أنت غير مسجل في منتديات البوحسن . للتسجيل الرجاء إضغط هنـا

آخر 10 مشاركات
الأذكار           الحَمْدُ لله الذِي أحْيَانا بَعْدَمَا أمَاتَنَا وإلَيْهِ النَشُور           

الفقه والعبادات كل ما يختص بفروع الفقه الإسلامي والمذاهب الفقهية الأربعة والفتاوي الفقهية

إضافة رد
قديم 01-12-2024
  #1
عبدالقادر حمود
أبو نفيسه
 الصورة الرمزية عبدالقادر حمود
 
تاريخ التسجيل: Aug 2008
الدولة: سوريا
المشاركات: 12,181
معدل تقييم المستوى: 10
عبدالقادر حمود is on a distinguished road
افتراضي تذكرة في شهر رجب

بسم الله الرحمن الرحيم
تذكرة في شهر رجب
وتذكير بما يتعلَّق بصوم شهر رجب وشعبان والأشهر الحرم
الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على سيِّدنا محمَّد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال الله تعالى: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ} [التوبة: 36].
فالأشهرُ الحُرُمُ أربعة، ثلاثةٌ سَرْدٌ هِيَ: ذُو القَعْدَة، وَذُو الحِجَّة، وَالمُحَرَّم، وواحد فرد وَهو رَجَب.. وهذه تذكرةٌ بين يدي شهر رجب، يستأنسُ بها المحبُّون، ويستفيدُ منها المتقرِّبون في شحذ هِممهم في الإقبال على الله سبحانه وتعالى، والتقرُّب إليه جلَّ وعلا.
شهرُ رجبٍ مفتاحُ أشهرِ الخَيرِ والبركةِ، قال أبو بكر الورَّاق البَلْخيُّ رحمه الله تعالى: شهرُ رجبٍ شهرُ الزرعِ، وشهرُ شعبانَ شهرُ السَّقي للزَّرعِ، وشهرُ رَمضانَ شهرُ حصادِ الزَّرعِ.
وعنه رضي الله تعالى عنه قال: مَثَلُ شهرِ رجبٍ مثلُ الرِّيح، ومثلُ شعبانَ مثلُ الغيمِ، ومثلُ رمضانَ مثلُ المطر.
وقالَ بعضهم: السَّنةُ مثلُ الشَّجرةِ؛ وشهرُ رجبٍ أيَّامُ تَوْريقِها، وشعبانُ أيَّام تَفريعِها، ورمضانُ أيَّامُ قَطْفِها، والمؤمنون قِطافُها.
جديرٌ بمن سوَّدَ صحيفتَه بالذُّنوبِ أن يُبيِّضَها بالتَّوبةِ في هذا الشهر، وبمن ضيَّعَ عُمُرَهُ في البطالة أن يغتنمَ فيه ما بقي من العمرِ.
انتهازُ الفرصةِ بالعمل في هذا الشهرِ غنيمةٌ، واغتنامُ أوقاتهِ بالطاعاتِ له فضيلةٌ عظيمةٌ.
وقد ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَبَعْضِ الحَنَابِلَةِ إِلَى اسْتِحْبَابِ صَوْمِ الأَشْهُرِ الْحُرُمِ.
وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّ أَفْضَلَ الأَشْهُرِ الْحُرُمِ: الْمُحَرَّمُ، ثُمَّ رَجَبٌ، ثُمَّ بَاقِيهَا: ذُو الْقَعْدَةِ وَذُو الْحِجَّةِ.
