أنت غير مسجل في منتديات البوحسن . للتسجيل الرجاء إضغط هنـا

آخر 10 مشاركات
الأذكار           رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الغفور           

المقدسات الاسلامية هذا الركن لذكر الاماكن المقدسة والمساجد والاثار الاسلامية

إضافة رد
قديم 11-29-2012
  #1
عبدالقادر حمود
أبو نفيسه
 الصورة الرمزية عبدالقادر حمود
 
تاريخ التسجيل: Aug 2008
الدولة: سوريا
المشاركات: 12,089
معدل تقييم المستوى: 10
عبدالقادر حمود is on a distinguished road
افتراضي رحلتي إلى القدس

رحلتي إلى القدس (1): عبور الحدود ودخول القدس


كنا في عمان لليلة واحدة وجميع من تعاملنا معهم تقريباً كانوا من أصل فلسطيني. على وجه الخصوص، كان هناك أخوين، أشرف وشادي. أمضى أشرف ساعتين برفقتي في البحث عن مكتبات في وسط مدينة عمَان في حين قام شادي، الأخ الأصغر، بقيادتنا إلى جسر الملك حسين. يعود أصل أسرتهم إلى الخليل وقد نزحت إلى عمان بعد حرب عام 1967. منذ ذلك الحين، لم يعد أحد من العائلة إلى موطنه بما في ذلك والدهم المتوفى الذي كان بعمر 15 سنة تقريباً عندما نزح. عندما ذكرت لأشرف أن الأردن لديها علاقات دبلوماسية مع اسرائيل وهو ما يعني أنه بإمكانه الذهاب لزيارة مدينته رفض بشدة مشيراً إلى أنه من السخافة أن يحتاج إلى تأشيرة دخول لزيارة وطنه! وقال بأنه لن يفعل ذلك أبداً. وهذا الوضع إلى حد ما يلخص معضلة الصراع الفلسطيني الاسرائيلي. المشكلة ليست بهذه البساطة.
غادرنا الحدود في وقت مبكر. عندما تغادر الجانب الأردني، يقابلك منظر جميل من سلسلة جبال مع قرية في أسفلها. هناك بحر من الأبنية البيضاء على خلفية جبلية من اللون البني التي تثير مشاعرك وتستحضر في مخيلتك صوراً من الأراضي المقدسة. لقد كان جزء من شوقي للقدوم هنا هو المشي (حرفياً) على جزء من التاريخ الذي هو أمر أساسي بالنسبة لإيماني كمسلم. لا يوجد أي مكان آخر في العالم تلتقي في مسارات الأنبياء العظماء مثل ابراهيم، وموسى، وعيسى، وداود، ومحمد صلى الله عليهم وسلم في نفس الأرض عدا هذا المكان. مجرد التأمل في هذا أثار مشاعري والآن أصبحت هذه الأرض في مجال النظر. أخبرني سائق الحافلة بأن تلك الأرض كانت أريحا، المدينة الأكثر انخفاضاً وإحدى أقدم المدن في العالم. فلسطين، ذلك المكان البعيد الذي كان يثير الروعة في مشاعري لأكثر من عقد من الزمن، قد أصبح الآن جزئياً حقيقة واقعة.
على الجانب الاسرائيلي، لاحظت بعض الابتسامات بينما كنا نضع أمتعتنا عبر نقطة التفتيش الأولى. في مكتب التأشيرات، كان هناك رجلاً معتدلاً إلى حد ما تعامل معنا بابتسامة، لكن كان من الصعب معرفة ما إذا كانت ابتسامته تدل على بهجته أم أنه كان يحاول معرفة ماذا يفعل شخصان مستعربان يحملان جوازات سفر بريطانية ويتحدثان اللهجة البريطانية بطلاقة. عندما عبرنا بالباص، أخبرت زوجتي عما كنت أتوقعه من استجواب مطوَل بسبب أختام التأشيرات المتنوعة التي كانت على جوازات السفر من بلدان “ساخنة”. كنت قد حضّرت في ذهني إجابات لأسئلة قد تكون حرجة، وعلى الرغم من أن ردودي ستكون صادقة، لكنني كنت أتمرن على الإجابات. سألنا لماذا نحن هنا وشرحنا له بأنها فرصة لنا بالطبع لزيارة الأرض المقدسة. سألنا عدة أسئلة عشوائية أخرى ثم قال: “سأعطيكم أسبوعاً واحداً.” بما أننا كنا سنبقى لأسبوع فقد كان الأمر لا بأس به ولكن اسرائيل عادةً تمنح الرعايا البريطانيين تأشيرة دخول لـ 3 أشهر. لم أرد أن أعترض وقبلت. ثم قال الرجل: “ولكنكم لن تذهبوا إلى الضفة الغربية!” أجبت على الفور: “ماذا؟” ذلك لأن الخليل وبيت لحم يقعان في الضفة الغربية، لذا أخبرته بأننا نريد الذهاب إلى بيت لحم لزيارة كنيسة المهد. ضحك وقال: “لماذا؟ أنت مسلم. لدينا كنيسة في القدس، قم بزيارتها”. كنت مستاءً جداً من كلامه وأردت أن أرد عليه لكنني قررت ألا أفعل لأنه كان من الواضح بأنه غير عقلاني. اتفقنا على البقاء في القدس بدلاً من ذلك وأعطانا التأشيرة. لاحظت أن زميله في النافذة التالية كان أيضاً يخبر المسافرين ألا يذهبوا إلى الضفة الغربية. لكن ذلك لم يكن أكثر من طلب على شكل أمر لأنهم لا يستطيعوا ختم جواز السفر بـ “اسرائيل فقط”. مع ذلك، لم يكن ذلك ليمنعنا من زيارة الضفة الغربية.
عند موقف الحافلة في الخارج، اقترب مني سائق سيارة أجرة بدا عليه أنه فلسطيني. قدمنا أنفسنا ونصحني بأن آخذ الخيار الأرخص إلى القدس. عندما سألته عن المركبة التي يقودها، أشار إلى سيارة أجرة خاصة أكثر تكلفةً. منطقياً، كنت أتوقع منه أن يشجعني على ركوب سيارته، لكنه لم يفعل وهذا ما أثار فضولي لأننا نعرف بأن الفلسطينيين يعانون من الفقر المدقع وهم بأمس الحاجة للمال. كنت أظن أن مثل هذا الحال سيدفع الناس لمحاولة كسب قدر ما يستطيعون بغض النظر عن الإمكانيات المالية للسائح، ولكن هذا السائق (سأسميه عبد الله) لم يتناسب مع هذا التحليل. مثل هذه القراءة البسيطة لها دلالات عميقة جداً حول ما يجري على أرض الواقع من خلال التفاعل المباشر مع الناس الذين تم تصويرهم من خلال السياسة ووسائل الإعلام بشكل مختلف، ومن ثم تجد بأنك حقاً تحطم هذه الصور الذهنية والانطباعات بغض النظر عما إذا كنت قد صدقتهم أو كنت تعتقد بذلك. أحببت عبد الله وبدأنا الحديث. كان من المقدسيين الأصليين ويستطيع التحدث بالعبرية أيضاً وكان سلوكه مريحاً جداً على العكس تماماً مما تصوره وسائل الإعلام الغربية. لقد كان يبتسم ويمزح وحتى أجاب على أسئلتي الحرجة حول الحياة في ظل الاحتلال بهدوء واتزان. يخطئ أحدنا إذا اعتقد بأن هذا السائق لم يكترث للواقع لكنه يهتم.
