفانى الصوفية في حب مولاهم، وعاشوا في ذكره ومناجاته، فعلَّمهم وطهرهم، وزكاهم وأدبهم، واصطفاهم واجتباهم، وأحبهم ورضي عنهم، ففتح لقلوبهم ملكوت السموات، وأراهم عجائب كونه وبدائع قدرته وأسرار خليقته، وأفاض عليهم هداياه وعطاياه علوماً وأذواقاً.



فما أجدر الباحثين والمفكرين ورواد الحقيقة بالبحث عن ذلك التراث الإِسلامي العظيم الذي تركه لهم أسلافهم من قبلُ وديعة في أيديهم، وأمانة في أعناقهم، فيأخذوه عن أهله، ويَقدروه حقَّ قدره، ثم بعد ذلك يخلصوه من كل شائبة تعكر صفوه، أو تهبط به إِلى المكان الذي لا يليق به.

فهل فكَّرَ المنصفون من أُولي الرأي والفكر والقلم، أن يشحذوا هممهم فيسيروا في قافلة أهله، حتى ينهلوا من منهله العذب، فينفوا عن التصوف تُرَّهاتِه ودخيله، كما نفى أهل الحديث عن الحديث أكاذيبه، وأهل التفسير عن التفسير إِسرائيلياته، حتى يتسنى لناشد الحقيقة أن يجدها سليمة صحيحة، ويميزها عما سواها؟

هذا ما وفقنا الله لإِثباته في هذا الكتاب، وهو الموفق للهداية والمرشد إِلى الصواب. جعله الله خالصاً لوجهه الكريم، ونفع به مَنْ قرأه وهداه إِلى الصراط المستقيم. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.





الحمد لله الهادي إلى سبيل الرشاد، الذي جعل الأولياء نبراساً يقتدى بهم؛ {أولئكَ الذينَ هدى اللـهُ فبِهُداهُمُ اقتَدِهْ} [الأنعام:90] والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.



أما بعد:

لمحة موجزة عن حياة المؤلف رحمه الله تعالى



هو سيدي الشيخ عبد القادر بن عبد الله بن قاسم بن محمد بن عيسى عزيزي الحلبي الشاذلي، يصل نسبه بالشيخ عمر البعاج إلى سبط رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، الحسين بن علي رضي الله عنهما.

ولد في مدينة حلب الشهباء سنة 1338 من الهجرة النبوية الشريفة، والمصادف 1920 من ميلاد السيد المسيح عليه السلام، من أبوين أميّين من عوام المسلمين، وعاش في كنفهما عيشة رغد ورخاء، حيث كان والده يعمل في الجمارك.



حُبب إليه رحمه الله تعالى في مقتبل عمره النشاط والرياضة والكشافية؛ فكان يلبس أحسن الثياب، ويتزين في أفخم صالونات حلب للحلاقة، ويتطيب بأفخر أنواع الطيب.

ثم جذبتْه يدُ العناية الإلهية من الدنيا وزينتها، فأعرض عما كان فيه من اللهو واللعب والزينة والطيب، وحلق شعره، ولبس الثياب المرقعة، وصحب الصالحين من أهل الجذب، في الفترة من سنة 1939 حتى 1942، مدة أربع سنوات تقريباً، كان خلالها يميل إلى الجذب مع بقيةٍ من الصحو حفظتْه من حال أهل الجذب.

وكان رحمه الله تعالى قبل ذلك لا يثبت على عمل من الأعمال الدنيوية رغم محاولاته الكثيرة، فقد عمل نجاراً وخياطاً، واشتغل بالتجارة فترة قصيرة، ولكنه لم يثبت على ذلك، صرفاً من الله تعالى عن ذلك، إلى أن أقنعه والده بالعمل معه في الجمارك، ولكن جذبته يد العناية الإلهية من الدنيا وأسبابها، فأقبل على الله تعالى.

ثم حُبِّب إليه طلب العلم، فصحب العلماء، منهم الشيخ محمد زمّار والشيخ أحمد معودّ، ثم صحب الشيخ حسن حساني شيخ الطريقة القادرية، فسلك الطريق على يديه، وأذن له الشيخ حسن بالختم القادري، وخلال صحبته للشيخ حسن حساني انتسب إلى المدرسة الشعبانية في 24/12/1949 ودرس فيها مدة ست سنوات كاملات، كان خلالها إماماً لمسجد ساحة حَمَد، وكان مسجداً لا تُقام فيه الجمعة، وكان مهملاً، وكاد أن يُخرب، فعمل الشيخ على ترميمه وإصلاحه، وأحدث فيه منبراً للخطابة، وذلك في 21/1/1957.