وقد ورد في صيام الأشهر الحُرُمِ حديثُ مُجِيبَةَ الْبَاهِلِيَّةِ عَنْ أَبِيهَا أَوْ عَمِّهَا رضي الله عنهم، أَنَّهُ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ انْطَلَقَ فَأَتَاهُ بَعْدَ سَنَةٍ وَقَدْ تَغَيَّرَتْ حَالُهُ وَهَيْئَتُهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمَا تَعْرِفُنِي؟ قَالَ: (وَمَنْ أَنْتَ؟) قَالَ: أَنَا الْبَاهِلِيُّ الَّذِي جِئْتُكَ عَامَ الْأَوَّلِ، قَالَ: (فَمَا غَيَّرَكَ وَقَدْ كُنْتَ حَسَنَ الْهَيْئَةِ) قَالَ: مَا أَكَلْتُ طَعَامًا إِلَّا بِلَيْلٍ مُنْذُ فَارَقْتُكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (لِمَ عَذَّبْتَ نَفْسَكَ؟) ثُمَّ قَالَ: (صُمْ شَهْرَ الصَّبْرِ وَيَوْمًا مِنْ كُلِّ شَهْرٍ) قَالَ: زِدْنِي فَإِنَّ بِي قُوَّةً، قَالَ: (صُمْ يَوْمَيْنِ)، قَالَ: زِدْنِي، قَالَ: (صُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ)، قَالَ: زِدْنِي، قَالَ: (صُمْ مِنَ الْحُرُمِ وَاتْرُكْ، صُمْ مِنَ الْحُرُمِ وَاتْرُكْ، صُمْ مِنَ الْحُرُمِ وَاتْرُكْ). رواه الإمام أبو داود رحمه الله تعالى، وفي رواية ابن ماجه رحمه الله تعالى: (صُمْ شَهْرَ الصَّبْرِ وَثَلَاثَةَ أَيَّامٍ بَعْدَهُ، وَصُمْ أَشْهُرَ الْحُرُمِ).
قال الحافظ ابن حجر الهيتمي رحمه الله تعالى في الفتاوى الفقهية: قال العلماء: وإنَّما أمره صلَّى الله عليه وسلَّم بالترك لأنه كان يشقُّ عليه إكثار الصوم كما ذكره في أوَّل الحديث، فأما مَنْ لا يشقُّ عليه فصوم جميعها فضيلةٌ، فتأمَّلْ أمرَهُ صلَّى الله عليه وسلَّم بصوم الأشهر الحُرُم في الرواية الثانية، وبالصوم منها في الرواية الأولى، تجدْهُ نصاً في الأمر بصوم رجب، أو بالصوم منه؛ لأنه من الأشهر الحرم، بل هو من أفضلها. انتهى.
وقد ذهب جمهور العلماء من الحنفية والمالكية والشافعية وبعض الحنابلة إلى استحباب الصيام في شهر رجب كما يستحبُّ صيام باقي الأشهر الحرم، وهي: محرَّم، وذو القعدة، وذو الحجة..
واستدلوا لذلك ببعض الأحاديث الواردة، منها قوله صلى الله عليه وسلم حين سئل عن سبب صومه صلَّى الله عليه وسلَّم شهرَ شعبان: (ذَلِكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ بَيْنَ رَجَبٍ وَرَمَضَانَ) رواه الإمام النسائي رحمه الله تعالى، قالوا: دلَّ هذا الحديث على أنَّ شهري رجب ورمضان شهرا عبادةٍ وطاعةٍ لا يغفل الناس عنهما.
وروى الإمام مسلم رحمه الله تعالى أنَّ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ رضي الله تعالى عنه سُئِلَ عَنْ صَوْم رَجَب، فَقَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما يَقُول: (كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصُوم حَتَّى نَقُول: لَا يُفْطِرُ، وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ: لَا يَصُومُ).
قال الإمام النوويُّ رحمه الله تعالى: الظَّاهِرُ أَنَّ مُرَادَ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى بِهَذَا الِاسْتِدْلَال أَنَّهُ لَا نَهْيَ عَنْهُ، وَلَا نَدْبَ فِيهِ لِعَيْنِهِ، بَلْ لَهُ حُكْمُ بَاقِي الشُّهُورِ، وَلَمْ يَثْبُتْ فِي صَوْمِ رَجَبٍ نَهْيٌ وَلَا نَدْبٌ لِعَيْنِهِ، وَلَكِنَّ أَصْلَ الصَّوْمِ مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ، وَفِي سُنَن أَبِي دَاوُدَ أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَدَبَ إِلَى الصَّوْمِ مِنَ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ، وَرَجَبُ أَحَدهَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. انتهى.