في وقت لاحق من رحلتي، أدركت بأنه ربما يبدو على المقدسيين الأصليين أنهم يتحدثون بسهولة عن صعوبات حياتهم ولكنهم في الواقع وببساطة نشؤا وتعودوا على حياة قد يتعذر على الكثير منا في الغرب فهمها. لا تتهيج عواطفهم بمواجهة الحقائق القاسية التي تزعجنا عندما نسمع عنها، ذلك لأنهم شاهدوا وعاشوا واختبروا هذه الحقائق يوماً بعد يوم على مدى عقود. البعض منهم الذين ولدوا بعد عام 1967 لا يعرفون شيئاً آخر غير هذا. يمكنك فقط أن تتخيل نوع العقدة الذهنية التي يخلقها هذا الواقع في عقول المقدسيين العرب. أخذنا سيارة الأجرة مع عبد الله وتوجهنا نحو القدس.
الطريق إلى القدس يمر من البحر الميت على اليسار وأريحا على اليمين. يتموج الطريق عبر سلسلة جبلية صغيرة تميز المنظر العام للأرض الفلسطينية. أشار عبد الله إلى عدد من المشاريع السكنية على قمم هذه التلال والجبال. لقد كانت البيوت مميزة تماماً ومغطاة غالباً بأسقف الآجر الأحمر على غرار ما تجد في بلاد الغرب. وقد ذكّرني هذا المنظر بظاهرة المجمعات المزودة ببوابات الشائعة في دول الخليج، إلا أنها لم تكن مجرد مجمعات سكنية ببوابات ولكنها كانت مستوطنات للمستعمرين الاسرائيليين. لقد كانت تجربة غير عادية أن تراهم لأول وهلة كما لو أنك تقابل شخصاً مشهوراً لكن لم يكن هناك بهجة بهذا اللقاء لأن هذه المستوطنات قد بنيت على الأراضي الفلسطينية المحتلة. لا يمكن لهذا التناقض أن يكون أكثر وضوحاً إلا عندما مررنا عبر منطقة مليئة بخيام مبعثرة لبدو فلسطينيين بالقرب من سفح الجبل المحاذي لمستوطنة كبيرة في أعلى الجبل السابق. كانت تخطر في مخيلتي قصص حول هذه المستوطنات وحول الغضب والعنف وتشريد الفلسطينيين والإصرار على العيش على الأرض التي يعترف المجتمع الدولي على أنها فلسطين. لقد كان مصدري الوحيد للمعلومات حول فلسطين واسرائيل على مدى السنوات الـ 12 الماضية من خلال وسائل الإعلام العامة، ولكن كوني على أرض الواقع وبعيداً عن تحيز غرف الأخبار جعل من هذه التجربة أكثر من عادية.
سياسة المستوطنات قابلة للانفجار والفكر وراء توسيعها مدعاة للتوتر بسبب الخطر الراهن والجلي على عملية السلام. في وقت لاحق من الرحلة عرفت المزيد عنها من خلال أحد المعارف الذي سأتكلم عنه لاحقاً. يكفي هنا أن أقول بأن السلام، أو أي شيء قريب من ذلك، سوف لن يتحقق أبداً طالما استمرت هذه المستوطنات بالتوسع.
عندما اقتربنا أكثر من القدس، أشار عبد الله إلى السيارات التي تحمل لوحات خضراء على عكس اللوحات الصفراء الأكثر شيوعاً. لقد كانوا من الضفة الغربية ولا يسمح لهم بالدخول إلى القدس. وصلنا إلى نقطة التفتيش، وعندما نظرت من نافذة السيارة كان هناك طابور من مركبات الضفة الغربية التي يترجل منها الركاب. كان عليهم التوجه إلى التفتيش قبل أن يسمح لهم بالدخول (أو الرفض)، وبعد ذلك عليهم ركوب سيارة أجرة أو وسيلة نقل أخرى للوصول إلى وجهاتهم. بالنسبة لنا، فقد التقينا بجندي اسرائيلي مجهز تماماً. مرة أخرى، مررنا بتجربة جديدة على أرض الواقع. ذلك لأن رؤية جندي حاملاً بندقية آلية ومتوجهاً نحو سيارتنا لتفتيشها كان أمراً يمكن أن أشاهده على الأخبار في الوطن، ولكن بما أني كنت في خضم التجربة فقد انتابني بعض الانزعاج حيال ذلك على الرغم من أنه لم يكن من شيء يدعونا للقلق (لأننا لم نكن فلسطينيين). كان السائق يحمل تصريحاً خاصاً يسمح له بالتحرك بحرية في البلاد، وبالتالي لم تستمر المسألة لأكثر من دقيقة لكنها فعلياً تركت انطباعاً لا ينسى في ذهني. بعد بضع دقائق، ما يقارب من أربع ساعات بعد مغادرة عمان، وصلنا إلى الأرض المقدسة.
__________________
إذا أنتَ أكثرتَ الصلاةَ على الذي
صلى عليه الله ُ في الايات ِ
وجـعلـتـَـها ِوردا ً عليكَ مُـحـتما ً
لاحتْ عليكَ دلائلُ الخيرات
عبدالقادر حمود غير متواجد حالياً  
رد مع اقتباس
قديم 11-29-2012
  #2
عبدالقادر حمود
أبو نفيسه
 الصورة الرمزية عبدالقادر حمود
 
تاريخ التسجيل: Aug 2008
الدولة: سوريا
المشاركات: 12,089
معدل تقييم المستوى: 10
عبدالقادر حمود is on a distinguished road
افتراضي رد: رحلتي إلى القدس

رحلتي إلى القدس (2): دخول القدس القديمة والأقصى

كانت صلاة الظهر قد انتهت في المسجد الأقصى وبالتالي لم نتمكن من أدائها. كنت أحرص على الوصول إلى المسجد بأسرع وقت ممكن لأنه من المكروه أداء صلاة النافلة بين صلاتي العصر والمغرب. أحد المقاصد الرئيسية لزيارتنا كان ببساطة الصلاة في المسجد الأقصى، ولم يكن من اللائق دخول الحرم القدسي الشريف دون التمكن من أداء صلاة تحية المسجد التي تؤدى عند دخول المسجد.