اجتمع في الشيخ رحمه الله تعالى خلال دراسته في المدرسة الشعبانية من الصفات الطيبة المباركة، والأخلاق العلية، والهمة العالية، ما ينبىء عن خير واعدٍ، فسلك على يديه عدد من زملائه في المدرسة وهو لا يزال طالباً فيها، فكان شيخاً من جهة وتلميذاً طالباً من جهة أخرى.

ومما يدل على علو همته، وصدق إقباله على الله عز وجل؛ أنه لم تغرَّه المشيخة، ولم يقنع بما وصل إليه من الحال والجاه، فراح يبحث عن المرشد الكامل الذي يعرّفه على الله عز وجل، ويعبر عن ذلك فيقول رحمه الله تعالى:

“كنت أقرأ في كتاب (إيقاظ الهمم في شرح الحكم) لابن عجيبة، فأرى فيه أشياء لم أكن متحققاً بها - رغم كوني شيخاً - فعرفت أنه لا بد لي من صحبة مرشدٍ كامل”.

ولم يجد بغيته في حلب فسافر إلى دمشق، والتقى بكثير من مشاهير علمائها، ممن اجتمع عليهم خلق كثير لعلمهم وفصاحتهم وبلاغتهم، ولكنه لم يجد في واحد منهم مبتغاه، فتردد إلى زيارة الشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي رحمه الله تعالى، فأُلهم بصحبة الشيخ محمد الهاشمي شيخ الطريقة الشاذلية، فبحث عنه فوجده في الجامع الأموي الكبير بدمشق يُقرر بعض مباحث علم التوحيد، وحوله ثلة قليلة من إخوانه يعظهم ويعلمهم، فأقبل على مجلس الشيخ وحضره ثم تعرف إلى الشيخ محمد الهاشمي رحمه الله تعالى، فقال له الشيخ محمد الهاشمي: “جئتَ آخرَ الناس، وتكونُ أولَهم بإذن الله، فأنا أنتظرك منذ زمنٍ طويل.” فتَّم للشيخ رحمه الله تعالى مبتغاه من صحبة المرشد الكامل، فصحب الشيخ الهاشمي رحمه الله تعالى سنة 1952م إلى أن توفاه الله تعالى.

ولما رأى الشيخُ محمد الهاشمي رحمه الله تعالى في شيخنا أهليته للإرشاد، أذن له بالورد العام والخاص في الطريقة الشاذلية، كما أذن له بالتربية والإرشاد كما هو مبين في الإجازة الموجود نصها على صفحات آخر هذا الكتاب، وذلك في سنة 1337 هـ - 1958 م.

استمر الشيخ رحمه الله تعالى إماماً وخطيباً في مسجد ساحة حَمَد، إلى أن توفي الشيخ محمد الرزّاز إمام وخطيب جامع العادلية، حيث انتقل الشيخ رحمه الله تعالى إليه، فأقام فيه مجلساً للذكر بعد صلاة العشاء من يوم الخميس من كل جمعة، وكان ذلك في 21/12/1963م.

كان جامع العادلية مهملاً، حيث كانت ساحته مرعى للمواشي، وكان يشكو إلى الله تعالى قلة المصلين، فراح الشيخ يعمل على إصلاحه وصيانته، حتى غدا الجامع مقصداً لطلاب العلم، وأهل الطريق، وعمر الجامع بمجالس العلم ومجالس الذكر، وطارت شهرة الشيخ في الآفاق، فأقبل الناس عليه بمختلف فئاتهم من عوام ومثقفين وطلاب علم، فغدا جامع العادلية مدرسة تشع بالعلم والنور، وانتشر طريق التصوف بعد أن نقَّاه الشيخ من كثير من المخالفات الشرعية والشطحات وغيرها مما كان الناس ينفرون منه - كما تجد ذلك على صفحات هذا الكتاب - وعشق الناس التصوف، وانتشرت طريقة الشيخ في كل أنحاء القطر العربي السوري، فلا تكاد تجد مدينة أو قرية إلا وللشيخ فيها إخوان ومريدون، بل جاوز ذلك إلى البلاد المجاورة؛ كالأردن وتركيا ولبنان والعراق، ثم جاوزت شهرة الشيخ ذلك كله، فلا تكاد تجد بلداً في الدنيا إلا وللشيخ فيه إخوان ومريدون، فوصلت طريقته إلى الكويت والسعودية والمغرب، وجنوب إفريقيا والهند وباكستان، وإنكلترا وبلجيكا وفرنسا، وكندا والولايات المتحدة الأمريكية وغيرها من دول العالم، مما يدل على باع الشيخ الطويل في المعرفة والتربية والإرشاد.