وروى الإمامُ البيهقيُّ رحمه الله تعالى عن أبي قِلابة التابعيِّ الجليل رضي الله تعالى عنه أنه قال: (في الجنَّةِ قصرٌ لصُوَّامِ رجبَ). قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: (وإن كان موقوفاً على أبي قِلابة، وهو من التابعين، فمثله لا يقول ذلك إلا عن بلاغٍ عمَّنْ فوقه ممَّنْ يأتيه الوحي صلَّى الله عليه وسلَّم).
والحديثُ رواه أيضاً ابن شاهين رحمه الله تعالى في الترغيب، عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه.
قال الإمام السيوطيُّ رحمه الله تعالى في شرح صحيح مسلم: هذا أصحُّ ما ورد في صوم رجب. انتهى.
وقد كان بعضُ السلفِ الصالح رضي الله تعالى عنهم يصومُ الأشهرَ الحُرُمَ كلَّها، منهم ابن عمر والحسن البصري وأبو إسحاق السَّبيعيُّ رضي الله تعالى عنهم.
وقال الإمام الثوري رحمه الله تعالى: الأشهر الحُرُم أحبُّ إليَّ أن أصوم فيها..
وجاء في الشرح الكبير للإمام الدردير رحمه الله تعالى: (وَ) نُدِبَ صَوْمُ (الْمُحَرَّمِ وَرَجَبٍ وَشَعْبَانَ) وَكَذَا بَقِيَّةُ الْحُرُمِ الأَرْبَعَةِ، وَأَفْضَلُهَا الْمُحَرَّمُ فَرَجَبٌ فَذُو الْقَعْدَةِ وَالْحِجَّةِ.. ومثله في حاشية الإمام الصاوي رحمه الله تعالى.
وفي حاشية إعانة الطالبين: قيل: ومن البدع صومُ رجب، وليس كذلك.. بل هو سُنَّةٌ فاضلة.
وفي فتاوى الحافظ ابن حجر الهيتمي رحمه الله تعالى: الصوابُ استحبابُ صومِ يومِ الإثنين والخميس ورجب وباقي الأشهر الحرم..
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يُسَنُّ صَوْمُ شَهْرِ الْمُحَرَّمِ فَقَطْ مِنَ الأَشْهُرِ الْحُرُمِ، وَذَكَرَ بَعْضُهُمُ اسْتِحْبَابَ صَوْمِ الأَشْهُرِ الْحُرُمِ، لَكِنَّ الأَكْثَرَ لَمْ يَذْكُرُوا اسْتِحْبَابَهُ، بَلْ نَصُّوا عَلَى كَرَاهَةِ إِفْرَادِ رَجَبٍ بِالصَّوْمِ، لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ صِيَامِ رَجَبٍ. رواه الإمام ابن ماجه رحمه الله تعالى، وَلأَنَّ فِيهِ إِحْيَاءً لِشِعَارِ الْجَاهِلِيَّةِ بِتَعْظِيمِهِ.. وَتَزُولُ الْكَرَاهَةُ بِفِطْرِهِ فِيهِ وَلَوْ يَوْمًا، أَوْ بِصَوْمِهِ شَهْرًا آخَرَ مِنَ السَّنَةِ، مثل أن يصوم الأشهر الحرم، أو يصوم رجب وشعبان، وقد روى الإمام عبد الرزاق رحمه الله تعالى في مصنَّفه عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه كان يصوم أشهر الحُرُم، وفي رواية: كان لا يكاد أن يفطر في أشهر الحرم ولا غيرها.
أما صوم بعضه ـ أي بعض رجب ـ فلا يكره اتفاقاً، ويسنُّ فِطْرُ بعضه ـ ولو يوماً لمن أراد أن يُكثِر الصومَ ـ خروجاً من الخلاف.
وقال الحافظ ابن حجر الهيتميُّ رحمه الله تعالى في الفتاوى: ومن عظَّمَ رجبَ بجهةٍ غيرِ ما كانت الجاهلية يعظِّمونه به فليس مقتدياً بهم، وليس كلُّ ما فعلوه منهياً عن فعله، إلا إذا نَهتِ الشريعةُ عنه أو دلَّتِ القواعدُ على تركه، ولا يُترَكُ الحقُّ لكونِ أهل الباطل فعلوه. انتهى.