مشينا في الشوارع المزدحمة في القدس الشرقية متجهين نحو المدينة القديمة. كان هناك العديد من النساء والأطفال يتجولون للتسوق للعيد، وبإمكانك أن تشعر بجو العيد بين المقدسيين. كانت الشوارع مليئة بالألوان والباعة على جانب الطريق يعرضون كل شيء من اللحوم المشوية إلى الفطائر الرقيقة. كان الأطفال يشترون البالونات والمحلات مليئة بالزبائن. وفي طريقنا خلال الحارات، بدأت جدران المدينة القديمة تظهر عن بعد لتمنحنا شعوراً من الراحة من صخب الشوارع. هناك شيء يدعوك للسكينة وأنت تتنقل ببصرك على قطعة من التاريخ. أثارت رؤية جدران المدينة القديمة عواطفي بسبب قدسية المكان وماضيها الغني، والآن أصبحنا على بعد أمتار قليلة من إضافة حاضرنا إلى هذه الرواية الجميلة من الإيمان.

دخلنا من خلال باب الساهرة وفوجئنا على الفور بطابع القدس القديمة. لقد داخلني شعور كأنني أمشي بواسطة مركبة زمنية عائداً في الزمان إلى الوراء. أرصفة الطرق القديمة وجدران المدينة الضخمة السميكة مع القوائم المعمارية المفصلة ومسحة من القِدم تجعلك تشعر كأنك تسافر عبر زمن مختلف. أول ما يخطر ببالك هو الشخصيات الربانية التي مشت على نفس الطريق الذي أمشي عليه حالياً – الأنبياء المقدسون و النبي عيسى عليه السلام والخليفة عمر بن الخطاب وصحابة النبي صلى الله عليه وسلم وصلاح الدين الأيوبي والإمام الغزالي وأبو مدين والغنوصيين والقديسين والقائمة لا تنتهي. كنا نعرف أنه كان علينا ببساطة أن نمشي بشكل مستقيم وفي نهاية المطاف سنصل إلى أحد المداخل الرئيسية لحرم المسجد الأقصى، ولكن في طريقنا لم نقاوم شعورنا كمستكشفين نلاحظ كل التفاصيل على الطريق أمامنا، بما في ذلك أسماء الشوارع، والأبنية القديمة، والإشارات، وحتى المحلات التجارية. أذكر أنه ذات مرة قال الحبيب علي الجفري، حفظه الله، عن سوق الحميدية في دمشق عندما مررنا خلاله في وقت متأخر من الليل بأنه “حتى السوق له روح” لقد شعرت بنفس الشيء تماماً حول القدس القديمة رغم أننا لم نصل بعد إلى المسجد الأقصى.

عندما اقتربنا من مدخل باب الغوانمة إلى الحرم القدسي الشريف، كان واضحاً بشكل صارخ بأن عدد الناس المحيطين بنا كان يقل تدريجياً. أمامنا بحوالي 50 قدم تقريباً، لاحظت وجود ثلاثة رجال من الشرطة يرتدون العتاد الأسود ما بدا وكأنه سترات واقية. خلال لحظة، اتضح لي أنهم كانوا هناك للتحقق ممن يدخل، لذا نظرت حولي وقلت لزوجتي أن تجهز جوازات السفر لإبرازها. عندما اقتربنا أكثر، لاحظت بنادقهم ولم أستطع أن أمنع نفسي من التحديق مما استرعى انتباه أحد ضباط الشرطة. نهض أحدهم فوراً ووقف بين الجدار وحاجز التفتيش المعدني. سألنا من أين نحن وقلت لهم من انكلترا. كل ما سمعته كان “انكلترا؟” تلاها مباشرة “يرجى إبراز جوازات سفركم.” ابتسمت لأن هذه التجربة عادية جداً بالنسبة لنا في العالم العربي – حيث لا يكتفي المسؤولون أبداً بالإجابات ويريدون معرفة المزيد من المعلومات لمعرفة من نكون حقاً وإذا كنا نخبرهم بالحقيقة. في هذه الرحلة بالذات، سمعت كل الأسئلة المتوقعة “ما الجواز الآخر الذي تحمله؟” إلى “من يكون والديك؟”، لكن هذا الضابط كان راضياً برؤية التأشيرة والجواز وسألنا إذا كنا مسلمين (كنت أرتدي الكوفية وزوجتي ترتدي الحجاب). أجبناه بالإيجاب، فصاح على يمينه قائلاً: “يا أوقاف تعال!” بينما قام زميله بتوجيهنا نحو المدخل بابتسامة قائلاً: “أهلاً وسهلاً”. كان ذلك غريباً لأنك ترى ضابط شرطة يهودي اسرائيلي يبتسم لك ويخبرك بالتوجه بعبارة بالعربية، إلا إذا كان بالطبع عربي مسلم أو يهودي عربي، ولكن مع ذلك لم يتناسب هذا الأمر مع الصورة المطبوعة في ذهني من خلال وسائل الإعلام. لكنني تعلمت طوال الفترة المتبقية من زيارتنا بأنه ليس كل اليهود الاسرائيليين سواء، ولن يكون من الإنصاف وصفهم جميعاً على أنهم نفس الشيء. من الواضح أنه يوجد هناك من لديه خوف من الاسلام وكراهية جمة للعرب والمسلمين، ولكن هناك أيضاً أولئك الذين لديهم اهتمام حقيقي برفاه الفلسطينيين والظلم الذي يقع عليهم من حكومتهم. سأكتب المزيد عن هذا في إصدارات لاحقة.