يعد الشيخ رحمه الله تعالى في طليعة المجددين للطرق الصوفية عامة والطريقة الشاذلية خاصة، يشهد لذلك كتابه هذا الذي طبع مرات متعددة وترجم إلى اللغة الإنكليزية واللغة التركية، وطارت شهرته في الآفاق، كما يشهد لعلو مقام الشيخ كثرةُ إخوانه على اختلاف فئاتهم من جميع طبقات الناس في كل بقاع الأرض، الذين يعتبرون بحق كتباً ناطقة عن الشيخ الذي لم يخلف من الثروة العلمية إلا هذا الكتاب، وذلك بسبب واجبات الدعوة الإصلاحية التي حملها على كاهله في نشر الطريق الصحيح القائم على الكتاب والسنة المطهرة، كما تلمح ذلك على صفحات هذا الكتاب.

إن خلاصة منهاجه وما أراد أن ينقله للناس قد أودعه وبيَّنه في كتابه “حقائق عن التصوف” الذي كان بحق فتحاً في علم الشريعة والطريقة والحقيقة، فتلقاه الناس بالقبول والانتفاع على مختلف طبقاتهم، واستفاد منه خلق كثير.

كان للشيخ كرامات كثيرة وكشوفات واضحة، ولكنه كان يعرض عن كل ذلك ويُحَذِّر إخوانه من الركون إلى الكرامات والكشوفات، ويقرر أن أعظم الكرامات الاستقامة على شرع الله عز وجل، وكان يعرف الطريقة فيقول رحمه الله تعالى: الطريقة هي العمل بالشريعة.

“دعي مرة إلى وليمة طعام لأحد التجار، فلما أكل بعض اللقيمات استأذن من صاحب البيت ليغسل فاه، فقام الشيخ رحمه الله تعالى فتقايأ وأخرج كل ما أكله، وقال لصاحب الدعوة: أنت تأخذ بعض الأموال من البنوك بالربا، والله حارب المرابي، إذا أردت أن آتي لعندك ثانية فلا تطعمني من طعامك، فتاب الرجل من فورها، ولم يمض عليه سنة حتى صحح معاملته من الربا وأصبح من الصالحين المشهود لهم بالصلاح بعد ذلك”.

ويعرف الشيخ رحمه الله تعالى التصوف فيقول: “التصوف كله أخلاق، فمن زاد عليك بالأخلاق زاد عليك بالتصوف”.

“سعى مرة في الإصلاح بين زوجين، وخلال ذلك اطلع على ظلم الرجل وتسلطه، فنصحه، ولكن الرجل حمل الحقد والضغينة، عوضاً من أن يستجيب للنصح، وبعد مدة من الزمن، استغفل الرجلُ الشيخَ في ممر معتم قرب جامع ساحة حَمَد، فتهجم عليه وطعنه بأداة حادة على وجهه قرب فمه، فسال الدم من الشيخ، فهرب الرجل، ونُقل الشيخ إلى المستشفى، وترك علامة على وجه الشيخ لم تمحها الأيام حتى توفاه الله، ولكن أخلاق النبوة التي كان متحلياً بها الشيخ دعته إلى العفو والمسامحة والصفح، فتوفي الرجل بعد أشهر، فكان أولَ المصلين عليه صلاة الجنازة الشيخُ رحمه الله تعالى”.

أُكْرِمَ رحمه الله تعالى بمجاورة النبي المصطفى عليه الصلاة والسلام في المدينة المنورة قرابة خمس سنوات، ثم أقام بالأردن بعمان يدعو إلى الله تعالى، كما هو شأن الصادقين المتحققين حيثما حلوا ونزلوا، فاستفاد منه خلق كثير من علمه وحاله ودعوته.

وفي سنة 1991 سافر إلى تركيا لزيارة بعض إخوانه، فاشتد عليه المرض هناك، فأدخل المشفى في مدينة مرعش، ثم نُقل بعد ذلك إلى استانبول ودخل أحد مشافيها.

تعجب القائمون على معالجته من أطباء ومختصين، كيف لا يتوجع أو يظهر ألماً، وهو ساكت لا يتكلم، مستغرق بقلبه وببصره وبكله إلى الله تعالى.

فأراد أحد أولاده أن يطمئن عن شعوره وإحساسه وإدراكه، وعن غيبته التي طالت، وعن عقله وهو لا يكلم أحداً، وكان بينه وبين والده - رحمه الله تعالى - ملاطفة ومدارسة فسأله عن بيت من الشعر كان قد سمعه منه رحمه الله تعالى ليثبت للموجودين آنذاك بأن الله تعالى هو يتولى الصالحين، وأنه كامل الوعي والإحساس والعقل، ولكنه منجذب بمحبة الله تعالى ومستغرق به سبحانه وتعالى، فذكّره بهذا البيت من الشعر:

يا سائلي عن رسول الله كيف سها والسهو...

ثم سكت وقال له: يا سيدي من فضلك أكمل لي هذا البيت وكان يمازحه، فالتفت إليه وقال متمماً:

................... والسهو عن كل قلبٍ غافلٍ لاهي

سها عن كل شيء سرُّه فسها عمَّا سوى الله فالتعظيم لله



وأعاد شطر البيت مراراً: والسهو عن كل قلبٍ غافلٍ لاهيٍ.

ثم دمعت عيناه رحمه الله تعالى وبكى ولم يكلم أحداً بعدها.

كان انتقاله رحمه الله تعالى إلى جوار ربه، عشية يوم السبت الساعة السادسة، في الثامن عشر من ربيع الآخر سنة اثنتي عشر وأربع مائة وألف من الهجرة النبوية الشريفة، الموافق للسادس والعشرين من تشرين الأول سنة إحدى وتسعين وتسع مائة وألف للميلاد ( 18 ربيع الآخر 1412 هـ 26 تشرين الأول 1991م) وكان مثواه الأخير بجوار الصحابي الجليل سيدنا أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه في استانبول، فخسر المسلمون بموته علماً عاملاً ومرشداً كاملاً من أعلام الطريق والدعوة إلى الله تعالى، تغمده الله برحمته وأعلى مقامه، وأسكنه فسيح جناته مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وقد نُقِشَ على قبره قول الله عز وجل

{ومَنْ يُهاجِرْ في سبيل اللهِ يجِدْ في الأرضِ مُراغَماً كثيراً وَسَعَةً ومّنْ يَخرُجْ مِنْ بيتِهِ مهاجراً إلى اللهِ ورسولِه ثُمَّ يُدْرِكْهُ الموتُ فقد وقعَ أجرهُ على اللهِ وكانَ اللهُ غفوراً رحيماً} [النساء: 100].

{ربِّ أوزِعني أنْ أشكُرَ نعمَتَكَ التي أنْعَمْتَ عليَّ وعلى والِدَيَّ وأنْ أعملَ صالحاً ترضاهُ وأدخِلْني برحمتِكَ في عبادك الصالحينَ}[النمل: 19].

اللهم احشرنا معه تحت لواء سيد المرسلين سيدنا محمد، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم،وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.

23 شوال 1421

18/1/2001



ورثة المؤلف
__________________
إذا أنتَ أكثرتَ الصلاةَ على الذي
صلى عليه الله ُ في الايات ِ
وجـعلـتـَـها ِوردا ً عليكَ مُـحـتما ً
لاحتْ عليكَ دلائلُ الخيرات
عبدالقادر حمود غير متواجد حالياً  
رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 زائر)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

كود [IMG]متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
الموسوعة الفقهية الكويتية وورد عبدالقادر حمود المكتبة الاسلامية 0 06-04-2017 11:11 PM
كتاب حقائق عن التصوف باللغة الانكليزية admin المكتبة الاسلامية 0 03-08-2014 04:48 AM
معراج التشوف إلى حقائق التصوف" و كتاب "كشف النقاب عن سر لب الألباب عبدالقادر حمود المكتبة الاسلامية 5 11-30-2011 01:01 AM
نوري اطفأ نارك أبو أنور رسائل ووصايا في التزكية 6 05-17-2009 07:19 PM
القرآن بصيغة الفلاش علاء الدين قسم الحاسوب 2 09-02-2008 06:41 PM


الساعة الآن 06:40 PM




جميع المواضيع و الردود المطروحة لا تعبر عن رأي المنتدى بل تعبر عن رأي كاتبها

Powered by vBulletin™ Version 3.8.7
Copyright © 2019 vBulletin Solutions, Inc. All rights reserved. منتديات