والخلاصة: أنَّ صيامَ الأشهرِ الحُرُمِ ـ ومنها شهر رجب ـ مستحبٌّ عند جمهور الفقهاء، ما عدا الحنابلة، فقالوا: إفراده بالصوم كاملاً مكروه، فلو صام معه شعبان، أو أفطر بعض أيام منه، تزول الكراهة. والله تبارك وتعالى أعلم.
وأما شهر شعبان: فقد ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى اسْتِحْبَابِ صَوْمِ شَهْرِ شَعْبَانَ، لِمَا رَوَتِ السَّيِّدَةُ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَكْثَرَ صِيَامًا مِنْهُ فِي شَعْبَانَ. وَعَنْهَا قَالَتْ: كَانَ أَحَبُّ الشُّهُورِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَصُومَهُ شَعْبَانَ، بَلْ كَانَ يَصِلُهُ بِرَمَضَانَ. رواه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه رحمهم الله تعالى.
قَالَ الشِّرْبِينِيُّ الْخَطِيبُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: وَرَدَ فِي مُسْلِمٍ: (كَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصُومُ شَعْبَانَ كُلَّهُ، كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ إِلا قَلِيلاً) رواه الإمام مسلم رحمه الله تعالى.. قَالَ الْعُلَمَاءُ: اللَّفْظُ الثَّانِي مُفَسِّرٌ لِلأَوَّلِ، فَالْمُرَادُ بِكُلِّهِ غَالِبُهُ.
وَعَنِ السيدةِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ: (مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَكْمَلَ صِيَامَ شَهْرٍ قَطُّ إِلا رَمَضَانَ) رواه الإمام البخاري ومسلم رحمهما الله تعالى.. قَالَ الْعُلَمَاءُ: وَإِنَّمَا لَمْ يَسْتَكْمِلْ ذَلِكَ لِئَلا يُظَنَّ وُجُوبُهُ.
وأما صوم شهر رجب وشعبان ووصلهما برمضان، فقد جاء في فتاوى الأزهرِ الشريف للشيخ عطية صقر رحمه الله تعالى: لم يرد حديث مقبول يقول: إنَّ صيامَ رجبٍ كلِّهِ وشعبانَ كلِّهِ ووصلَهما برمضان بدعةٌ مذمومة، فالصوم في رجب وشعبان مشروع، الأول لأنه من الأشهر الحُرُم، والثاني لفعل النبيِّ صلى الله عليه وسلم، غير أنَّ هناك توصيةً بعدم الإِرهاقِ وتكلُّفِ الإنسانِ ما لا يُطيق، فقد روى الإمام البخاريُّ ومسلم رحمهما الله تعالى عن السيدة عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصُومُ شَهْرًا أَكْثَرَ مِنْ شَعْبَانَ، فَإِنَّهُ كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ كُلَّهُ، وَكَانَ يَقُولُ: (خُذُوا مِنَ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا).
فإذا كان في صيام الشهرين إرهاقٌ يؤثِّر على صيام رمضان كان التتابعُ مخالفاً للحديث، ويكره أن يكون ذلك عن طريق النذر فقد يحصل العجز ويكون المحظور، ومن استطاع بغير إرهاق فلا مانع، مع مراعاة إذن الزوج إذا أرادت الزوجة أن تصوم هذا التطوُّعَ، ففي الحديث الذي رواه الإمام البخاري ومسلم رحمهما الله تعالى: (لَا يَحِلُّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَصُومَ وَزَوْجُهَا شَاهِدٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ). انتهى.
وكان كثيرٌ من الصُّلَحاء يصوم رجباً وشعبان ويصلُهما برمضان، وممَّنْ رُويَ ذلك عنه الإمامُ أبو يوسف قاضي القضاة صاحب الإمام أبي حنيفة رضي الله تعالى عنهما.
يقول فضيلة الإمام الشيخ عبد الحليم محمود شيخ الأزهر الشريف رحمه الله تعالى: ولم يَنْهَ صلَّى الله عليه وسلَّم عن صيام شهري رجب وشعبان، فمن أراد صيامهما قبل رمضان فلا بأس، وله ثوابُهُ، وثوابُ الصيام إيماناً واحتساباً كثيرٌ جداً.