ظهر رجل متوسط العمر وسألنا نفس الأسئلة. كان ممثلاً عن الأوقاف الاسلامية التي تدير حرم المسجد الأقصى رسمياً وتتمركز عند المدخل لضمان دخول المسلمين فقط. ابتسم ورحب بنا بحرارة وأشار إلى الاتجاه الذي كان علينا أن نسلكه للوصول إلى المصليين الرئيسيين في الحرم. كانت تلك لحظة غير عادية بالنسبة لي، فقد كانت انجازاً تاريخياً لي، أحمد الله كثيراً لمنحه إياي هذه الفرصة للوصول إلى حرم الأقصى الشريف. قال القائد الروحاني العلامة الشيخ ابن عطاء الله، رحمه الله، في كتابه الحكم: ” لا تفرح بالطاعة لأنها برزت منك، وافرح بها لأنها برزت من الله إليك.” لقد تعلمت من شيخيي أن بركات الله سبحانه وتعالى هي رسائل حب يرسلها إليك وبإمكانك أن تزيد من حبه لك وتتقرب إليه. وعند مدخل المسجد الأقصى، كانت لحظة شعرت فيها بحجم رسالة الحب هذه والتي زادت من امتناني القلبي بقول الحمد لله.

نظرت حولي في رهبة ودهشة على الأرض، والأشجار، والمباني، والجدران، والأرضيات، وكل شيء….هذا هو الأقصى….كان قلبي في حالة من الطمأنينة وشعرت كأنني لا أستطيع أن أنظر كفاية، لكنني كنت مغموراً بشعور من التواضع بين يدي خالقي. في حين أن مكة المكرمة والمدينة المنورة هما في قلب شبه الجزيرة العربية والأكثر شهرة بين المساجد الثلاثة المقدسة، لكن المسجد الأقصى له تاريخ مثير للجدل وأصبح مسيساً في الآونة الأخيرة في العالم العربي. هذا الحرم الثالث الذي نصحنا النبي صلى الله عليه وسلم بزيارته قد أصبح في المرتبة الثانية تقريباً في قضية الاحتلال الاسرائيلي للأقصى. وهكذا، فقد وصلت هنا بالرغم من كل شيء مما جعل من هذه اللحظة مميزة فعلاً. فكم من المسلمين العرب لم يستطيعوا الوصول إلى هنا وربما لن يتمكنوا بسبب سياسة الدول! وها نحن هنا، مع ابنتنا ذات الـ 18 شهراً، نمشي على أرض ثالث حرم قدسي في الاسلام. أدعو الله بأن نتمكن يوماً ما من إعادة اكتشاف الروح الحقيقية للتعايش بين الأديان التي تجسد معنى القدس بحيث يحكم السلام بدل السياسة في هذه المدينة المقدسة.

وبينما مشينا أكثر في تلك الأراضي، بدأت أقدر الحجم الضخم للحرم القدسي الشريف وذكّرت نفسي بأنه بالرغم من أننا كنا نمشي في مكان مفتوح (يشبه إلى حد كبير حديقة جميلة) إلا أننا مازلنا ضمن الحرم الذي يستوجب الأدب معه كمكان مقدس. كنا نمشي عبر الحائط الغربي للحرم باتجاه الحائط الجنوبي (تجاه القبلة) عندما ظهرت قبة الصخرة فجأة فوق الجزء العلوي من أشجار الحرم. إنه مشهد رائع من الجمال لا مثيل له ويلمسك في قلبك. توقفت للحظة لأنظر إلى ما يمكن رؤيته من القبة بلونها الذهبي الأخاذ الذي يتلألأ بأشعة الشمس. تقف الكلمات عاجزة تماماً عن وصف هذه اللحظة.

في الجزء الثالث، سأكتب عن جولتنا في الحرم وعن تجربة الصلاة هناك والأماكن الأخرى الهامة المختلفة التي تقع داخل الحرم الشريف.

*هناك التباس حقيقي حول الأسماء المستخدمة للأقصى وعن ما تمثله. وفيما يلي صورة جوية مع الأسماء الصحيحة لإزالة أي لبس أو سوء فهم.
















الصور المصغرة للصور المرفقة
اضغط على الصورة لعرض أكبر
الاســـم:	al-aqsa1.jpg‏
المشاهدات:	454
الحجـــم:	98.1 كيلوبايت
الرقم:	3306   اضغط على الصورة لعرض أكبر
الاســـم:	img_2340.jpg‏
المشاهدات:	416
الحجـــم:	49.7 كيلوبايت
الرقم:	3307   اضغط على الصورة لعرض أكبر
الاســـم:	img_14681.jpg‏
المشاهدات:	425
الحجـــم:	49.6 كيلوبايت
الرقم:	3308   اضغط على الصورة لعرض أكبر
الاســـم:	img_15811.jpg‏
المشاهدات:	432
الحجـــم:	49.4 كيلوبايت
الرقم:	3309   اضغط على الصورة لعرض أكبر
الاســـم:	photo-30-10-2012-18-39-26.jpg‏
المشاهدات:	438
الحجـــم:	64.8 كيلوبايت
الرقم:	3310  

__________________
إذا أنتَ أكثرتَ الصلاةَ على الذي
صلى عليه الله ُ في الايات ِ
وجـعلـتـَـها ِوردا ً عليكَ مُـحـتما ً
لاحتْ عليكَ دلائلُ الخيرات
عبدالقادر حمود غير متواجد حالياً  
رد مع اقتباس
قديم 12-01-2012
  #3
فراج يعقوب
عضو شرف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2009
المشاركات: 1,269
معدل تقييم المستوى: 15
فراج يعقوب is on a distinguished road
افتراضي رد: رحلتي إلى القدس

مشكوووووور والله يعطيك الف عافيه
اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
__________________
اللهم صل على سيدنا محمد صاحب الكوثر صلاة لاتعد ولاتكيف ولاتحصر ننال بها الرضوان الأكبر وجواره يوم المحشر وعلى آله وسلم
فراج يعقوب غير متواجد حالياً  
رد مع اقتباس
قديم 03-04-2014
  #4
عبدالقادر حمود
أبو نفيسه
 الصورة الرمزية عبدالقادر حمود
 
تاريخ التسجيل: Aug 2008
الدولة: سوريا
المشاركات: 12,089
معدل تقييم المستوى: 10
عبدالقادر حمود is on a distinguished road
افتراضي رد: رحلتي إلى القدس

حياكم الله شيخي الفاضل وبارك الله بكم شاكرا تواصلكم اللطيف
__________________
إذا أنتَ أكثرتَ الصلاةَ على الذي
صلى عليه الله ُ في الايات ِ
وجـعلـتـَـها ِوردا ً عليكَ مُـحـتما ً
لاحتْ عليكَ دلائلُ الخيرات
عبدالقادر حمود غير متواجد حالياً  
رد مع اقتباس
قديم 03-04-2014
  #5
عبدالقادر حمود
أبو نفيسه
 الصورة الرمزية عبدالقادر حمود
 
تاريخ التسجيل: Aug 2008
الدولة: سوريا
المشاركات: 12,089
معدل تقييم المستوى: 10
عبدالقادر حمود is on a distinguished road
افتراضي رد: رحلتي إلى القدس

رحلتي إلى القدس (3): عظمة الأقصى
4 Mar

أي شخص يزور مكة للمرة الأولى لن ينسى مطلقًا نظرته الأولى إلى الكعبة. فبغض النظر عن عدد المرات التي ستزورها بعد ذلك؛ سيظل دائمًا هناك تعلق خاص بهذه اللحظة الأولى، وبجميع اللحظات الأولى التي تشهدها هناك فيما بعد. بداية من الصلاة الأولى لك هناك، والمرة الأولى التي تدمع فيها عينيك من خشية الله، ومرورًا بالمرة الأولى التي تدخل فيها المدينة المنورة وترى القبة الخضراء للنبي الحبيب صلى الله عليه وسلم، وصولًا إلى المرة الأولى التي تقف فيها أمام رسول الله لتلقي عليه السلام من القلب. فصفاء اللحظات الأولى هي بمثابة تجربة روحية على أعلى مستوى، وغالبًا تتميز بها اللحظة التي تقود فيها النشوة الروحية إلى مسئولية روحية وجهاد روحي. يقول الإمام الحداد – قدس الله سره – في إحدى قصائده من ديوانه “أطلتم بعادي بعد قرب ألفته فعد يا زمان الوصل قبل فنائي”. نشتاق جميعًا إلى تلك الساعات التي تأنس فيها أرواحنا بالقرب من الحضرة الإلهية، ولم يكون رق اتباع المحرمات وشهوات أنفسنا الضعيفة مسيطرا علينا …. نشتاق إلى جمال تلك اللحظة الأولى “ألست بركم”. كانت النظرة الأولى إلى قبة الصخرة وإلى المسجد القِبلي والصلاة الأولى والتجول في الحرم الشريف تحمل صفاء تلك اللحظات الأولى. كان ذلك ارتقاءً للروح وأخرجنا من الوضع السياسي المحيط بالحرم القدسي.

دخلنا المسجد القِبلي أولًا ثم صلينا ركعتين. كان جمال المسجد الداخلي مبهرًا. فالتاريخ الذي ينطوي عليه هذا المكان المقدس يبدو جماله وجميع جدرانه وأعمدته مفعمين بالحياة كما لو كانوا قادرين على حكاية القصة. يوجد في المقدمة المنبر والمحراب. وما زال يوجد في المحراب لوحة ثبتها صلاح الدين الأيوبي – رحمه الله – منذ أن فتح القدس عام 1187. على يسارها تجد نموذجًا من المنبر الذي بناه ووضعه هناك والذي حُفظ على مدار 800 عام حتى عام 1969 عندما اقتحم مسيحي استرالي المسجد وأضرم فيه النيران لأنه كان يريد مساعدة اليهود في إعادة بناء معبدهم وبذلك يعجلوا بمجيء المسيح. ويرجع الفضل كله في ترميمه إلى الملك عبد الله ملك الأردن. وبعد أن أخذنا جولة قصيرة في ساحة المصلى الرئيسي للمسجد القبلي، انتقلنا نحو قبة الصخرة لاقتراب آذان صلاة العصر. قادنا أحد الحراس إلى الطابق السفلي حيث ساحة الصلاة تحت المسجد القِبلي. لم نكن نعرف الكثير عن التاريخ الذي غمر هذا المكان.

كان التجول في ساحة المصلى الموجودة تحت الأرض شيء خيالي. فالجدران تحمل طابعًا فريدًا وبراقًا. يمكنك قضاء الكثير من الوقت، فقط لتتأمل وتعيد التفكير في التاريخ الذي مر به هذا المسجد المبارك. قادنا المرشد إلى أقصى نهاية ساحة المصلى (في اتجاه القبلة) حيث نزلنا عدة درجات فوجدنا مكتبة ومنطقة للصلاة يحيطها أعمدة حجرية ضخمة وسميكة ويبدو واضحًا أن عمرها بلغ مئات السنين. في الوقت الذي شاهدناها عن قرب وأُخبرنا بأنها الأساس الأول للمكان توجهنا بلطف إلى مدخل المكتبة الختنية. تم إنشاء هذه المكتبة بواسطة صلاح الدين الأيوبي وظلت تستخدم منذ ذلك الحين. لن تلاحظ المكتبة إلا عندما يشير لك أحد إليها، حيث أن مدخل المكتبة كان باب مسجد القِبلي المعروف بباب النبي صلى الله عليه وسلم. إن الباب ضخم ومهيب ويعتقد الكثير من الناس أنه الباب الذي دخل منه الرسول الكريم – صلى الله عليه وسلم – إلى هذا المسجد عندما أُسرى به إلى الأقصى في رحلة الإسراء و المعراج. كما يعتقد أنه الباب الذي دخل منه الخليفة عمر بن الخطاب وصلاح الدين الأيوبي أيضًا. أثناء إخبارنا بذلك كانت نظراتنا مثبتة بقوة على رصد تفاصيل الباب المعقدة، كنت حينها مبتهجًا للغاية لمجرد الوقوف في المكان الذي سار فيه الرسول صلى الله عليه وسلم، ولم يكن مجرد سير بسيط أو عشوائي، إنما كانت الليلة التي أكرمه فيها ربه بالدرجات العلى ومنًّ عليه بمنزلة كريمة “فكان قاب قوسين أو أدنى” (سورة النجم). وفي طريقه إلى لقاء حبيبه، عندما لم يُكذب فؤاده ما رأى من وجه الله الكريم، مر عليه أفضل الصلاة والسلام من هذا الباب. فصليت على الفور في أقرب بقعة كان يمكن العثور عليها وتمنيت من قلبي أن أصلي في البقعة التي قد يكون وقف أو صلى أو جلس أو حتى سار فيها. حينها كان من الممكن أن أغادر القدس في هذه اللحظة بدون أي ندم.

اتجهنا مرة أخرى في اتجاه مسجد قبة الصخرة للصلاة هناك قبل آذان صلاة العصر. تزين قبة الصخرة جميع صور القدس التي عرفناها في أي وقت. ويعتبرها الكثير من الناس رمز القدس. فجمالها يصعب تفسيره، في تقديري، ليس السبب وراء ذلك هو تعقيد تفاصيل تصميمها ولكن الحقيقة أن من هنا عرج النبي الحبيب – صلى الله عليه وسلم – إلى السماء. أُخبر أن يصعد من الجانب الأيمن من الصخرة. بنى العثمانيون قبة صغيرة خارج مسجد قبة الصخرة وأطلقوا عليها اسم قبة المعراج، القبة التي صعد منها لأنهم يعتقدون أن هذا هو المكان الذي حدث عنده المعراج.

عند دخولنا مسجد قبة الصخرة سرحت بعقلي في تذكر حادثة المعراج. ليس فقط في سرد الحادثة التي نقرأها في كتب السيرة ولكن في التجربة الفعلية. كيف كانت هذه البقعة مباركة للدرجة التي اختارها الله من بين جميع الأماكن على الأرض ليعرج منها حبيبه؟ كيف كانت حينها، لتشهد الحدث وتخوض التجربة وتشارك في هذه اللحظة؟ بالطبع شعرت كما لو كنَّا متواجدين هناك ومشاركين في هذه اللحظة، لأن القبة تفيض ببركة هذه اللحظة، حتى الآن، بعد مرور 1433 عام. بينما تسير داخل مسجد قبة الصخرة أول ما يلفت انتباهك هو الطراز المعماري. وإن وصفته بالجمال فهذا أمر غير عادل! حيث يظهر إحكام صنع كل جزء داخل القبة من خلال تصميمات الزخارف وانتقاء استخدام الألوان الذي يعزز من التجربة الجمالية للمُشاهِد. ويعد التصميم الداخلي للمسجد فريدًا من نوعه، نظرًا لبنائه حول الصخرة التي تعتبر ضخمة للغاية. لم أتخيل أبدًا أنها كبيرة لهذه الدرجة، وعلى الرغم من أن الصخرة كانت مطوقة بسبب التجديدات التي كانت تحدث هناك، فمازال باستطاعتنا مشاهدة جزء منها. قال النبي الكريم – صلى الله عليه وسلم – أنها صخرة من الجنة. إن الله يُكرم مَن يشاء وما يشاء، وبكرمه يصبح الناس و الأشياء مبجلين. فلولا ذلك، لكانت هذه الصخرة مثل أي صخرة أخرى، تمامًا مثل ما حدث مع الحجر الأسود في الكعبة.

فهو حجر أيضًا من الجنة و لكن لولا معرفتنا بالشرف الذي ناله، لاعتبرناه مثل أي حجر آخر.

كان الخليفة عمر هناك ذات مرة عند الحجر الأسود فقبَّله وقال “إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك”.

قبل الرحلة، طُلب مني العثور على منطقة الصلاة تحت الصخرة لأنه يُعتقد أن النبي عليه السلام صلى هناك. وعلمت أيضًا أن هذا هو المكان الذي جلس فيه الإمام الغزالي- رحمة الله عليه – وألف بعض من كتاب إحياء علوم الدين. بينما تتجول حول الصخرة من المدخل الغربي الرئيسي، تجد سلم يقود إلى الأسفل أسفل الحجر المقابل للمحراب الذي يستخدمه الإمام حاليًا ليؤم الصلاة. يوجد بالأسفل مساحة صغيرة، أشبه بالكهف، حيث يأتي الناس ويؤدون صلاتهم. نزلنا السلم وصلينا على الجانب الأيمن وجلسنا بعدها هناك لنستخلص بركة هذا المكان. لم أشعر من قبل مطلقًا بالقرب من تراثنا مثلما شعرت هنا ولن يشعر الإنسان أبدًا بالبعد عن وجود النبي – صلى الله عليه وسلم – في مسجد قبة الصخرة. أن تتواجد هنا لتجلس وتفكر وتتأمل وتستوعب وتحن، كل ذلك جعلني أدرك الحجم الحقيقي للدمار الذي لحق بتقليدنا وتراثنا في الحرمين المقدسين مكة والمدينة. أخبرني أحد أساتذتي أنه يسهل على جميع المؤمنين الشعور بجمال الأقصى و بركته؛ لأنه تم الحفاظ عليه مع إجراء تغييرات قليلة وضرورية عبر التاريخ، بينما في مكة والمدينة تم إجراء تغيرات جذرية، والمتاجرة بها، فمُحي تاريخها، فبات الشعور بأضوائه أصعب. شعرت ببالغ الأسف على ذلك ومازال يؤلمني حتى اليوم أن الكثير من تاريخنا في الحجاز قد دمر بسهولة. ماذا سيبقى للأجيال القادمة لتلمسه وتشعر به وتشمه وتتذكر به الماضي الذي مازال باقيًا ولن تنطفئ أضوائه مطلقًا؟

انقضى آذان العصر وأدينا أول فرض لنا في الأقصى. بعد ذلك أخذنا جولة على الأرض لنشعر بوجودنا هناك وحاولنا التعرف بأنفسنا على تاريخ الأقصى. في المنشور التالي سأروي بالتفصيل زيارتنا لبعض الأماكن في الحرم الشريف التي تحمل أهمية خاصة.
__________________
إذا أنتَ أكثرتَ الصلاةَ على الذي
صلى عليه الله ُ في الايات ِ
وجـعلـتـَـها ِوردا ً عليكَ مُـحـتما ً
لاحتْ عليكَ دلائلُ الخيرات
عبدالقادر حمود غير متواجد حالياً  
رد مع اقتباس
قديم 03-04-2014
  #6
عبدالقادر حمود
أبو نفيسه
 الصورة الرمزية عبدالقادر حمود
 
تاريخ التسجيل: Aug 2008
الدولة: سوريا
المشاركات: 12,089
معدل تقييم المستوى: 10
عبدالقادر حمود is on a distinguished road
افتراضي رد: رحلتي إلى القدس

رحلتي إلى القدس (4): كنوز الحرم الشريف
4 Mar

طوال الأيام المتبقية لنا في القدس، سعينا في البحث عن التفاصيل الدقيقة الخاصة بالحرم الشريف بعد زيارتنا للمسجد القِبلي ومسجد قبة الصخرة. لقد كانت مفاجأة سارة ومبهرة ما يحمله الثراء التاريخي لهذا الحرم المقدس. لن يكون أو بإمكانك أن تدع حجرًا جدارًا أو قبة أو عمودًا أو شجرة دون أن تلمس فيه رواية تاريخية متعلقة به. أقام العثمانيون العديد من المنشآت (وحتى بقايا هذه المنشآت) والأركان المنتشرة حول الحرم أو جددوها أو حفظوها – جزاهم الله خيرًا لجميل صنيعهم في حفظ هذا التاريخ القائم إلى اليوم. وبينما نحن نتجول حول الحرم، شاهدت ما قدمه العثمانيون من إنجازات ولا يسعني سوى أن أفكر في مدى بقاء الأعمال الجيدة وتأثيرها في الأجيال المقبلة. بعد ما يقرب من 100 عام على سقوط ملكهم، ومئات أخرى تمر على إسهاماتهم في الحرم الشريف، يتجول بريطاني مسلم وعائلته داخل أروقة المسجد الأقصى وتتغذى أفئدتهم وعقولهم بتفاعلهم مع مثل هذا التاريخ الحي. ماذا لو لم يكونوا على هذا القدر من الاهتمام وتركوا الحرم دون تعمير ولم يشغلهم أمر توثيق دلالة وتاريخ العديد من المنشآت والأركان الخاصة بالحرم، وكيف يمكن لأطفال القدس والمسلمين بصفة عامة، إدراك أهمية الأقصى والتمتع بالاتصال الروحي به؟ لا أقوى على الرد لكن ينتابني شعور بالألم خلال قيامي بهذه الزيارات إذا راودتني فكرة تدمير تاريخ الأمة في الحرمين الشريفين في مكة والمدينة المنورة. في أحايين كثيرة جلسنا فيها سواء في المسجد القِبلي أو مسجد قبة الصخرة، كان ينتابني شعورًا عميقًا بالأسف والندم على كل شيء فقدناه في الحجاز. إن الحفاظ على المواقع والآثار التاريخية يُعد سبيلاً قويًا لاستحضار شعورًا عميقًا بالهوية الروحية للمسلمين، بالإضافة إلى أنه يربط الأفراد بماض لا يبدو بعيدًا جدًا. إن طمس ذلك التاريخ يجعل أطفالنا عرضة لخطر وجود هذا الفراغ المليء بأشياء سطحية وعابرة تهدد عقيدتهم والحفاظ على وجود الله محورًا لإيمانهم. هذه كانت تجربتنا في القدس، والله وحده أسأل أن يمن علينا بتذوق قيم عهد النبي صلى الله عليه وسلم في أحلامنا وميعادنا في اليوم الآخر.

وكان أحد أهم المواقع التي زرناها في الحرم الشريف بعد صرحي الصلاة، مُصلى البراق. الذي يقع إلى الغرب من مدخل المسجد القِبلي بجوار بوابة المغربي (باب المغاربة) وهو مفتوح فقط في الصباح. حيث هبطنا منحدر حاد مكون من مجموعة من الدرجات لنصل إلى مساحة صغيرة تُؤدى فيها الصلاة. هنا حيث دخل الرسول الله، صلى الله عليه وسلم، الحرم الشريف وربط البراق. وصلى ركعتين ثم انتقل بعد ذلك في اتجاه المسجد الرئيسي إلى أقصى زاوية في جنوب الحرم. حائط المبكى، أحد مواقع اليهود المقدسة، ويقع مباشرةً على الجانب الآخر للمُصلى. إن الصلاة داخل المُصلى تُعد أمرًا استثنائيًا لارتباطها الوثيق بالنبي صلى الله عليه وسلم. إنها تملئ القلب بالغبطة والشوق والرغبة في أن نكون في صحبته والحزن على فوات فرصة أن نكون من بين صحابته. نسأل الله صحبته في الآخرة.

في نهاية الشمال الشرقي للحرم الشريف تقع بوابة تُسمى باب الذهبي. كانت مفتوحة في الأيام الأولى لكنها أُغلقت بأمر من صلاح الدين الأيوبي بعد تحريره للقدس ولا تزال مغلقة حتى اليوم. تقع هذه البوابة في محيط الحرم الشريف وهي تمثل أهمية خاصة لجميع الديانات الإبراهيمية الثلاث – فتُمثل للمسلمين مدخلاً للمسجد الأقصى، ويعتقد المسيحيون أن عيسى عليه السلام قد مر من خلالها عند دخوله القدس ويؤمن اليهود أن المسيح سوف يدخل من خلالها. يحتوى سقف البوابة على قبتين مميزتين. وأحد هاتين القبتين كان المكان الذي اعتاد الإمام الغزالي المكوث فيها والتدريس والانشغال بسعيه للمعرفة وهي معروفة على نطاق واسع بين سكان القدس الأصليين الذين يترددون على الأقصى. وفي الحقيقة، هم يطلقون عليها قبة الغزالي. لقد شرفنا بالذهاب إليها ورؤيتها ومشاهدة المكان الذي كان شاهدًا على التبحر في العلم وتألق هذا الإمام الجليل وقرأنا الفاتحة على روحه.

يمتد الجانب الخارجي من البوابة الذهبية إلى مقبرة شهداء الأقصى، باب الرحمة، ذلك المكان الرائع المليء بمقابر صحابة النبي صلى الله عليه وسلم والقديسين والعلماء والشهداء. وقد دُفن اثنين من صحابة النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك المكان وهما شداد بن أوس وعبادة بن الصامت، تغمدهما الله بواسع رحمته. تعود أصول شداد بن أوس إلى المدينة المنورة، وكثيرًا ما كان يزور القدس ويمكث فيها. وكان من بين رواة الحديث النبوي وقيل عنه أنه “إن شداد من الذين أنعم الله عليهم بالعلم والحلم”. لقى ربه في مدينة القدس سنة 85 من الهجرة عن عمر يناهز 75 عامًا. وتعود أصول عبادة بن الصامت أيضًا إلى المدينة المنورة، حيث شهد العديد من الغزوات أثناء عهد النبي صلى الله عليه وسلم وكان حاضرًا مع عمرو بن العاص عند قدومه إلى مصر. عُين قاضيًا على الشام وكان أول قاضيًا مسلمًا يتولى قضاء القدس. لقى ربه سنة 34 من الهجرة عن عمر يناهز 72 عامًا. وتعتبر زيارة كلا من سيدنا شداد وسيدنا عبادة تعزيزًا لوجود الروح النبوية التي تسكن جنبات المسجد الأقصى وتتخلل نسمات الحرم الشريف. تغمد الله صحابة النبي صلى الله عليه وسلم برحمته ورضوانه ورزقنا صحبتهم في الآخرة.

وأثناء تنقلنا بين أرجاء الحرم الشريف، عثرنا على عدد من الهياكل المفتوحة والشاهقة مُحاطة بسقف متوج بقبة مدعومة بأربعة أعمدة. كل واحد منها، وهناك الكثير، لديه اسم فريد ومحراب للصلاة. يمكنك أن ترى في بعضهم أماكن للجلوس. حيث كانت بمثابة أماكن تُلقن فيها المعرفة وتتجمع الناس لإحياء ذكر الله. يقع أحد هذه الأماكن أقصى نهاية الجانب الشمالي من الحرم الشريف ويتميز إلى حد ما عن البقية. حدثوني بأنها يُطلق عليها قبة العشاق. حيث كان يجلس الناس وينشدون القصائد في حب الله ورسوله وينعمون ببركاتهم. وهذا مثال آخر على ما كانت عليه مدن المسلمين ما قبل الحداثة وخاصة القدس التي كانت ملاذًا آمنًا للعلم والتقوى.

في المدينة القديمة التي تحيط أرجاء الحرم الشريف مر زمنًا حين كان بإمكان الفرد أن يعثر على 43 زاوية أو مركز روحي حيث يتمكن خلاله من إحياء ذكر الله ودراسة الكتب الروحانية الإسلامية. أقام أبو مدين، حكيم القرن الـ 6 (القرن الـ 12 الميلادي) العلامة والعالم الرباني، زاوية في المدينة القديمة بعد أن شارك في تحرير القدس واستقر فيها لمدة من الزمن. خلال تجولنا في المدينة القديمة، مررنا بعدد من الزوايا الأخرى وهي ليست مستغلة على أية حال، بما في ذلك زوايا النقشبندي والأفغاني والهندي والسوداني. حيث كان غالبًا ما يأتي لزيارة القدس وفودًا من أنحاء مختلفة من العالم الإسلامي ويستقرون فيها ويقيمون زوايا أو ينشئون أبنية بأمر من الحاكم. وقد حدث هذا مع زاوية الأفغاني، الزاوية الوحيدة المتبقية والمستخدمة في مدينة القدس القديمة. أنشئت سنة 1043 من الهجرة (1603 ميلاديًا) كهدية من الوالي العثماني للقدس في ذلك الوقت للطريقة القادرية الروحانية. وظلت على هذا النحو حوالي 300 سنة ثم تم تمريرها إلى الطريقة الشاذلية وبقائها تحت رعايتها إلى اليوم. يقيم الشيخ عبد الكريم الأفغاني، شيخ الزاوية، في القدس ويقضي معظم أوقاته في الأقصى. إنهم يعقدون حلقات ذكر في الزاوية ويقرأون كتبًا عن القيم الروحانية. وقد شرفت بقضاء جزء من الزيارة مع الشيخ وأشكر الله على هذه الفرصة. كان رجلاً هادئًا ذو شخصية لا تشوبها شائبة وتظهر عليه إمارات التواضع التي تضفيها عليه بشكل جلي هالته الروحانية. إن قضاء بضع ساعات معه يشعرك وكأنك عدت إلى الأقصى أيام قرونه السالفة. حيث يتناسى الفرد منا في صحبة الشيخ الأوضاع السياسية للأقصى والمشكلات التي يواجهها. كانت نصيحته لي عند مفارقته أن يكون الله نصب عيني أينما كنت، لأنه يقينًا يراني وأن إحسانه ورحمته لا حدود لهما.

إن العديد من المسلمين لا يدركون منزلة الحرم الشريف. وأنا كذلك، كنت مثلهم إلى أن زرت القدس وعشت بشكل مباشر التاريخ العظيم الذي يحيا في هذا المكان المبارك. وجزء من السبب لمن لا يعلم، هو افتقارنا لوجود مادة علمية تمت دراستها جيدًا وتوثيقها بعناية حول تاريخ الأقصى من منظور يشبع نهم المتطلعين إلى المعرفة. هناك الكثير من المواد العربية المعاصرة التي تؤكد نظريات المؤامرة وتأزم الوضع السياسي (بمعنى، استمرار بيع كتاب بروتوكولات حكماء صهيون) لكن لا تكاد تعثر على شيء لشخص يسعى لإدراك حقيقة مركزية الله في الأقصى، خاصة لقراء اللغة الإنجليزية. عثرت على كتاب مفيد للغاية وهو فضائل القدس والذي ألفه العلامة الحنبلي الجليل أبو الفرج بن الجوزي. كما يُعد كتاب تاريخ القدس “history of Jerusalem” لمؤلفته كارين أرمسترونج مفيدًا لقراء اللغة الإنجليزية الراغبين في التعرف على تاريخ القدس من منظور الديانات الإبراهيمية لكن لم تقع يدي على شيء في كتابات باللغة الإنجليزية تعرض تفاصيل حول الأماكن المقدسة في القدس.
__________________
إذا أنتَ أكثرتَ الصلاةَ على الذي
صلى عليه الله ُ في الايات ِ
وجـعلـتـَـها ِوردا ً عليكَ مُـحـتما ً
لاحتْ عليكَ دلائلُ الخيرات
عبدالقادر حمود غير متواجد حالياً  
رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
ميدان عمر بن الخطاب في البلدة القديمة في القدس ! عبدالقادر حمود ركن بلاد الشام 0 05-14-2012 10:07 PM
معلقة غزة على أسوار القدس عبدالقادر حمود الانشاد والشعر الاسلامي 0 08-26-2010 08:35 AM
رحلة إلى القدس بالصور عبدالقادر حمود المقدسات الاسلامية 0 06-02-2010 08:18 PM
ماأجمل القدس عبد الله الدالي ملتقى الأعضاء 3 04-28-2010 02:06 PM
القدس في عيون الرحالة.. عرباً وأجانب الرشيد ركن بلاد الشام 1 05-20-2009 04:32 PM


الساعة الآن 08:09 PM




جميع المواضيع و الردود المطروحة لا تعبر عن رأي المنتدى بل تعبر عن رأي كاتبها

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2023, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir