![]() |
وصف لعرس في حلب قبــــــــــــــل ألف عام
http://i.aksalser.com/u110325/226835837.jpg
كان محمد بن خالد بن يزيد بن معاوية نازلاً بحلب, فجاؤوا اليه ببدوي ظريف ليحدثه عما رآه من أعاجيب أعراسها . وصفه احشاد الناس قال : نعم رأيت أموراً معجبة : دخلت دورا متباينة , بها أناس كثير مقبلون ومدبرون وعليهم ثياب حكوا بها ألوان الزهر . فقلت لنفسي : هذا أحد العيدين : الأضحى أو الفطر . ثم رجع إليَّ ما غرب عني من عقلي , فقلت : خرجت من أهلي في عقب صفر وقد مضى العيدان قبل ذلك. فبينما أنا واقف ومتعجب أتاني رجل فأخذ بيدي فأدخلني داراً قوراء ، و أدخلني بيتاً قد نُجد في وجهه فرش قد مهدت ، وعليها شاب ينال فرع شعره كتفيه , والناس حوله سماطان . فقلت في نفسي : هذا الأمير الذي يحكى لنا جلوسه وجلوس الناس حوله . فقلت وأنا ماثل بين يديه: السلام عليك أيها الأمير ورحمة الله وبركاته . فجذب رجل بيدي وقال : اجلس فإن هذا ليس بالأمير . فقلت : ومن هو ؟ قال : عروس . قلت : واثكل أماه ! رب عروس رأيت بالبادية أهون على أصحابه من أمه ! وصفه المائدة فلم ألبث إذ دخلت الرجال عليها هنات مدورات من خشب وقضبان , أما ما خف فيحمل حملاً , وأما ما ثقل فيدحرج . فوضعت أمامنا وتحلق القوم حلقاً حلقاً , ثم أتينا بخرق بيض فألقيت بين أيدينا . فظننتها ثياباً وهممت عندها أن أسأل القوم خرقاً أقطع منها قميصا ,وذلك أني رأيت نسجاً متلاحكاً لا أتبين له سدى ولا لحمة , فلما بسط القوم أيديهم إذا هو يتمزق سريعاً وإذا فيما زعموا , صنف من الخبز لا اعرفه. ثم أتينا بطعام كثير من حلو وحامض وحار وبارد , فأكثرت منه , وأنا لا أعرف ما في عقبه من التخم والبشم . وصفه الشراب ثم أتينا بشراب أحمر في عساس _ أقداح كبيرة _ فلما نظرت قلت لا حاجة لي فيه , أخاف أن يقتلني . وكان في جانبي رجل ناصح لي _ أحسن الله جزاءه _ كان ينصح لي من بين أهل المجلس , فقال : يا أعرابي , إنك أكثرت من الطعام , وإن شربت الماء انتفخ بطنك . فلما ذكر البطن تذكرت شيئاً كان أوصاني به أبي والأشياخ من أهلي وقالوا : لا تزال حياً مادام بطنك شديداً فإذا اختلف فأوصي . فلم أزل أتداوى به ولا أمل من شربه فتداخلني صلف لا أعرفه من نفسي , وبكاء لا اعرف سببه ولا عهد لي بمثله واقتدار على أمر أظن معه أني لو أردت نيل السقف لبلعته, وجعلت التفت إلى الرجل الناصح فتحدثني نفسي بهتم أسنانه وهشم انفه . وصفه الموسيقى فبينا نحن كذلك إذ هجم علينا شياطين أربعة : أحدهم قد علق في عنقه جعبة فارسية مشنجة الطرفين دقيقة الوسط قد شبحت بالخيوط شبحاً منكراً , وقد ألبست قطعة فرو كأنهم يخافون عليها القر . ثم بدر الثاني فاستخرج من كمه هنة سوداء كفيشلة الحمار فوضع طرفها في فيه ، فظرط فيها فاستتم بها أمرهم ثم حسب وحرك أصابعه على حجرة فيها فاستخرج منها صوتاً ملائماً مشاكلاً بعضه بعضاً كأنه , علم الله , ينطق . ثم بدر الثالث عليه قميص وسخ وقد غرق شعره بالدهن , ومعه مرآتان فجعل يمري إحداهما على الأخرى مريا . ثم بدر الرابع عليه قميص قصير وسروال قصير , وخفان اجزمان لا ساقين لهما , فجعل يقفز كأنه يثب على ظهور العقارب , ثم التبط بالأرض , فقلت معتوه ورب الكعبة , ثم مابرح مكانه حتى كان أغبط القوم عندي , ورأيت الناس يحذفونه بالدراهم حذفاً منكراً . ثم أرسلت علينا النساء أن أمتعونا من لهوكم , فبعثوا بهم إليهن . وبقيت الأصوات تدور في آذاننا , وكان معنا في البيت شاب لا آبه له , فعلت الأصوات له بالدعاء , فخرج فجاء بخشبة عينها في صدرها فيها خويطات أربعة , فاستخرج من جنبها عوراً فوضعه على أذنه , ثم زم الخيوط الظاهرة فلما أحكمها وعرك آذانها حركها بمجسة في يده , فنطقت ورب الكعبة وإذا هي أحسن قينة رأيتها قط . وغنى عليها فاستخفني في مجلسي حتى قمت فجلست بين يديه فقلت : بأبي أنت وأمي أما هذه الدابة فلست اعرفها للأعراب وما خلقت إلا حديثاً ! فقال : يا أعرابي , هذا البربط الذي سمعت به . فقلت : بأبي أنت وأمي ! فما هذا الخيط الأسفل ؟ قال : زير . قلت : فما الذي يليه ؟ قال : مثنى . قلت : فالثالث ؟ قال : المثلث . قلت : فالرابع ؟ قال : البم . قلت : آمنت بالله أولاً ، وبالبم ثانياً . بتصرف من كتاب : عيون الأخبار لمؤلفه ابن قتيبة الدينوري عكس السير |
الساعة الآن 11:41 PM |
Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2025, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By
Almuhajir
جميع المشاركات المكتوبة تعبّر عن وجهة نظر كاتبها ... ولا تعبّر عن وجهة نظر إدارة المنتدى |