
الفِرارُ إلى اللهِ تعالى
الفِرارُ إلى اللهِ تعالى
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدُ للهِ الذي زيَّنَ صورةَ الإنسانِ بحُسْنِ تَقويمِهِ وتقديرِهِ، وفوَّضَ تحسينَ الأخلاقِ إلى اجتهادِ العبدِ وتشميرِهِ، وسَهَّلَ على عبادِهِ تهذيبَ الأخلاقِ بتوفيقِهِ وتيسيرِهِ.
والصلاةُ والسلامُ على سيِّدِنا محمَّدٍ عبدِ اللهِ ورسولِهِ، وصفيِّهِ وخليلِهِ، وعلى آلِهِ وأصحابِهِ ومَنْ تمسَّكَ بهديِهِ إلى يومِ الدِّينِ.
وبعدُ: فقد روى الإمامُ مسلمٌ رحمهُ اللهُ تعالى في صحيحِهِ عن مَعْقِلِ بنِ يَسارٍ رضيَ اللهُ تعالى عنه قالَ: قالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليهِ وسلَّمَ: (العِبَادَةُ فِي الهَرْجِ كَهِجْرَةٍ إِلَيَّ).
إنَّ العلاجَ الذي تُواجَهُ بهِ الفتنُ بأنواعِها وأشكالِها هو اللجوءُ إلى العبادةِ والتقرُّبِ إلى الله تعالى، والمقصودُ بالعبادةِ في هذا الحديثِ العباداتُ النوافلُ بكلِّ أنواعِها؛ من الصلواتِ والصدقاتِ ومجالسِ الذكرِ والخدمةِ.. وغيرِ ذلك، وليسَ المقصودُ بها الفرائضَ، لأنَّها شيءٌ مفروضٌ ومفروغٌ منه..
قالَ الإمامُ النوويُّ رحمهُ اللهُ تعالى: وسَبَبُ كثرةِ فضلِها فيهِ أنَّ الناسَ يَغْفُلونَ عنها ـ أي: العبادةِ ـ ولا يتفرَّغُ لها إلا الأفرادُ.
كونوا أيُّها الإخوةُ والأخواتُ من هؤلاءِ الأفرادِ في هذهِ الأيامِ ـ أيامِ الغُربةِ ـ التي أصبحَ المؤمنُ فيها غريباً حتى على مستوى الأسرة، فإنَّهُ إن جلسَ بينَ أرحامِهِ أو أصدقائِهِ يَصعُبُ عليهِ أن يخرجَ منَ المجلسِ بدونِ أن يتعرَّضَ للمعصيةِ، من غيبةٍ أو غيرِها، والمحفوظُ مَنْ حَفِظَهُ اللهُ تعالى، والموفَّقُ مَنْ وفَّقَهُ الله جلَّ وعلا.. اللهمَّ احفظنا بما تَحفَظُ به عبادَكَ الصالحينَ، ووفِّقْنا للحكمةِ والتحلِّي بها برحمتِكَ يا أرحمَ الراحمين.
وقال الإمامُ الحافظُ القرطبيُّ رحمه الله تعالى: المتنسِّكُ في ذلك الوقتِ والمنقطعُ إليها ـ أي العبادة ـ المنعزلُ عن الناسِ أجرُهُ كأجرِ المهاجرِ إلى النبيِّ صلَّى الله عليْهِ وسلَّمَ، لأنه ناسَبَهُ من حيثُ إنَّ المهاجرَ فرَّ بدينِه ممَّنْ يَصُدُّ عنه للاعتصامِ بالنبيِّ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ، وكذا هذا المنقطعُ للعبادةِ فَرَّ من الناسِ بدينِهِ إلى الاعتصامِ بعبادةِ ربِّهِ جلَّ وعلا، فهو في الحقيقة قد هاجر إلى ربِّه سبحانه وفَرَّ من جميع خلقه.
تنبيه: مِنْ أهمِّ مَنْ ينبغي أن يفرَّ العبدُ منهُ أن يفرَّ من نفسِهِ إلى ربِّهِ، ولذا فإنَّ المربِّينَ الربَّانيِّينَ يوجِّهونَ الناسَ أثناءَ دخولهم إلى الاعتكافِ والخلَواتِ أن ينووا كفَّ شرورِهم عن الناس، وهذا مُستوحىً من قوله صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ في الحديث حيثُ سئلَ عن أفضلِ الناس، فكان ممَّا قاله صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ: (مُؤْمِنٌ فِي شِعْبٍ مِنَ الشِّعَابِ يَتَّقِي اللَّهَ وَيَدَعُ النَّاسَ مِنْ شَرِّهِ) [والحديث متفق عليه].
أيُّها المؤمنون، أيُّها الأحبَّة: إنَّ من كمالِ إقبالِكم على اللهِ تعالى وفِرارِكم إليه جلَّ وعلا أن تتنبَّهوا إلى حقوقِ الأخوَّةِ والمحبَّةِ التي بينكم، ولذا فإنِّي أقولُ لكم ما قالَهُ ساداتُنا أهلُ اللهِ تباركَ وتعالى:
ارحموا ضعفَ بعضِكم، سُدُّوا حاجةَ بعضِكم، اجبروا فقرَ بعضِكم..
واعلموا يا عبادَ الله: أنَّ من علائمِ صدقِ الأخوَّةِ أن يكون الأخُ الأميُّ في ذمَّةِ الأخِ القارئِ، والأخُ الجاهلُ في ذمَّةِ الأخِ العالمِ، والأخُ الفقيرُ في ذمَّةِ الأخِ الغنيِّ، والأخُ الضعيفُ في ذمَّةِ الأخِ القويِّ، فميثاقُ الأخُوَّةِ يسجِّلُ الحقوقَ ويَرتُقُ الفتوقَ.
اللهمَّ اهدِنا وسدِّدْنا.. اللهم اهدِنا لما اختُلِفَ فيه من الحقِّ بإذنِكَ، إنَّكَ تهدي مَنْ تشاءُ إلى صراطٍ مستقيم.
اللهمَّ احفظْنا من شرورِ أنفسِنا ومن شرِّ الإنسِ والجنِّ، ومن شرِّ كلِّ دابَّةٍ أنتَ آخذٌ بناصيتِها إنَّ ربِّي على صراطٍ مستقيمٍ، ولا حولَ ولا قوَّةَ إلا باللهِ العليِّ العظيم، وهو حسبُنا ونعمَ الوكيل، وصلَّى الله على سيِّدِنا محمَّدٍ وعلى آلِهِ وصحبِهِ وسلَّمَ، والحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ.
محمد عبد الله رجو
الزاوية الشريفة - مرعش الخير
الثلاثاء: 20 / رمضان / 1447هـ
الموافق: 10 / آذار / 2026م
__________________
عروش الدنيا وممالكها، وبطشها وسلطنتها.. كل ذلك أقلّ من أن يقاوم خفقة من خفقات قلب محبّ!..
ونعيم الدنيا وأفراحها، ولهوها ولذائذها.. كل ذلك أقلّ من أن يخلق لمعةَ فرحٍ في قلب حزين!..