ولكنَّ الثوابَ لا يمنع من الحساب، وكلُّ إنسانٍ مُحاسَبٌ ومجزيٌّ بما فعل، والصيامُ الصادق يدفع إلى العمل الصالح، ومن عمل صالحاً أَمِنَ في الدنيا والآخرة، ولقيَ الله تعالى وهو عنه راضٍ، وإذا لم يدفعِ الصيامُ إلى العملِ الصالح، فإنَّ ذلك دليلٌ على ضياعٍ أو ضعفِ تأثيرٍ.
وصيام يومي الإثنين والخميس خلال شهري رجب وشعبان طاعةٌ مندوبةٌ لله تعالى، وليست طاعةُ أحدٍ بموجِبةٍ على الله تعالى مغفرةَ ذنبِ الطائع، لقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء: 48]، ومغفرةُ الله تعالى للعبد إنَّما تكون بمحضِ الفضل من الله تعالى، وقد وعد عبادَهُ التائبين بمغفرةِ الذنوبِ جميعاً، قال تعالى: {إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ} [الفرقان: 70]، وقال تعالى: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الزمر: 53].
ومع ذلك فإنَّ صيامَ يومي الإثنين والخميس خلال شهري رجب وشعبان، وأداءَ الفروض منذ الصِّغر، كلُّ ذلك يهيِّئُ الإنسانَ لمغفرةِ الله سبحانه، ولدخولِ الجنَّة، ومن يفعل ذلك يتعرَّض لنفحات الله تعالى وتجلِّياته بالرحمة والمغفرة والرضا، والأمل كبيرٌ في فضل الله تعالى لمن يفعل ذلك. انتهى.
وذِكْرُ العلماءِ لأداءِ الفروضِ ينبِّه إلى أنَّ مَنْ فاتتهُ الفروضُ فعليه أن يشتغلَ بقضائها، ويحذرَ مما يقع به بعض الناس من الاشتغال بالنوافل وإهمال الفروض الإلهية، وهذا من مداخل الشيطان كما ذكر الأولياء رضي الله تعالى عنهم، فقُرْبُ الفرائض هو الأصل الذي يُبنى عليه قُرْبُ النوافل..
اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، برحمتك يا أرحم الراحمين.
ينظر: الموسوعة الفقهية الكويتية، والفتاوى الفقهية الكبرى للإمام ابن حجر الهيتمي رحمه الله تعالى، ولطائف المعارف للإمام ابن رجب الحنبلي رحمه الله تعالى، وفيض القدير للإمام المناوي رحمه الله تعالى، وفتاوى الإمام عبد الحليم محمود شيخ الأزهر رحمه الله تعالى، وفتاوى الأزهر الشريف، وفتاوى دار الإفتاء الأردنية، وغيرها..
وصلى الله تعالى على سيِّدنا محمَّد، وعلى آله وصحبه وسلَّم، والحمد لله ربِّ العالمين.
محمد عبد الله رجو
***
لمتابعة نسيم الرياض:
على الفيسبوك:
https://www.facebook.com/naseemalriad
وعلى التليغرام:
https://t.me/naseemalriad
وعلى تويتر:
https://twitter.com/naseemalriad
وعلى اليوتيوب:
https://youtube.com/@naseemalriad
وعلى الواتساب:
https://whatsapp.com/channel/0029Va5g8PK5vKA2zNJvVo3b
__________________
إذا أنتَ أكثرتَ الصلاةَ على الذي
صلى عليه الله ُ في الايات ِ
وجـعلـتـَـها ِوردا ً عليكَ مُـحـتما ً
لاحتْ عليكَ دلائلُ الخيرات
عبدالقادر حمود غير متواجد حالياً  
رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
تذكرة المحبيّن في أسماء سيّد المرسلين عبدالقادر حمود المكتبة الاسلامية 20 03-31-2009 10:34 AM
تذكرت الوقوف أمام ربى نوح الانشاد والشعر الاسلامي 3 03-29-2009 11:43 PM


الساعة الآن 11:16 PM




جميع المواضيع و الردود المطروحة لا تعبر عن رأي المنتدى بل تعبر عن رأي كاتبها

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2024, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir